المسألة التاسعة والعشرون (كُسِرَتْ) 1438/9/29هـ من سلسلة (في النفوس خفايا وعلامات) رمضان 1438هـ


إذا النفوس كُسرت فإنها بذاك سُحِقت وألزَمت انغلاق حال وضيق مآل ربما يفضي لكثير مما لا يتوقعه بشر ، وكسر النفوس مناص الطغاة والعتاة والجبابرة أصحاب القلوب الفظة الغليظة ، وبأي حال كسرت النفس فإنها في طريق رأب الصدع ومسالك إعادة المنكسر صاحبة إعياء لذاتها وصاحبة إتعاب لراغب في الإعادة ، لكن جبر خواطر المنكسرين شيمة الأوفياء وحلة الأصفياء وخلق الناعمين الطيبين ، وفي النفس إنكسار لا يظهر للعامة إلا حين الاختبار ووقت الجاهزية للدفع بالمشاعر نحو بلوغ الأرب ، وفي النفوس انكسار يُثار بالذكريات ويستثار بالأشباه والنظائر ، ونفس مكسورة عصيةٌ على الفاعلية في مجتمع كسرها ، وهي كذلك متخلفة لا ريب عن ركب حماس فيما جربت واختبرت ، ولعل النفوس بزجاج طبعها تنكسر من التافه البسيط حين يكون من مصدر عزيز أكثر من تراكم سوء من الغرباء ، وفي مفاجآت اطمئنان النفوس لغيرها احتمالية كسر بالغة التأثير ، ومن كسر نفساً فإنه يشعر بذلك ولو أخفى أو كابَر أو أنكر ، فالنفوس يدل بعضها بعضاً على مواطن الضعف فيُمسِكُ المخادع بسبب الكسر مفتاح نجاة ، وحين يعرف الجميع بأن في النفوس رقةً ولو ظنناها متوحشة قاسية يلزم الكل جادة الحذر من جروح لا يشفيها الزمن .وفي المساحة بين الطبقات الاجتماعية اقتصادياً وعرفياً مجال كبير لخطأ الأفراد حيال بعضهم كسراً للنفوس دونما قصد أو دون انتباه واهتمام ، فسكر نفس الفقير بالصدقات شكلاً ومضموناً دونما حذر مما حذر الله منه خطير الأثر حنقاً من الفقراء على الأغنياء مما لا تُسعِد عقباه ، وكسر خواطر المرضى وأصحاب الاحتياجات ومن لهم بعض قصص وحكايا لذويهم وأهلهم جريمة نفس لا حدود لامتداد تواصلها بين الأجيال ، وهتك الستر بذكر العيوب كسر عظيم وشرخ فاحش في العلاقات الاجتماعية .

ومن له نفس شفافة الطبع لينة الجانب محبة للناس تكون علامات النفوس المنكسرة عنده كقراءة كتاب ، ويكون هو كآسٍ يجسُّ عليلاً ، على مهل وحذر وبلسم مداواة ومعالجة في أدب ونية حسنة وإحسان للعباد ، والأصدقاء يبثون لبعضهم البعض ملامح انكسار ، والصديق من يلمّ بقايا البلّور المكسور لصديقه ويصنع منه يداً حانية ترفع الشأن وتشدّ الأزر وتهدي للطريق .

ووجدت الابتسامة أبهى أنواع لحام المكسور ، والتحية والسلام داعمان حقيقيان لتجفيف دموع القلب ، والدعاء بظهر الغيب جابر للعثرات ، وجبار النفوس هو الله الجبار . والله أعلم

#محمد_أحمد_بابا

#في_النفوس_خفايا_وعلامات

Advertisements

المسألة الثامنة والعشرون (النفوس الصغيرة) 1438/9/28هـ من سلسلة (في النفوس خفايا وعلامات) رمضان 1438هـ


ولادة الطفل هي ولادة نفْس لا غرابة في ذلك ولا جدال ، ولعل تسمية عملية الولادة بالنّفاس من هذا المنطلق ، وخروج نفس من نفس من محطات توقف المفكرين المتدبرين ، وقوله صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة ربما هو النفس التي سواها ربي فهي صالحة للعمل الكوني بسلامة من الشر ، وحين كان الأبوان هما موجّها هذه النفس فالأمر إذن مثار الاهتمام منذ الولادة قطعاً ، لا ما سار عليه كثير من الناس أنْ ربطوا النفسية بالتمييز والإدراك ، وكم من بحث علمي ودراسة في عصرنا الحديث تكلمت عن طباع الأطفال نتيجة عوامل منزلية أو ظروف اجتماعية أو عوائق نفسية في الوالدين أو المحيطين ، وغالب الأطفال متأثر بضجيج أهله وصراخ والديه ومشكلات عائلته واقتصاديات مجتمعة منذ أيامه الأولى ولو أبينا أو أنكرنا ، بل إن النفس البشرية وهي لا تزال في ظلمات ثلاث في بطن الأم متأثرة باستقامة نفسية الأم أو انحرافها ، ففي نفوس الأطفال اكتئاب لمن فطِن ، وبداخلهم حزن لمن استفتى ، وفي أعينهم تساؤلات لمن راقب ذلك .وما أصعب مهمة من يبحث في نفوس الأطفال مابهم وماذا يريدون إذا سكن تلك النفوس ضرب من انفصام أوامر مع نواهي ، أو مفارقات أحكام ومعلومات مغلوطة أو مشتتة لا يرقب معطيها إلّاً ولا ذمة في طفل سيكون لما حدث معه غاية المردود حين يكبر .

وتعرض الأطفال لحوادث وخدوشات وتحرش ونحو ذلك هادمٌ نفسي عظيم لبناء نرجو منه صلابةً وامتداد عيش ، وكون الأطفال ضحايا حروب ونزاعات وفقر ومجاعة وانتشار أوبئة فخُذ من نفوس مشوهة معوجة ساخطة ما الله به عليم .

ومن يلاحظ علامات تغاير السلوك الطفولي المعتاد في أطفال اليوم ربما يهتدي لخفايا نفوس بالجمع أو الإفراد تسببنا نحن فيها إهمالاً وتقصيراً أو كذباً وافتراءً .

والأصل في نفوس الأطفال البراءة والسلامة من غرض سيّء ، ولذلك استثناهم ربنا فقال: أو الطّفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ، ولو لاحظنا ما يُمَد به أطفال اليوم من ظهور على عورات الكون لعرفنا شناعة الجريمة تجاه هذه النفوس ولو أخفت أو تخفّت أو خافت فأنكرت .

وما اليتيم ووصية الشرع تجاهه إلا من باب نفس يُخشى عليها من آثار فقْد ، وما الرَّضاع وأثره إلا مؤثراً في الطباع نفساً وتجربة حياة ، وما الحنان والحلم والرحمة إلا ثلاثةُ أثافيّ يقف عليها صندوق التنشئة النفسية شامخاً بقدرة الله تعالى . والله أعلم 

#محمد_أحمد_بابا

#في_النفوس_خفايا_وعلامات

المسألة السابعة والعشرون (النّفس المطمئنّة) 1438/9/27هـ من سلسلة (في النفوس خفايا وعلامات) رمضان 1438هـ


لا أظنّ بأن حالة الاطمئنان تأتي إلا بعد قلق أو خوف أو خواء اتجاه ، ثم تلك الحالة ربما لا تحدث وتستقر من غير طارئ ذي مادة قوية التأثير ترافقه صيغة تفاعل من صاحب النفس ذاتها سعياً للوصول السلوكي النفسي ، وحين نزل القرآن على سيد الخلق صلى الله عليه وسلم في أول عهد الوحي خاف واضطرب ومنه قال دثروني وزمّلوني ثم تتالى القرآن العظيم ليكون رسول الأمة صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين وما رحمة إلا في اطمئنان نفس تهب الاطمئنان للنفوس حولها .وفي داخل النفوس نهم كبير نحو الأمن والأمان بالهداية للطريق الذي تأمن فيه النفوس ولو تعبت الأجساد ، وقد قيل: إذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسادُ ، ونتيجة طبيعية للعمل الدءوب بتربية النفس على سلوكيات الشرع أن تطمئن بالدُّربة والاعتياد مع النية لما تفعل وما تامل ثم ما تخلُص إليه عاقبةً ومردّاً .

فالنفس المطمئنّة ربما لا تستحق هذا الوصف إلا نهاية مطاف في ميزان مجازاة من رب العالمين حين نادها قي سورة الفجر: يا أيتها النفسالمطمئنة ارجعي إلى ربك راضيةً مرضية ، وهنا الرجوع متوافق ومتسق تماماً مع الانبعاث الذي هو أساس الابتلاء والتمحيص ليكون الاطمئنان هو صفة الآمنين المؤمنين بنور ربهم وهدي نبيهم صلى الله عليه وسلم .

وفي النفوس خفايا اطمئنان عظيم ربما لا يتناسب مع شظف عيش ولا مع مرض ولا مع فقر وربما لا يصدقه سامعون له عن نفوس تتصبب ألماً في صحراء حر أو باحات قرّ ، فالسعادة والاطمئنان صنوان في النفس والقلب حلاوتهما خفية وعلاماتها ظاهرة بالنقاء كالقمر ليلة البدر لمن رضي عن الله تعالى فرضي الله عنه ليرضيه .

ولطمأنينة النفس مناط الاعتدال في القول والعمل ، فالاطمئنان فيها لا يتناسب والغُلو ولا التطرّف ولا ظلم الناس ولا الاستعجال ولا غياب الحكمة والتهوّر ، والنفوس المطمئنة ليست للنفاق قريبة ولا صديقة فهي تثق في الله تعالى ووعده الحق وتؤمن بأنه لا يصيبها إلا ما كتب الله لها ، فلا إرجاف ولا تخويف ولا مفاجآت ، وأي نفس اطمأنت فإنها لذلك الاطمئنان باذلة كبذل الخير ، فقد قال لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا ، فما اطمئن صاحب بصاحبه عن ربه كمثل ذلك . 

ومع كل هذا فشرود النفس من دائرة الاطمئنان بعد حدوثه محتمل وواقع بفعل الآخرين أو ذات النفس مع غياب حرص على أن يكون اللجوء لمن خلق النفس في تثبيتها وهدايتها وتزكيتها ، فكم من بلوى زعزعزت نفوس الناس بعد الطمأنينة وحدث كوارث لنفوس لم تكن ذات توقع ، والكفر سبب ظاهر لزوال الاطمئنان عموماً والنفس لذلك تابعة ، وقد قال الله : ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة ، ثم قال: فكفرت بأنعم الله ، ولو اطمأنت النفس فإن إعمار هذه الدنيا بالسلام المجتمعي المشترك التعاوني سيكون أجدى بعبادة رب العالمين روحاً وعملاً . والله أعلم 

#محمد_أحمد_بابا

#في_النفوس_خفايا_وعلامات

المسألة السادسة والعشرون (الحب أعمى) 1438/9/26هـ من سلسلة (في النفوس خفايا وعلامات) رمضان 1438هـ


الباعث على إيجاد مشاعر في إنسان تجاه آخر لا يمكن السيطرة عليه بإخفاء ما في النفس ولو بدت لذلك علامات ، ولذلك فإن النفوس هي التي ترغب وهي التي تحث وتكون في زمام المبادرة نحو الحب أو الكره وقود رحلات ، ولقد وجدت النفس تنشغل أيما انشغال بمشاعر الكره أو الحب فلا تكون قادرة على غير ذلك ، بينما لو كانت تحمل شعور حزن أو استياء فإنها تستطيع إشراك قدرتها في غيرهما ولو عظُم ، ولعل في ظاهر علامات الحب الابتسام والتجمّل والوداعة والنشاط والحماسة وحب الدنيا والناس وخفض الصوت وحسن الاختيار ليكون العشق من علامات الحب أحياناً ، وكل هذا جعلني أفهم جملة (الحب أعمى) فهماً مستقيما ينسجم مع قول الشاعر (عين الرضا عن كل عيب كليلة) فالحب أعمى عن كل عيب أو اتجاه نحو شعور سلبي يعكر صفو ذلك السبيل ، لتصبح النفس مادة سائغة لاقتحام المستجدات والشجاعة نحو المخاطرات بل والتفكير بشكل يخدم المجتمعات ، ومن الحب في النفوس ما ملأها حتى صنعت الأمة بذلك العجائب ، وما حبّ الله تعالى ورسوله إلا من ذلك الشعور لكنه نقي خالص نزيه عن نظرية (العمى) فما كان لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم كامل وعظيم ، لكن المقصد ما يفعله الحب في النفوس تغييراً واستبدال مقاصد وأهداف تختلف تماماً عن النفس قبل تلبسها بها .ومن علامات عمى يصيب نفس أحبت أنها تنظر للعيوب بادرات مميزات ، وتلمس الضيق مشاركة أرواح ، وتستغل البعد سلسبيل تعبير ، وتستثمر اللقاء العابر بهجة انطلاق ، وتفعل للرضا فارقات الأعمال ، وحين تكثر النفوس التي تحمل حباً أعمى فإنها بذلك تغض البصر عن كثير من عيوب العالمين وتخف في أمة هكذا اتجهت حدة الظنون والشكوك .

ونحن جميعاً عندما نحب تبدو نفوسنا أجمل وتبدو حياتنا أكثر إنتاجاً وحيوية نشاط ، والنفس حينما تبصر وسط هذا العمى الجميل فإنها تكره لا محالة وتظهر ما كان يخفى في سنة من رب العالمين في خلقه حين يحبون أو يكرهون .

ومن يستغرب من رؤية عيب في شخص لا يراه منادمه أو من يحبه فليعرف بأن تلك النفس وليست العيون ولا الحقائق ، والتفات النفوس عادة لفهم الأسباب يشغلها عن رؤية الصورة الكاملة ، والحب شعور بارد الطباع إن غلب سكن مناسم التفكير ومطالب النفوس ومداخل المعلومات فلا يكون لتغييره مجال إلا بحب أعظم منه ، ألم تر أن الله تعالى قال: يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشدّ حباً لله . 

فالنفوس في فلسفة الحب صاحبة إذعان أو طرد دنما طريق وسط بينهما في خفايا علامات يراها المرهفون والعشاق والصالحون . والله أعلم

#محمد_أحمد_بابا

#في_النفوس_خفايا_وعلامات

المسألة الخامسة والعشرون (ومن شر حاسد إذا حسد) 1438/9/25هـ من سلسلة (في النفوس خفايا وعلامات) رمضان 1438هـ


لم يخلق الله تعالى العباد ليتحاسدوا وإنما خلقهم ليعبدوه ، وتلك العبادة لا تتفق أبداً والإضرار بالغير مادياً ولا معنوياً مهما كانت الأسباب بغير حق له أساس تكليف ، وليس في الشر المنبعث من النفس تجاه نفس أخرى مسلك جواز ولا أهلية ، وفي قصة نشأة الخلق التي أوردها القرآن ظهرت النفس تحسد أخرى بالنظر لنوعية عرقية أو تكوينية ، فكانت سبباً في عقاب أبدي لطرف ، ثم سبباً آخر لإغواء طرف وابتلائه ، وتوالت الأحداث حتى نشأ من ذرية من ابتُلي من يقتل أخاه بعلة لا اعتبار لها في حكم الله ، ومن ذلك انطوت النفوس على تراكمات شر ربما أفرزت عملاً يهدم مقومات البشرية جمعاء ، لأن الله تعالى قال: فكأنما قتل الناس جميعاً ، والنفس كما أنها ساحة سانحة مهيأة لحمل خير عظيم واحتواء أمة كاملة كنفوس الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه كما قال ربي: إن إبراهيم كان أُمَّةً ، فإن النفس أيضاً قابلة لأن تكون نار إذكاء للشرور عامة وكافة فإن إبليس قال: لأغوينهم أجمعين ، والحسد من مواد النفوس السالبة التي لا تنفك عنها إلا بدين وعبادة ورجاء ما عند الله تعالى ، وفي خفايا النفس من بذور الحسد أبواب ما لم تغلق بالرضا والإيمان بالقضاء والقدر وبأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فإنها تفتح على ذات الحاسد نوافذ الهلاك النفسي العظيم الذي يشغل عن كل صلاح ذاتي ومصلحة شخصية بمراقبة الخلق وحسدهم ، وكذلك تفتح من شرور هذه النفس على الآخرين تأثير العين ومن ثمّ جرأة الأفعال تبعاً لذلك الشعور البغيض أن صاحب النعمة غير مستحق لها ، والله قد أجاب بقوله: أأنتم تقسمون رحمة ربي ، وقال عن هؤلاء: يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله .وقد وجدت من علامات النفوس الحاسدة ولو لم تتكلم أو تفعل أنها عن الخير محجمة ، وعن التعاطف متخلفة ، وعن معالي الأمور ناكصة ، وعن حوار هادف بناء لرقي مجتمع نائمة ومتعبة ، ووجدتها كذلك لا تبتسم لنعمة سمعتها لأحد ، ولا تهنّئ بمناسبة ولا تشاطر الناس الدعاء ، بل ولا تدعو لأحد بخير حسداً أن يستجيب الله دعاءها لأحد ، ووجدتها ترى أحقيتها في مال الآخرين ولو كانوا عنها بعيدين ، وحقها في خدمات الآخرين ولو لم يكونوا لها بمعرفة .

والنفوس حين تخفي حسداً فإنها في التأثير على الآخرين أعظم ، وفي الاستدلال عليها أخفى وأدق وأخطر ، لذلك قال ربنا في عموم الاستعادة: ومن شر حاسد إذا حسد ، في إشارة لاحتمالية ذلك من كل نفس لم تكبح ذلك الجماح بدين الله ، وحين ربطت الاستعاذة في النص القرآني بحرف الشرط (إذا) فتلك لفتة كريمة بإن مجابهة الشر منذ بداية انطلاقه ، فلو انطلق الحسد ووصل للمحسود فهناك محل رقية وعلاج ، لكن درع المؤمن وحصن المسلم آيات الله تعالى العاملة في كل تحركات كونه أن يقينا الله تعالى شر كل ذي شر .

ومن وجد في نفسه امتعاضاً من نعمة لآخر فليتدارك نفسه من ذلك ، فتلك علامة على خفايا حسد ولو صغرت . والله أعلم 

#محمد_أحمد_بابا

#في_النفوس_خفايا_وعلامات

المسألة الرابعة والعشرون (لا تذهب نفسك عليهم حسرات) 1438/9/24هـ من سلسلة (في النفوس خفايا وعلامات) رمضان 1438هـ


أول المتضررين من أي حادث عرضي أو عام هي النفس ، وأول من يطلب علاجاً بعد مأزق هي النفس ، وأول ما يكسر في المصائب والطوام هي النفس ، والحفاظ على النفس رغم عظمة التكليف مهم ، وعلاج النفس بعد فجاءات التجارب مهم أيضا ، وقد لا تبدي النفوس خللاً عند تغير ذلك ، لكن علامات الانسياب حين تتبدل تخبر الحريصين أن في الأجواء غيماً .

ومرّ علي في حوار أحبه مصطلح “ألَم الرحمة” فسألت من جربه فقال لي: بأنه نوع إحساس فظيع يشتت ذهن المدرك حتى يسكنه من عينة الشخص الذي يرحمه بعضه أو كله وربما نفسه ، فتذكرت قول الله تعالى: فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، والنبي صلى الله عليه وسلم من صفاته الرحمة ، وهو كما قال ربي: حريص رؤوف رحيم ، وهنا قال له ربه: أن لا يترك نفسه لذلك الإحساس بأن قومه لم يؤمن جميعهم أو من ممارسات لا ترضيه ، فالنفس لو استسلمت لألم رحمة جراء وضع وواقع لا نملك تغييره لذهب حسرات ، ولربما لم تعد صالحة لاستمرار مهمة .

وقد أخبرني من كنت أحاوره بأن الأطباء يتلقون برنامجاً تدريبياً يتعلق يفصل الذات عن تقمص إحساس المريض كله حتى تستقيم معادلة المعاملة العلاجية ، وقال: بأن واقع نظرة المريض ولو كانت مرضه خطيراً للحياة ولمرضه تختلف تماماً عن رحمة طبيب أو راحم ربما أضرّ نفسه إن استمسك منه التصور ولم يتفرغ لمهمة تحتاج انفكاك ذهن وتركيز وهي طب ودواء .

لذلك فإن النفس قادرة على الاستجابة للأوامر تدريباً وتعليماً ، ولولا ذلك لم يصح تعبيراً بأمرها بعدم الحزن مثلاً ، أو قوله تعالى: لا تذهب نفسك عليهم حسرات ، وقوله: لا تك في ضيق مما يمكرون ، ومثل ذلك ونحوه من تسلية الخالق في أسلوب أمر لفظي داخله إرادة كونية من الله للشيء كن فيكون .

وربما هناك قدر صحي مناسب من الإحساس بالآخرين يدفع للمساعدة والعون وتقديرهم هو مناط بحث النفوس دون إفراط ولا تفريط ، ولقد بحثت عن علامات للرحمة في نفوس تفرغت للظلم والاستبداد فوجدتها رغم أجواء ظاهرها الغطرسة والكبرياء ، وبحثت عن علامات لبعض الرحمة في نفوس ما رحمت أحداً إلا رياء موقف أو تكملة برنامج فما وجدت من تلك العلامات الخفية إلا هباء منثوراً ربما يتجمع بعد حين أو ساعة ندم .

وحيث النفس محبرة أقلام كتابة تاريخ الإنسان ، فإنها برحمة الله راحمة ساعة المناسبة بالفعل ، متواصلة بالرحمة أخلاقاً وأسلوكاً في غير انحراف لحزن لن يفتأ يأكل نفس الإنسان حتى يكون حرضاً أو يكون من الهالكين . والله أعلم 

#محمد_أحمد_بابا

#في_النفوس_خفايا_وعلامات

المسألة الثالثة والعشرون (الأرواح جنود مجندة) 1438/9/23هـ من سلسلة (في النفوس خفايا وعلامات) رمضان 1438هـ


الروح والنفس ربما تكون مترادفات إطلاق حين إرادة ما يخفى على الرؤية البصرية في كيان الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم ، وحين قال ربي: وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ، وقال أيضاً: ومن كل شيء خلقنا زوجين اثنين ، يبدأ الفكر في الباحث في النفس الإنسانية يربط بين نظرية بيولوجية علمية تتحدث عما يسمى بكرموسومات تكوين الخلايا ثم نشأة الصفات الجبلية المعنوية في النفس أو الصفات الخلْقية التصورية في الإنسان وبين شعوب وقبائل ومجتمعات وتكوينات تحوي حين تفكيكها نفوساً في دوائر تشابهات أو مفارقات ، وذلك يقودنا لنفهم كيف تكون الأرواح أو النفوس جنود مجندة ، لينتج في آخر المطاف عن ذلك بأن الأمر الإلهي القدَري في النفوس صائر ماثل قائم مستمر في هندسة تعاطي لا يعلمها إلا من خلق النفوس أو هداه ربه بعلم من عنده أو باقتداء وتأسي برسوله صلى الله عليه وسلم .والناظر في تاريخ بدء الرسالة المحمدية يلمس بأن القرآن المكّي في نزوله كان في غالب نسقه مركزاً على نفوس يذهب بها حيث جادة التقويم لتختار بعيداً عن المؤثرات خيراً أو شراً في بيعة إلهية اشترت من المؤمنين أنفسهم بالجنة إيماناً واعتقاداً يمثل وحدة الأرواح شيئاً فشيئاً حتى يصبح المؤمنون إخوة .

ومن تعرف على علامات في خفايا نفوس مشابهة امتلك جنداً تفعل له في تلك النفوس فعل الفاتحين لبلاد نشروا فيها سلاماً. ومحبة وعدلاً وتنمية ، ومن خفيت عليه تلك العلامات رجع لنفسه بعتاب جلد لا تقوى عليها متهماً العالمين أنهم له كارهون وليس ذلك من الحقيقة في شيء إلا وسوسة شيطان واعوجاج روح تحتاج بهد حين لمثلها تهديها إلى رحابة الأرض بنفس راضية حين تتقي الله وتثق في الله وتخضع لله .

ألم تر بأن في النفوس ما يغريك بالقرب وفيها ما ينهرك للابتعاد دونما فعل لكنها جندية الأرواح تعمل بنظام دقيق من حيث نعلم أو لا نعلم ، وليس في هذا الترتيب وتلك الظاهرة حكم شرعي لنكره أو نحب شرعاً بناء عليه ، إنما تلكم وسائل لعلامات في خبايا نفس كل منا حريص على سلام معها ومع غيرها في دنيا فانية هي مزرعة لنفوس إن ذهبت لبارئها ستجد ما عملت من خير محضراً . والله أعلم

#محمد_أحمد_بابا

#في_النفوس_خفايا_وعلامات