سلسلة أرصفة وعتبات .. رمضان 1439هـ كامل الحلقات

العام الثامن

سلسة أرصفة وعتبات ،، رمضان 1439هـ ..

‏الرصيف عمدة الفاعلين في مفهوم الواقع وفق التشريع ، والعتبةُ روح المعنى لفهم القصد من فقه المآلات ، وفِي هذا العام الثامن الذي أكتب فيه سلاسل رمضانية متواضعه وقفتُ على ⁧(أرصفة وعتبات) لتكون هي ⁩ سلسلتي في رمضان ⁩ 1439هـ ، أسأل الله لي الإعانة ولها الإفادة ..

الرصيف الأول : الاستغفار

1439/9/1هـ

من هندسة العوالم أن تتيح لما تفعله طريق عودة ومكمن خروج وسلامة طوارئ ، ولله المثل الأعلى وقد هدى الإنسان النجدين ، وسوّى النفس وسلط عليها من عقبات الشيطان والعصيان ما يمحصها به فهو الخالق أمعن في التذكير ببوابة الخروج من ربقة الذنب بفلسفة الاستغفار كلاما يجري على اللسان فيصدقه القلب وتستشعره الروح فتكون في حضرة الديان تائبة معترفة في حلة يحبها الله تعالى أن نستغفره فيغفر لنا ، وطريق الذهاب في دائرة الحياة بدءً ورشادا ثم أشدّا وبعد ذلك شيبةً وهرما مرصوف كله بلا استثناء بإمكانية الاستغفار في كل وقت وكل حين لمن تدبر قوله تعالى (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) وما الطريق الوافر بالملاهي والانشغالات الدنيوية ولو انخرط فيه الإنسان بكله وكماله إلا معينٌ محفز على الانتباه لرصيف الاستغفار ذات اليمين وذات الشمال جرس استدعاء للخير بيسر وسهولة لمن هُدي له ووفقه الله لفعله واستدامته (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا) فيكون تحقيق اسم الله تعالى الغفور واسمه الغفّار حتمي الوقيع لمن اطمأن في الاستغفار حصول المغفرة بتأكيد اللفظ القرآني المبين ولو شكك المرجفون ، والواقفون على عتبة اللزوم والمداومة ولو قلت ذنوبهم ونحن نراقب تصرفاتهم هم الصالحون الذين يجمعهم الله تعالى جمع مكافأة مع النبيين والصديقين والشهداء لأنهم عرفوا حقيقة النفس المذنبة بأقل الذنب وهو الغفلة ، فسلطوا على ذلك استغفار الألسنة هاديا لربهم والصراط المستقيم ، فكم في رصيف الاستغفار من وقاية من الحوادث ومسقط راحة من السعي والجري ، وكم في رصيف الاستغفار من تعدد خيارات المكوث دون مزاحمة ولو استغفر خلق الله تعالى منذ بدء الخلق حتى ينتهي فيغفر لهم ربهم دونما نقص مما عنده وهو الذي وسعت رحمته كل شيء ، ومن جمال رصيف الاستغفار إحاطته بكل الأعمال والأفعال والأقوال والأحوال ، فاللهم اغفر لنا .

الرصيف الثاني: الشفافية

1439/9/2هـ

حينما جاء في الكتاب العزيز وقت قال فيه ربي (الآن حصحص الحق) وضُح للعالم كله بأن غياب المعلومة المؤدية لإسناد الحكم ملزم للحيف أو الظلم ولو خطأ ، وسريان الأشياء في جوهر حكمتها وفق تقدير الله تعالى تجمع في سرعة تعاقبها بين الخلو من الطمأنينة بمحض الحق و بين الأمل في ذهنيات الحاكمين أنهم للحق أقرب ، وما من عناء أعظم ولا تعب أكبر من تلك الحيرة حيث لا مناص من السؤال والاستكشاف واتباع طرق البحث والاستخبار (فاسألوهم إن كانوا ينطقون) ورصيف الاعتماد في هكذا مجال لا يمكن أن يكون سوى شفافية في القول والإفصاح وترك الأمور تعبّر عن ذاتها كما هي ، ليأتي القضاء بما هو أدعى للرضا (فيحيى من حيي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة) وليس ذاك إلا تفاعل الحق والباطل فينتصر التمحيص (ويميز الخبيث من الطيب) أما الغموض والمواربة وربما تقصّد التعمية وحث الفكر على سلوك طريق الاحتمال ونحو ذلك إنما هو دأب قوم قال عنهم ربي (وتخفون كثيرا) ومن الإخفاء كتْم الحقائق حين إلحاح الحاجيات ، وقد ثبتت أمم في عالمنا اليوم على عتبة الشفافية قولا وفعلا وعملا فيما بين أفرادها حرصا على نمو التحضر رغم عدم دافعية الصدق الديني الذي يتبعه الأجر من رب العالمين ، ومصادر الشريعة حبلى بولادة المقصود نحو فضاء الحق الواضح كعين الشمس دون تقسيم المعلومة لسر ونشر ، وشفافية المعلومات في الدين والمعرفة في العلم والحقائق في المعاملات والأرباح في الاقتصاد هي عوامل تنمية الوعي المجتمعي نحو المقدرات ، وهي قائدة النفوس للانفكاك من الإحساس بالظلم أو التهميش ، وهي استقرار الولاء لمن عدل فيما بين يديه ، فاللهم اهدنا

الرصيف الثالث: الشك

1439/9/3هـ

ما يدعو دوما للبحث والاستقراء والتجربة هو ذلك الدافع الإنساني الذي فطر الله تعالى الناس عليه من شك في الأشياء يقود لحب الاستطلاع ورغبة التأكد ، ولقد قال الملائكة لربهم (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) فقال لهم ربهم (إني أعلم ما لا تعلمون ) ولولا استعداد الإنسان للميل بسبب الشك حيث كفة المرجوح عن الراجح ما ساغت وسوسة الشيطان لآدم وزوجه (فأزلهما الشيطان عنها) ولقد عرف التاريخ من العلوم والمعارف ما تم تكراره شرحا واختصارا ثم نظما وتلخيصا ثم تقعيدا وإعادة شرح حتى بدا السير في طريق الثوابت والمسلمات ما يستدعي إنكار المعتادين أن في مسألة من المسائل قول آخر ، لكن رصيف الأمان في الطريق السريع نحو تراكم أقوال البشر لتكون هي العمدة يمثُل في (الشك) القائد لقريب من اليقين أو غلبة الظن ، ومن اطلع على مادة الفقه الإسلامي وأصوله وما اتفقت عليه إنتاجيات العقول من المنطق يعلم ويعرف مصطلح (الشك) الذي نجعله هنا رصيف استراحة ومكان تأمين لما بعده من استخلاص ، والعالم اليوم وقد استخدم الشك في الأشياء نتيجة لا أصلا طريق وصول للأجنح والأحسن والأكمل ينظر لنا بعين الاستغراب أن سلمنا بكل شيء حتى ما لا دليل عليه وما لا نص فيه وما غيره أحسن منه وأصلح وأنفع ، وهناك في عتبة البحث العلمي والدراسات الاجتماعية والأيدلوجية أناس استبقوا لرصيف الشك فأخرجوا لنا من نظريات العلوم وخوارق المعارف ما يسهل التأكد منه حين نشك حيث شكوا ثم نثق حيث أوثق الدليل وبان الحق ، ولعل سيدنا إبراهيم عليه السلام وقد سأل ربه (رب أرني كيف تحيي الموتى) ليقف الناظر على أن الشك ليس نقيضا للإيمان بل هو رحلة له ، وكل الذين خافوا من جرف هار ينهار بهم في دوامة (إنا وجدنا آباءنا على أمة) ركبوا رصيف الشك أمانا من تعطيل العقول التي أمرها الله بالتدبر والتفكر والتعقل وصولا لعتبة الحق ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه .

الرصيف الرابع: البدائل

1439/9/4هـ

الحياة الدنيا تقلبات ومراس اختلافات وأيام يداولها الله بين الناس ، والله تعالى رفع قوما فوق آخرين درجات ، وجعل بعضهم لبعض سخريا ، ومع كل هذا المشهد فالدنيا مستمرة الدوران في ليل ونهار وشمس وقمر يتعاقبان حتى يأذن ربي للساعة بالقيام ، ولَم يجعل الخالق دوام أمر مؤكد الوقوع في أي شيء مهما كان ، فكل ما خلا الله باطل ، وكل نعيم لا محالة زائل إلا نعيم جنة في حياة أخرى ، ومبدأ الاستبدال قامت عليه سنة الله في كونه (ويستبدل قوما غيركم) والبديل رغم كونه من المبدل عنه مكانه لكنه في الغالب الأعم ليس مثله في خلاف بدهي فطري (ثم لا يكونوا أمثالكم) ، والمتفحص لهموم الخلق ومعاناة الإنسان يجد القاعدة المثلى بأن (في الترك راحةٌ وفي الناس أبدال) ليستقيم على كل طريق ولو صفى بعض وقت رصيف (البدائل) راحة للقلوب وإحياء للأمل ، فلقد أبدل الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم سكنا في طيبة كانت هي مهجره ومنزله حياة ومماتا ، وأبدل كل كل الكون بحياة أخرى في عهد نوح عليه السلام (وأستوت على الجوديّ وقيل بعدا للقوم الظالمين ) وشكر الله تعالى نبي الله يوسف في آخر مشهد من قصته في رحلة بدائل متتالية فقال (وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو) والبدائل رصيف العمل في العبادات التي جاءت من غير حرج ، فالكفارات بدائل ، وأداء الصلاة وفق الاستطاعة بدائل ، وجماع ذلك قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) ومن لزم رصيف اليقين أن البدائل موجودة لمن اهتدى وهدى واتقى وأحسن لم يعكر صفو حياته بلزوم الشكليات ولا مخطط الموصوفات ، ولتكون البدائل رصيفا حتى لمن ملّ العافية والراحة قال تعالى (فبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وشيء من سدر قليل) والربانيون من أهل التقى والسعي لما أمرهم الله به واثقون وهم على عتبة التسليم بالقضاء والقدر أيا كان أن تبديل الله تعالى للحال والأحوال والأشياء هو رصيف البقاء على قيد الحياة ، فالقلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ، والأبدان للقلوب تبع ، والدنيا بأسرها من تكوين ذلك ناشئة متبدلة متغيرة ، ورصيف البدائل بالاختيار فطنة الأذكياء الحصفاء الذين اتقوا الله فعلمهم الله ، وما رصيف البدائل بالاضطرار إلا حجة على من غره الأمل ووسوست له النفس أن لا يظن أن تبيد هذه أبدا ، ولولا البدائل في اعتماد المشرعين من معين مقاصد الشريعة لكان الدين جامد الأداء فظ الانخراط في نظر البعض ، لكنه دين عالمي الوجود باق بصلاح أداء حتى يرث الله الأرض ومن عليها بأن ربنا هو اللطيف الخبير ، فاللهم اجعلنا من أقرب عبادك إليك .

الرصيف الخامس: الموت

1439/9/5هـ

رغم أنه نهاية حياة كل حيّ خلقه الله إلا أن الموت رصيف يستريح فيه من عناء الكد والتعب والمسئوليات والأخذ والرد والتعرض للمتغيرات كل من به حياة فطره الخالق عليها ، وهو رصيف المؤمنين بالبعث والنشور والإعادة بعد الإماتة (كما خلقلكم تعودون) ولعل القرآن وقد عبر عن الموت في بعض حالات أن من أصابه ذلك ثم عاد يقول بأنه (لبث يوما أو بعض يوم) يجعل من رصيف الموت أوفر الأرصفة حظا استقبالا للقادمين في اتساع تشمله الجملة القرآنية (كل شيء هالك إلا وجهه) وفي الموت رصيف توقف عن المحاسبة الإنسانية الذاتية نهيا وكرها فمن مات وجب السكوت عنه ، وفيه موعظة عملية مصورة باقية في ذهن الحي حتى يموت (كفى بالموت واعظا) وهو رصيف مليء بوحدة التعامل وعدلية التفاعل وسواسية القدوم عليه ولو تشكلت الطرق وتعددت الأسباب فالموت واحد ، وهو رصيف ذو فرصة واحدة لكل حي لا تتكرر إذ هو لازم التوقف في سنة إلهية عامة مقدرة ساعة تكون ووقتما تكتب (إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) وفي الموت أمل أن تغشى رحمة الله من مات لتكون المقابر وقد توزعت في كل الدنيا أرصفة مرور حين يتذكرها من مر بها جعل من الرصيف مكان دعاء مناسب فقال (اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم) وهو مقر معترف بأنه وارد هذا الرصيف يوما (أنتم السابقون ونحن اللاحقون) وكثير مات فاستراح ، وكثير مات فأراح ، وكثير مات وحسابه على ربه ، وكثير مات وترك ، وكثير مات فنُسي ، ليكون رصيف الموت أكبر تجمع صامت الرؤية للأحياء ، ضاجٌّ بالحقيقة الربانية التي لن تنكشف إلا يوم القيامة ، وفلسفة الموت باعتبار النهايات رصيف العقلاء فيأخذون الدنيا متاع آخرة ، ورصيف الموت باعتبار تغييب الموعد والمكان (لا تدري نفس بأي أرض تموت) عمدة الأذكياء في أن الوقت استغلال واستثمار لن يعود ، وفي الموت عتبة الجلال والبهاء وصل لها من جعلهم الله تعالى عنده (أحياء يرزقون) فهم الاستثناء الوحيد في هذا الرصيف أن يوصفوا بالموت رغم أنه نالهم خروجا من هذه الدنيا ، ليبقى الموت محطة ذات تخويف وترغيب واستدعاء وهروب ومأمن ومعاد ، ورصْف الدنيا بأرصفة الموت حادثا لا ينكره أحد كأنما هو استفاقة عقل من غيابة ظن ، واستمالة مستبد من هلامية سطوة ، واستدعاء غوي من شراك مخالفات ، وهو لبعضهم تتويج أعمال وانتظار برجوع نفس مطمئنة لربها راضية مرضية تدخل جنته ، وما القمر إلا حارس أمان لنزلاء الرصيف يتحدون به في رؤية الطهر والنور،فاللهم أطل في أعمارنا طاعة وتوفنا مسلمين .

الرصيف السادس: الأخلاق

1439/9/6هـ

في كل مرة أَجِد الأخلاق طافية السطح تستحث الحديث عنها وفق أي مجموعة من الموضوعات أو المجالات دون مناص عنها رصيفا نلجأ له كرها أو طيب نفس ، وفي كل مشاحنات الاختلافات وشحنات الخلافات وتشاحن المختلفات والمعنيون بذلك يلهثون نحو نصر أو فوز أو غلبة أمر يبزّهم في كل المساقات والاتجاهات من اعتلى رصيف الأخلاق ملتزما جادة الأمان معتليا مكارم الشيم ولو تحكّم أو سيطر أو استتب لنهجه الأمر ، والنبي صلى الله عليه وسلم وقد بعثه الله تعالى ليرصف طريق السلام والمحبة بالأخلاق قال عن ذلك: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وقد قال ربي (اليوم أكملت لكم دينكم) فقد ظهر للعيان الذي يراه كل منصف بأن بناء رصيف الأخلاق استكمل على وجه لم يعد فيه نقص توضيح ولا عوار إبهام فلفّ الدين بشريط الورد لمن كان له من حاسة الاستشعار بعض علم ، وكم من منبتٍّ ركض في طرقات الحياة بسلامة غاية قُطعت به الطريق حين تعدى رصيف الخلق نقاط اهتداء ، وكم من قليل عناية للناظرين فاق أمة وزمانا وأضحى حديث العالمين بأخلاق هي روح الإسلام ولو لم يكن مسلما لكنه اشترك في رصيف متاح مع آخرين يعتنقون نفس رؤيته ، وحين مدح صلى الله عليه وسلم من كان على غير دينه بأن فيه خصلتان يحبهما الله ورسوله وجب الاعتراف بأن رصيف الأخلاق هانئ بارد جذاب عطري حلو ذو تأثير خماسي الأبعاد حين يصيب نفسا ، ودينا ، وتعاملا ، ومجتمعا ، وإعلاما ، فهل من عتبة أجل علوا وأعظم رتبة من عتبة في نهاية رصيف الأخلاق اعتلاها توجيه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو يقول (فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر) ويقول (وجادلهم بالتي هي أحسن) ويقول (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) وما من مجموعة سكنت في مصاف العتبات الراقية إلا تلك التي التزمت رصيف الأخلاق وقاية من الحوادث وملجأ من التأزمات ، فإنما بقاء الأمم بالأخلاق وذهابها بذهابها ، ورصْفُ القوانين بالأخلاق حياكة الفارهين وصياغة المبدعين وبضاعة الرواد ، فاللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت .

الرصيف السابع: الّيل

1439/9/7هـ

جعل الله اليل لباسا ، وجعله سباتا ، وأودعه من أسرار السكن والأمان بل والحنان ما جعله علامة للأرواح قبل العلوم والاكتشافات ، وأمتن الله تعالى على خلقه بأن لو لم يأتيهم بليل فمن ذَا يأتيهم به ، وحين تغيب الشمس يدنو من الصائمين رصيف الإفطار والدعاء ، ليكون رصيف اليل محط الرحمة والأنس واللقاء والعمل ، وفِي اليل من معجزات الله تعالى أن جعله رصيفا منيرا بمناسبة الدعاء والقرب منه ، فهو لحاف المستغفرين وثوب العابدين وخيمة الذاكرين ، وفِي اليل من سحّ الدموع ما يلين رصيفه ليكون أليق بالاعتماد والسكنى ، واليل رصيف إعادة الحسابات ومراجعة الحادثات في النهار فتسبق للأذهان أفكار الاختزال وإبداعات الاختصار وشوارد الحلول ، واليل فرصة للاقتصاد فتتقلص الحاجيات بتقلص الحركة الجمعية للمجتمعات فيكون بحق رصيف محطة للتوقف حتى يحين فجر يوم جديد ، وما نجوم اليل في السماء إلا علامات على ثبات الرصيف به لمن أراد راحة قلب وهدوء بال بأداء واجبات وشكر رب العالمين ومناجاة إله يسمع ويرى ولا تخفى عليه خافية ، وعتبات اليل درجات الأبرار وسلالم الأخيار فهم (قليلا من اليل ما يهجعون) وعباد اليل هم قادة النهار وجنوده ، وسبحان ربي – ولو قلت ساعات اليل – هيأه ربي لإمكانية النوم والاستيقاظ والراحة والقيام والدعاء ثم نشاط صبح كأن من كان فيه كان في جنة حبيب أو ضيافة محب ، ومن لزم عتبة اليل الأخيرة بمداواة عمل وصل لربه بفتوحات النهار ما الله به عليم ، وفِي رصيف اليل تضع الناس أسرارها وتستودع بعضها بعضا مكنونات نفوسها ما تظنه أثقل عليها فتضعه على الرصيف أمانا وبث شجون ، فاللهم اجعلنا في ليلك من المستغفرين .

الرصيف الثامن: الشعر

1439/9/8هـ

جَدّ قوم السعي في ذم الشعر محتكمين لقوله تعالى (والشعراء يتبعهمم الغاوون) وما ذلك إلا فيضٌ من غيضِ أذى أصاب رصيف الشعر فجعله سبب عداوة أو بغضاء أو ترويج كذب أو زور أو آلة انحطاط خُلقي ودعاية إسفاف ، والذي عليه الغالب من ثقافات العالم بأن الشعر أصلٌ في بديع الكلام ، له من الأثر ما يرصف طرقات القلوب القاحلة بلذيذ الشعور وبُلغة الاستجمام ، ولولا كونه كذلك ما اتهمت قريش القرآن في أول كذب بأنه من الشعر ، ولا كان القرآن ذاته نفى عن ذاته كونه شعرا وعن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه شاعر ، فالشعر رصيف الامتياز ، وسجل الاجتياز ، ومحط الاعتزاز ، وهو من رحابة بحوره وسعة ميادينه وليونة احتواء عالمه للحوادث والطوارئ والنوازل والمستجدات رصيفٌ في أرصفة ، وحلاوة عسل في أرغفة ، وهو مهرب المساكين بعوزهم ، نال بعضهم به حق السائل والمحروم ، وهو مسكّن آلام الأجساد حين تهذي فشُكيَت له الحُمى حتى ابتسمت وغادرت ، وهو مركب العشاق والمحبين على اختلاف من عشقوا ومن أحبوا فطارت بالترانيم ركبان الحُداة ، ومزامير الرواة ، والشعر رصيف ذو مقاعد مخملية ، ومتكآت ذات بطانة من دفء ، وأرائك زبرجدية النظر والسماع والتفكير ، وبالشعر حفظت أمم تاريخها في رصيف الذكريات ، وبه أوصلت أمة رسالتها شرقا وغربا ، وسبق الشعر كل كلام فخرا واعتزازا حين أمد الله في شعر العرب حتى بُعث محمد صلى الله عليه وسلم فصار مدح المصطفى الأمين عليه صلوات ربي خلاصة موضوعات الشعراء وزبدة إبداعات المادحين ، وفِي رصيف الشعر أبطن الشعراء ما استظهره المتذوقون ، فكان ذلك من تفاعلات العلاقة الجمالية بين الكلام وقائله والمنقول إليه ، وبالشعر تستريح كثير من الآذان ، وتأخذ كثير من الأرواح قسط تنفس وعمق تجلّي ، وعتبات الشعر متناهية العلو في ترقي مقال واستطالة آفاق ، من نال منه بليغ الحرف مع نصاعة المعنى وجمع لذلك قيمة الموضوع فقد أرسى في العالم ما لا يُنسى ، وتأثرُ الناس بالشعر أظهر من أن يبرهن له ، لتكون عتبة القوة فيه مادة إعلامية عظيمة البقاء متينة الأصل للسلم والسلام والمسالمة والحب والبيان والعدل والإنصاف ، فالذي ملأ الدنيا وشغل الناس شاعر ، والذي قال ومعه روح القدس شاعر ، وكم من استراحة في رصيف شعر ما ودّ مريدوها أن تنتهي أو تزول ، فاللهم ألهمنا رشدنا .

الرصيف التاسع: الصديق

1439/9/9هـ

اجتماع الناس في الدنيا قائم على الخلطة والتلاقي ، والأرواح جنود مجندة ، والتآلف توفيق من الله تعالى ، وقد أثبتت تجارب الحياة بأن الإنسان يأنس بغيره ولا يستطيع أن يقيم دواخل نفسه بدون آخرين حوله ، ومن اللطف الرباني أن تقع النفوس على من يكملها أو يشبهها أو يناسب طبيعتها ، وحين قال ربي في كتابه (إذ يقول لصاحبه لا تحزن) بانت فوائد الصحبة في أحلك الظروف والتوقيتات ، وسلوك الجادة في الكون مرتبط برصيف (الصديق) أيا كان حاله وطلب المصادق منه ، والذين اجتمعوا في الدنيا صحبة لله تعالى كانوا شفعاء لبعضهم يوم القيامة ، وترطيب حرارة الكد والتعب الدنيوي في رصيف الصداقة متمثل في الدعاء عن ظهر غيب ، وكم للصديق من قرب حال وقرب نفس وقرب شوق ، ولا يعرف قيمة رصيف هانئ طيب موفور في صديق إلا من تعاقب على علات الوحدة والمصيبات ، فالصديق وقت الضيق علامة جودة وبرهان التصاق ، لكن الصديق أيضا وقت الفرح والسرور والسعادة والأنس ، والله تعالى قال في تحليل الأكل في بيوت الخلان والأقارب (أو صديقكم) وتلك جملة محكمة من رب عالم بمن خلق ، فبيوت الأصدقاء جنان رفع الكلفة وغياب البروتوكلات وراحة المتعبين ، والصديق رصيف لصديقه مانع له من التوحش والكدر ، وهو رصيفه الآمن يوم الحالكات ، وهو رصيف المحبة والابتسامة ولو بعدت الشقة والمسافة ، ومنادمة الأصدقاء غذاء القلوب وطعام العقول وشراب الصائمين ، وفِي الأصدقاء ستر وغطاء من غير من ولا أذى ، وفيهم توجع الأقربين وإحساس المجاورين ، ولا ينسى صديق صديقه ولو طال الزمن أو تباعدت الأيام ، ولعل ربي تعالى جعل رصيف الصديق تخفيفا لشظف العيش وجلافة الأيام وماديات الطلب ، ومن الأصدقاء لدى كل إنسان من استحقوا عتبة التميز دون عناء ولا تعب ، فهم عند أصدقائهم أقرب من ولد أو إخوة ، وما (الصاحب بالجنب) إلا منهم ، ومن الناس قوم رصفوا حياتهم بصداقة الحق وصحبة الخير فعاشوا بعقول وخبرات من خالطوهم وحضروا وجوبا في دعائهم أحياء وأمواتا ، فاللهم اجعلنا ممن صادق فصدق فأدخلته الجنة .

الرصيف العاشر: السفر

1439/9/10هـ

ما أمر الله تعالى للناس في كتابه العزيز (فامشوا في مناكبها) إلا مساق استدلال على الترحال والسفر والتنقل في أرض الله تعالى التي امتن بها (ألم تكن أرضي واسعة فتهاجروا فيها) فالحصار النفسي الكبير الذي تعاني منه أرواح الآدميين وتضيق عليهم الأرض بما رحبت وهم في درب الحياة سائرون لا علاج له أنجع من رصيف السفر ، ففي الأسفار صحبة نافعين ، وتغيير رتابة ، وفرصة اطلاع ، وجُماع فوائد ، والسائرون في رصيف الأسفار حاملو معين ليس عند المقيمين لآخرين هم له محتاجون ، ومن رصيف السفر انطلق إبداع الكتاب ، وبدأ نبوغ المعروفين ، وجدّ استظهار الحقائق على أيدي الرواد ، وما اجتمع قوم في رصيف سفر إلا وجدوا من أفكار الاجتماع ما يذهب بهم حيث الانبهار والعجب ، ورصيف الأسفار قائد لبلاد الله تعالى على اختلاف أشكالها وألوان أهلها ولغاتهم ، وهو رصيف نافذ لأمر الله جل جلاله (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) ولقد وجد مسافرون كثر في السفر حكمة ربانية تتبدل بها الأرواح من النصب للراحة ، ومن الاكتئاب إلى السعادة ، ومن الحزن للفرح ، ومن القديم للتجديد ، فعادوا بنشاط المعلومات وجديد المعروفات وكثير المحسوسات أعظم قدرة على مسايرة الدنيا ، وفِي عتبات الأسفار قوم اصطحبوا معهم قيْد المشاهدات فكتبوا وصوّروا ودوّنوا واختلطوا مع الناس فجمعوا لنا ما نراه وما نقرأه وما نستفيد منه ، وفي رصيف الأسفار مادة اختبار لمعادن الناس صحبة ورفقة ، فهم في ذاك الرصيف كأوراق الخريف يتساقط منها البائس ويبقى العزيز القوي الأمين ، ومهما تكن غاية الأسفار فلا يمكن إلا أن تكون هي رصيف المتعبين وغبطة الكادحين أن رأوْا غيرهم ، والناظر في حياة الصحابة رضي الله عنهم يجدهم في أقطار الأرض تفرقوا دعوة وسفرا وجهادا ، فمنهم من استقر ومات في شرق الأرض وغربها ، ومنهم من عاد بعد أسفار ووضع عصا الترحال ، ولا تزال الدنيا والكون يموجان بالمسافرين في كل الاتجاهات تفاعلا حقيقيا لسنة الله في عباده حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، فاللهم اجعلنا ممن هاجر إليك فكفيته .

الرصيف الحادي عشر: الرّحِم

1439/9/11هـ

الجدة أم والخالة أم والعمة أم ، والجد أبٌ والخال والد والعم أب ، وابن العم صنو الدم وابن الخال ملاذ الرحمة ، بنات الخال وبنات العم لحمة المودة ، أبناء وبنات عمتك وخالتك رحمُك الأدنى ، الإخوة عمود الإنسان ، والأخوات خيمة رأفة ومحبة ، بنات الأخوات وأبناؤهن ابتسامة الوجود ، وأبناء الإخوة وبناتهم شقائق الذرية ، قرابة الأم عنوان الصفاء ، وقرابة الأب علامة البقاء ، أخوالك من كل ناحية طوق نجاة ، أولاد عمك من كل ناحية ارتباط مصير ، ومن الأرحام درجات ورفعة مراتب في رصيف رحم يلتقي فيه الناس جميعا ، كيف وقد جاء في بعض حديث ما معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بأهل مصر خيرا ، وسبّب لذلك بأن لنا فيها نسبا وصهرا ، أما النسب فهاجر وأما الصهر فمارية ، وكم للنساء من فضل علينا حيث يجمعن من الرحم مودة في القربى ، ورصيف الأرحام ناعم الطرف ، غني الكبرياء ، باسق المعاني ، ذو منحنى لطيف في تذكر دم وارتباط أصول ، ولو حُق للأرض رصيفٌ يمنعها من التصدع والخراب لكان (الرحِم) فالله قال (أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) وصلة الأرحام رصيف الأنقياء الأتقياء ولو بالسلام والسؤال ، فكم من سعادة تُغرَف كثافة في رصيف الأرحام لمجرد أنك ابن فلانة خالة فلان ، أو لمجرد أنك ابن فلان عم فلان ، في سلسلة من ذهب غير مغشوش ، ونهر من لبن مصفى غير مُزاد ، وما اجتمع قوم في رصيف رحم قربة لله تعالى إلا أظلتهم غمائم الرحمة بعضهم ببعض ، وجمائل الطيبين كرائم المحبين ، ومن يحب أمي فأنا له مدين ، ومن أحب أبي فأنا له أنتمي ، ومن يعرف إخوتي وأخواتي فأنا به متعلق ، ومن ربطني به أبنائي وبناتي فله حق علي ، فما بالك بهم أنفسهم ، ورب الناس إن رصيف الرحم حساس التعاطي ، من التمسه طهر قلبه من كل ضغينة ولو أساءوا ، ومن هجره كدّر حياته بكثير تنغيص ولو اكتفى بنفسه ، وما من صاحب رَحِم إلا ويفرح بالصلة ويحزن بالقطيعة ولو كَتَم ذلك أو باعدت بين الأقارب المسافات ، وكل من الطرفين يتمنى لو بدأه الآخر بالسؤال ، والله لفضله يختار ، وفِي عتبات رصيف الأرحام أناس وصلوا حتى ما انقطع عنهم ، وذهبوا حتى لمن رحل عنهم ، والتمسوا من أقاربهم درجة عاشرة ، وعظّموا من رحمهم ولو جيران أقاربهم يوما ، فأولئك الذين لا يرجون علوا في الأرض ولا فسادا ، فاللهم صِلنا إليك بأرحامنا حتى ترضى عنا وعنهم .

الرصيف الثاني عشر: الحقوق

1439/9/12هـ

رصف الله تعالى الواجبات بالحقوق ، وجعل من الإنسان حارسا على حق نفسه ، واستحثه على أداء حق غيره ، وجعل الأمانة رصيف الحق ، وجعل الحق مستحق البذل ، وفي رصيف الحقوق الناس سواسية كأسنان المشط ، وهم كذلك وقد ركبوا ذلك الرصيف أصحاب حقوق وعليهم حقوق ، ونظرية التبادل والدوران في ذلك بادية لمن كان في رصيف يطلب جلوسا وآخر سبقه لتظهر سلوكيات ربانية الورود مفادها (إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم) مع أن الحق الأصلي بأن الرصيف مناخ من سبق ، لكن تنظيم مقاصد الشرع جعل الحقوق مراتب وتوصيفات وكيفيات ومستلزمات أداء وتوقيتات منع لخصوصيات حال ، ورصيف الحقوق بارع التعبير حين يستشعر الخلق بأن غيرهم خلق كذلك ، ومن وقف في رصيف الحقوق عند حقه وحق غيره وجد ضالته في رصيف عافية وسلامة اختلاط ، ومن منع الحق أو سكت عن حقه الذي هو له في الأصل بنى في بناء المظالم لبنات سوء وجُدر طغيان واستمراء استخفاف وطاعة مستبدين ، وما رصيف الحقوق إلا مسطرة الاعتدال في حيف التصورات ، وضلال الاعتقادات ، وهيمنة الأولويات المشوهة ، وفي أداء الحق راحة للنفوس فيكون رصيفها ظلا ظليلا ، ومن جحد الحق كان رصيفه ملاذ خوف ومحطة ترقب ، فالظلم ظلمات الدنيا وظلمات يوم القيامة ، وفلسفة الحقوق قائمة في كل شيء معنويا وحسيا ، للجامد والمتحرك ، للحي والميت ، للجماعة والفرد ، للوقت والزمن ، للدين والدنيا ، ورصيف حق الله تعالى رحب الأداء ، عبّده ربنا بالمسامحة وعدم التكليف بغير المستطاع ، لكنه تعالى جعل شرط رصف الطريق للرحمة أن لا نشرك به شيئا ، والتنصل من الحقوق عريُ بعض القوم في رصيفها ، فلا هم مُعانون ولا هم محترمون ، وعتبة رصيف الحق العالية السماحة والتواضع والخوف من رب العالمين ، وبذلك تحصل التقوى التي هي تذكرة استحقاق رصيف الحقوق المؤداة في خروج من الملامة أو السؤال ، ومن امتطى رصيف الحقوق كأنه آسٍ يجسُّ عليلا سلِمَ وَسَلّم ، ومن جاءه لا يرقب في الناس إلاً ولا ذمة تعلقت برقبته حقوق لا تجبرها التوبة من غير استحلال أو أداء ، والقائمون على الناس يأخذون لهم الحق من غيرهم خير عباد الله حين التكليف الإداري ، ألم تَر أن رصيف الطريق حق للمشاة والمارة ، من اعتدى عليه بمركبته فقد انتهك حقهم وحق النظام المروري ، فكذلك لا يزال قوم يحرصون على حفظ الحقوق حتى يكتنفهم الخير والنشاط والبر والإنعام من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، وما من قوم جعلوا من رصيف الحقوق مسرح منّ وأذى واستخفاف واستجداء ومنع وهضم إلا سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب في الدنيا قبل الآخرة ، فليحذر الذين يخالفون أن ينتقم الله لعباده الضعفاء الذين لا يجدون ملجأ ولا نصيرا إلا أن يقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل ، اللهم اجعلنا لحقك وحق عبادك وحق أنفسنا حافظين .

الرصيف الثالث عشر: البَساطة

1439/9/13هـ

تركَ مركبته الفارهة ودلف لرصيف العمال والمساكين وعامة الناس وحده دون مرافقين ، فوجد نفسه مضطرا للتحرر من متابعة هندامه والتخلي عن طريقته في الخوف على اتساخ نعله ، هنا عرف بأن رصيف البساطة تحرر وحرية وانطلاق عنان لكافة الحواس ، من لم يجرب كلاما بسيطا عاش أبكم الحديث ، ومن لَم يجلس مع قوم بسطاء فاته من العزة الثريا ، ومن لم يلبس بسيطا شح عليه إجرام لحج أو عمرة ، ومن لم يحاول أخذ الأمور ببساطة تعاطي عظُمت فيه عينه الصغائر ،البساطة رصيف ليس كالأرصفة ، من ركبه احتفلت به القلوب دون جواز سفر ، وأنصتت له الأسماع دون مكدرات ، وحاز تقديرا لا ينقطع حتى ولو مات ، لرصيف البساطة ماهية الاحتواء لكل شيء وأي شيء في كل اتجاه وأي وقت (كلكم لآدم وآدم من تراب) وقومٌ شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم و (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) البسيط غير معقد التركيب ، فهمه سهل وهضمه أسهل والتعامل معه يسير ، وأجمل بحور الشعر البسيط ، والبسط بالنسبة للمقام في الكسور الاعتيادية محدد قيمة وله مرونة التغيير ، ودرج أهل الحجاز على أن (البساط أحمديّ) في توصيف لقاعدة نبوية قريبة من ذلك قالها صلى الله وسلم يوم النحر (افعل ولا حرج) والدين الإسلامي عال الهمة بالغ الخيرية فائق التأصيل لكنه دين وسط لأمة وسط في تعامل وسط (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) وفي رصيف البساطة يجتمع القوي والضعيف وترى الغني بجانب المسكين والقائد في ضيافة الراعي والناس أخلاط صحبة ورواد سعادة مصدرها (تبسمك في وجه أخيك صدقة) ألم تَر نزارا قال: (ووجها بسيطاً كان وجهيَ المفضّلا) ، وبساطة العيش في الصحة حافظة من الداء ، وبساطة الإحساس في حسن الظن بالناس حافظة من المشكلات النفسية ، وحين يركب الناس رصيف البساطة ثقافةَ حياة تسهل كل التفاعلات المجتمعية والإنسانية بعيدا عن فخر بروتوكولات ولا تقاليد معقدات ولا أعراف معجّزات ، يسهل أن يدعو لبيته الحارسُ شيخَ القبيلة ، ويحضر الوزير زواج ابن السائق ، ويزور قائد الشرطة مريض السجين ، سيفكر الناس وهم في بساطة قلوب في إسعاد غيرهم لا شكل ثيابهم ونوعية إكسسوارهم وألوان عدسات عيونهم ، ورصيف البساطة باسط ذراعيه للصغير والكبير والأسود والأحمر والأبيض والقمحي ، بل البساطة وداعة حال ورحمة شعور تهدأ معها زمجرة الأسود وشرودات النمور وهرولات الغزلان ، فمن أَمِن جاء بسيطا لا يخشى غيلة ولا ازدراء آخرين ، وعتبات البساطة رصيف العلماء والصالحين ورواد العمل وقادة الفكر بل والأوطان ، فمنهم من اقترب من الناس إنسانا ما نسي نفسه كأنه تمثل قول الخليفة: (قمت وأنا عمر وجلست وأنا عمر) ومن تواضع لله رفعه ، ومن خفف على نفسه خفف عليه غيرُه ، ومن بنى حول نفسه شبك اعتبارات ومعايير فاته من وقته انتظار مرافقين ، فاللهم اجعلنا بسطاء على عبادك المؤمنين عصيّين على إغواء الشياطين .

الرصيف الرابع عشر: الدموع

1439/9/14هـ

ماء العيون استراحة الباكين وحنان الخيّرين وقدر الحزينين ، والدموع صدقة الذين (تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) ورصيف الدمع جادّة الناس أجمعين جهرا وسرا ، علنا وخفية ، صغارا وكبارا ، وفي هذا الرصيف تظهر طبائع النفوس وتُستظهر كمائن الدواخل ، ومن لقاء الخلق في رصيف الدموع عدوى اجتماعية كالضحك والتصفيق والتثاؤب ، فهناك دموع للدموع وبكاء للبكاء ، والمتقون المؤمنون حين يلقون ربهم في ستار عباداتهم يذكرون ربهم وحدهم وتفيض أعينهم عبرة شوقا وطمعا ، حبا وخوفا ، فرحا وأنسا ، فيجعل الله من تلك الدموع رصيف عبور لظل تحت عرشه يوم لا ظل إلا ظله ، ومن نال من الدموع ذمَّ ضعف أو وسْمَ تعيير فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال عنها: (إنها رحمة وضعها الله في قلوب العباد) وقد فطِن عالَم غيرنا لذلك في حاجيات الإنسان فجعلوا للبكاء مكانا وطقوسا ومتكئاً حتى يُخرج صاحب الأحزان والأكدار ما به كأنه يغسل أدرانه ، والدموع رفيقة القرآن لمن يتلوه حق تلاوته ، وهي قرينة الدعاء لمن تعلق قلبه بربه ، وهي شاهد الفرح لأم مع فلذات كبدها ، وهي عصية عن الاستبقاء لأب فقد من ذريته أحدا (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم) ورصيف الدموع جامع النساء والرجال لمن كان له قلب سليم الفطرة حاضر التأثر ، ودمع العين صحة لها ولو من غير سوء ، والاستعاذة من عين لا تدمع سنة شرعية ، وكم في رصيف الدموع من استواء أداء ولو تعددت الأسباب ، فإن قيل للإنسان كيف تكون إنسانا؟ قلتُ: إذا بكى ، ومن تغلبه دموعه كفّ شره وأحسن لغيره وأنار ما بينه وما بين خالقه واستبقى لنفسه ما يرحمها بها ، وفي عتبة الدموع قوم لهم مع البكاء أنين جذع حنّ للنبي صلى الله عليه وسلم ، ومنهم في عتبة الدموع من يبكون خشية ربهم ، ومنهم من بكى على حاله أن فرط أو تأخر ، ولا تتقرح العيون من مداومة رصيف الدموع إلا دموع مرض ، أما دموع القلوب فهي مادة الحياة وأساس البقاء ، ودموع الأطفال جروح الأفئدة ، ودموع الوالدين على أبنائهم خناجر الجَنان ، ودموع القهر كواسر الظهر ، ودمع الفقراء إنذار (للذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) ودموع المظلومين رجفة الأرض ، ودموع المظلومات عار القادرين ، ودموع نفسك رصيف طريقك حيث تنوي ، ودموع الفرح بواعث الدهشة وطريق الحمد والشكر ، وصديق لصديقه يتوجّه وربما يبكي معه ، وإن وجدت إنسانا يبكي فلا تمنعه بل دعه ودمعه لكن خفف عليه ، فاللهم اجعلنا ممن يخشاك ويتقيك جهرا وسرا .

الرصيف الخامس عشر: لا إله إلا الله

1439/9/15هـ

ما جعل الله في الأرض خليفة إلا لتحقيق نفي الألوهية عن غير الله تعالى ، وما سمعنا برسول ولا نبي في القرآن إلا أنذر قومه بأن لا إله إلا الله ، فوجدتها رصيف الاستقامة والصراط المستقيم المرصوف بتوابعها نحو الله تعالى ، وما مُدَح الله تعالى بأعظم من نفي إله غيره ، حيث هي الحقيقة التي يعتقدها الجماد والبشر والشجر والجن والملائكة والدواب والأنعام في مجموعة تسبيح رباني أن لا إله إلا الله ، ورصيف هذه الجملة العظيمة واسع الجمع ، عظيم الاجتماع منذ خلق الله الخلق حتى ينفخ في الصور ، فقد قال ربي: (إن الدين عند الله الإسلام) ولا أعظم شمولا من أن يكون الدين منذ آدم عليه السلام حتى سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم هو (لا إله إلا الله) وكم وقف علماء وأصحاب كلام وأهل تفسير ومتمرسو لغة عند رصيف (لا إله إلا الله) قائلين وشارحين وموضحين ولا يزالون حتى اليوم ولذلك خلقهم ، فرصيف (لا إله إلا الله) في جنب الله تعالى عظيم ، وهو في جناب التوحيد أساس وركن شديد ، وهو في الذكر أعظم الذكر ، فما قال محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله أعظم ولا أفضل ولا أكثر أجرا وبركة من (لا إله إلا الله) فهو رصيف ثبات بحق الإله مع نفي الغير ، فلا طريق موصل لتحقيق الألوهية لله تعالى غير (لا إله إلا الله) جملة قليلة الحرف والكلِم ، لكنها عظيمة السبك والإقران والصياغة ، وهي من كلام رب العالمين ونطق رسوله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وما يميز رصيف (لا إله إلا الله) أن لا شيء يبقى بعده ذَا قيمة جدلية معنوية أخروية طالما ثبت بالدليل والبرهان أن (لا إله إلا الله) وهي كلمة باقية في عقب أب الأنبياء ، وهي كلمة كانت ولا زالت تشفع لقائلها لو قالها قبل موت ولو سبق ذلك عناد كفر ، وحديث صاحب البطاقة شهير مشهور معروف ، ومن عاش تحت ظل (لا إله إلا الله) امتثل ولو بعض عمره ، وأذعن ولو بعض عمله ، وحقق خضوع توحيد ولو بعض عقيدته ، فأرحِب برصيف (لا إله إلا الله) يقولها العالم المسلم كله عجم وعرب غرب وشرق شمال وجنوب ، هي الدخول في الإسلام رصيف أمان ، وهي الخروج للآخرة رصيف أمانة ، وهي إجارة الخائفين رصيف سلام ، وهي استحقاق رب العالمين أنّى توجه إنسان ، وفي عتبات (لا إله إلا الله) قوم فهموا تبعاتها وحققوا مقاصدها فأولئك هم المؤمنون حقا في رصيفها متفرقون ضباط ثغور ولوازم قدوة وأسوة ، وقوم في عتبة (لا إله إلا الله) جعلوها ترطيب الألسنة ودوام الذكر الكثير حتى إذا خلوا قالوا (لا إله إلا الله) وإذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فأسرعوا لرصيف (لا إله إلا الله) لاهجين فهداهم الله وباركهم وأصلح بالهم ، ورصيف هذه الترنيمة الإلهية المبجلة حافظ للأنفس والأموال والأعراض والحقوق ، وهي كلمة الله العليا ، وهي العروة الوثقى ، بها تتنزل الرحمات ويصلح أمر الحياة والممات ، ونحن في رصيف (لا إله إلا الله) طارقو باب عظيم كريم نشهد أنه لا إله إلا هو ، نستغفره لمعاصينا بـ (لا إله إلا الله) نكررها نرصف بها طريق أعمالنا القليلة في جنب ما أمرنا به ، لكنه واسع العطاء بـ (لا إله إلا الله) يغفر ويستجيب ، وما أجمل رصيف الاعتقاد هذا وهو يجمع أمة الإسلام كلها في (لا إله إلا الله) فلا فُرقة وهي بيننا نوحد ربنا فيعطف علينا ويجمع شملنا ويورثنا الأرض نصلح فيها ولا نفسد ، فاللهم يا ربنا بحق (لا إله إلا الله) أعز الإسلام والمسلمين .

الرصيف السادس عشر: القَصَص

1439/9/16هـ

حينما قال الله (لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب) بعدما عشنا وقوفا وسيرا واستماعا مع قصة يوسف عليه السلام في سورة كاملة تامة تجعل كل قاعد في رصيف الأمل يحلم ، وكل جالس في رصيف الإحسان لا ييأس ، وكل سائر في رصيف الإخوة لا يقنط ، وكل قادم لرصيف الأرزاق يعرف ، وكل مكتنف رصيف الماضي يغفر ، وبذلك يتجلى رصيف القصص قاعدة بارقة في مجال الإيضاح والتصوير وإيصال المعلومة دون عناء ربط ولا كثير كلام ، ورصيف القصص ظليل التطمين والتثبيت لمن ذهبت بهم الأحزان مذهب البائسين ، ولمن ظنوا بأنهم خُلقوا ليشقوا وحدهم ، ولمن رانَ على قلبهم الإحباط ، والقصص ممن يقصه وهو يعلمه وبه عليم أعظم الوحي وأجل أنواع الإخبار ، ففيه من إعجاز المعلومات ما يجعل المرتصين على رصيف القصص انتظارا في إبهات المحيط الخبير ، كيف لا وكثير من القرآن العظيم قصص للأولين والآخرين ، يثبت الله بها فؤاد نبيه صلى الله عليه وسلم في رصيف يسلمه به من تكذيب السامعين ، فما أخبر به الذكر الحكيم من القصص ثابت عند من لديه من الكتاب علم ، وقد قال تعالى (غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) وحادث ذلك لا محالة ، وأما رصيف القصص عموما فقد ركبه كل الكتاب والمؤلفين والدعاة والوعاظ والمتحدثين بل والشعراء والقائلين والفيحاء والمتكلمين ، فمنهم من صدق فأبدع وصدّق ، ومنهم من شَطَّ في ذلك الرصيف فجمع حابلا بنابل فظهر الغش بعد حين ، وفي رصيف القصص موضوع حديث ومحبوك تلفيق وتصحيف أسماء ونحو ذلك حتى أضحى القصص رصيف من لا رصيف له في حكايات تبدأ بأخبرنا من نثق به ، لكن القصص عموما حبيب للنفس بعد تعب علوم وصلابة معلومات وجهد إفهام وعناء فك رموز وتفكير ، فهو رصيف ترفيه لمن شاء ، وهو هدهدة نوم للأطفال من جداتهم ، وهو مساحة إبداع في رواية وإقصاص وتخيل وسبك حوادث لإرسال رسائل ثقافية معينة ، وما اعتمد قوم على رصيف القصص دونما تحقيق إلا عاشوا غيابة الجب والتقطهم سيارة المضللين ، ومن احتكم لقصص القرآن وجد الفرق ، وحديث الثقات عن أنفسهم في سيرهم الذاتية وكلامهم في ذكرياتهم عن أنفسهم أضحى هو المادة الإعلامية الأكثر جذبا لمن يسوق للقصص ، ففي ثنايا كل صفحة من صفحات الحياة ما يقال وما يحكى ، وفي كل فائدة وإن قلت ، لكن عتبة الزمان في رصيف القصص مالت بالبعض نحو إمعان التمييع وعدم القصد وقلة المباشرة ليختلف الفاهمون ويتخاصمون المحللون ثم يربح الكائدون وتجار الشرور ، وفي عتبات القصص قوم ما قالوا إلا حقا ولا نقلوا إلا صدقا فأضحت سيرهم أمثال استشهاد وحِكَم استطراد ، فاللهم اجعل حياتنا قصة نجاح وفلاح منك وإليك .

الرصيف السابع عشر: المال

1439/9/17هـ

هو رصيف ذو أحوال ، ورصيف راصف للقلوب والأنفس والأعمال ، فرصيف المال قائم مقام كل رصيف ترصف به طرق تؤدي لغاية ولو عظمت ، هو حبيب الإنسان ومدار كده والسعي له ولتحصيله ، والله يقول (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) وحيث رصيف المال بارز المعالم في سوالك الناظرين فهو قيمة عند بعضهم (ولَم يؤتَ سعةً من المال) مع أن القيمة حينها أعظم ، وهو منحة ربانية تزيد حكمة ما أنيط بها (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) ورصيف المال شركة العالمين الكبرى ولو ساهم فيه بعضهم وكان من المدحضين ، به تستقيم ممرات الشئون نحو تدبير الأمور ، ومن نفحاته يتوقف المارون ليكون لهم حظ ونصيب ، لكنه رصيف متقلب الإرادات وفق نية اللاهثين ، فمن طوى في رصيف المال نفسا ستقول يوما (إنما أوتيته علم عندي) سيحصد نتيجة تلك المطية ندامة حين الله (يرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا) لكن مع كل ذلك فرصيف المال آلة المتقين حين الله (اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) وامتدح في رصيف المال مارين فقال (الذي يؤتي ماله يتزكى ومالأحد عنده من نعمة تجرى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) ورصيف المال سهل الابتغاء جمعا وغنى لمن سلك في التجارة سماحة بيع وشراء وهو في ذلك الرصيف يختلط بعباد الله منهم يستفيد ومنه استفادوا ، وهو رصيف عصي على البقاء فيه حرارة لمن استهلك قواه له وسخر نفسه لبلوغه أنى كان ، وفي عتبة رصيف المال من انسلخ من ماله كله لله ورسوله ، ومنهم من أغناه ربي بالمال فأفناه في رضاه ، ومنهم من جعل شكر المال وحمده إنفاقه ، ورصيف المال جادة الحق لمن نظر في المجتمعات ، إن صَلُح ذلك الرصيف عُبّدت الطرق نحو رقي يرضى عنه الله بركة ونماء ، وحين يكون رصيف المال محل شحناء وبغضاء واستغلال حاجات وشراء ذمم ورشوة إفساد فأذّن في الناس بالفقر والغلاء والاحتكار وشظف العيش ، وما إن يطلب الناس حربا مع الله ورسوله بالربا حتى يصابوا في أموالهم بما لم يكن في الحسبان نكسة وأزمة وخراب ديار ، وعتبة تصريف وتوصيف المال العليا لتكون قائدا للحضارة في أمة جعلت الإسلام دينا تسليط المال لحاجيات الخلق ، وإيتاء حق المال يوم استحقاقه ، واستشراف الإنفاق لوجه الله تعالى دون من ولا أذى ، وتأليف القلوب لتعرف قيمة إسلام شرَّع في تشريعه من مصارف المال صنوفا أضعاف أضعاف تشريعات جمعه وكنزه ، وأمر المال اليوم في عالمنا رصيف مشارك لنا في كل اتجاهاتنا شئنا أم أبينا ، فلا حاجة مقضية دونه كثر الصرف أو قل ، حتى أضحى الهوس نحوه يشغل بال الأطفال قبل الكبار ، ولكن إذكاء روح الإيمان أن المال لله تعالى ولو ملكه الإنسان تقصد حدة الاحتقان ، مع ضرورة التقيد بأن حفظ المال لصاحبه من الضرورات الحمس التي لا تستقيم حياة دون رصيف محمي بقوانين صارمة ، فاللهم أغننا بك واجعلنا في غنى ننفق فترضى أنت عنا .

الرصيف الثامن عشر: المرض

1438/9/18هـ

معاذ الله تعالى أن نملّ العافية ونكون كالذين (قالوا ربنا باعد بين أسفارنا) فمزقهم الله ، لكن رصيف المرض بكل أحواله مجال حوض يرده الجميع مرورا طال أو قصُر ، وفي رصيف المرض تتشكل العلل وترتسم المعاناة ، ويختلف الواردون تعبيرا أو صبرا أو تصابرا ، كما يختلف في ذلك الرصيف التداوي أو التعامل مع هذه العوارض ، والذي يميز رصيف المرض بأنه اضطراري التوقف عنده شاء المريض أم أبى ، وكذلك هو رصيف من مر به وأسرع اعتبر نفسه ناجيا ، ومن بقي سأل الله الشفاء ، ومن أطال سأل ربه الأجر ، ومن انتقل منه لرصيف الموت الذي ذكرنا سابقا فأمره لربه ، لنخلص من ذلك بأن رصيف المرض رباني القدر قدرا وجبرا ، وهو رباني المكوث والتعامل شريعة وأمرا ، وهو إنساني التعاطف رؤية وتفاعلا ، وهو كذلك علمي البحث والتفتيش عن الدواء خلاصة جهد وتحصيل تفكير ، ومن في رصيف المرض وقف اكتشف حقيقة قول ربه (وخلق الإنسان ضعيفا) ومن ناجى ربه وهو مريض اطلع على حقيقة إيمان الأنبياء حين قال إبراهيم (وإذا مرضت فهو يشفين) ومن صبر وامتثل وأبتهل أدرك كنه اسم الله تعالى (الشافي) ولعل رصيف المرض سلاح تكسير مجادف الغطرسة ، وهو عصا تأديب المتكبرين ، وهو كذلك آلة التذكير لمن قست قلوبهم ، ورصيف المرض تعطيل للسير الحياتي بامتياز في أمراض شتى لتكون العافية أعظم الأمنيات ، وفي رصيف المرض منطقة لا ظل فيها حين يكون الألم عنوان التوقف والمكوث ، فهناك تضيق الأرض بما رحبت وتعج في الإنسان ريح الضجر أو زوابع الحزن إلا أن يكون (صابرا نعم العبد إنه أواب) وفي رصيف الأمراض عتبات الأولياء والأنبياء ، ففيه إذعان وخضوع إن حل في رصيف المرض من اتقى وأصلح وأحسن ، فهو محتسب واثق الرجاء في حسنات رب العالمين حيث النص (أكثركم بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم) وهناك في عتبات رصيف المرض على أطرافه عباد الرحمن الذين يواسون ويدعون ويمرّضون ويساعدون ويعالجون ، وما نعمة في رصيف الأمراض لمن اطلع عليه أكبر من سعي في علاج مريض ما استطاع الإنسان لذلك سبيلا ، فأنّات المرضى وتوجعاتهم فاتقةّ رَتْق جبال من الغفلة أو التحجّر الإنساني ، إلا من ابتلاه بغلظة هي بذاتها رصيف مرض خطير ، وأهل المريض مرضى من شباك مفتوح على رصيف المرض ، وسلامة المريض وبرؤه في رصيف المرض زغاريد حمد وشكر لله ، وهو لبعضهم انطلاقة نحو خير حيث عرف واختُبِر فنجح وسلم فلزِم ، ورصيف المرض سجن فيه كفارة ذنوب ، لكنه أيضا مصيبة تستحق (إنا لله وإنا إليه راجعون) ليدخل الموجود فيه في قائمة تطالهم (صلوات من ربهم ورحمة) والمرض استثناء يستحق التوقف والتدبر والتفكير ، فاللهم إنا نسألك العافية ودوام العافية والشكر على العافية .

الرصيف التاسع عشر: الماء

1439/9/19هـ

عجيب غريب جداً هو رصيف الماء (وجعلنا من الماء كل شيء حي) وما له ألا يكون رصيفا وهو العالي (وكان عرشه على الماء) والداني (وأنزلنا من السماء ماء مباركا) وفي رصيف الماء الناس كلهم ممتن عليهم ربهم (ألم نخلقكم من ماء مهين) وتلك إشارة السواسية والتساوي والعدالة في أصل النشأة ، ثم هم بعد ذلك في رصيف الماء مرتشف ومتطهر وحافظ وساقي ، وعلى رصيف الماء سكنت الأرض كلها ، فأغلب الكون ماء واليابسة منهجان قليل هو قرار من أصله بعد التراب ماء ، وقصة الماء أجدى للاستيعاب حين نبع (زمزم) فالله تعالى به يرحم الناس والدواب والأرض والنبات والمناخ (إذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج) وكذلك الإنسان مع الماء البارد يهتز جسده ، وبعد العطش يجد الماء فيهتز قلبه ، ولو توفر الماء له غسلا وشربا أنبت من كل أزواج الفكر والعمل والطاعة بهيج ثمرات يجدها في الدنيا والآخرة ، وما لرصيف الماء أجمل من جعله شركة بين الناس (فالناس شركاء في ثلاثة ومن الثلاثة الماء) ومن رصيف الماء انطلق الحياء وتصدرت النخوة وظهر التنظيم وفازت الرجولة وانتشرت الرحمة حيث قال ربي (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء فقالت لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ، فسقى لهما ثم تولى إلى الظل) ومن رصيف المال جزء فيه عذاب (قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) وفي الماء رصيف يغرق فيه الطغاة (حتى إذا أدركه الغرق) ورصيف الماء للصالحين بركة رب العالمين (ليطهركم به) وحكاية الوضوء بوابة إشراق للمتدبرين ، وجُماع التعامل الإنساني في رصيف المال (لا تسرفوا) فالله تعالى آمرٌ به منزله كانزه في الأرض ليعيش الناس بقدَر ، ومن الماء ما هو دموع الحجارة (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء) وجسد من غير ماء ميت ، وزرع من غير ماء موات ، وحياة من غير ماء قحط ، ورصيف الماء شريعة استسقاء بالصلاح والدعاء والتوبة ينزل ، وفي السماء رزقكم وما توعدون ، وعتبة رصيف الماء فيها قوم سقوا مخلوقات ربهم فتاب الله عليهم ، وفيهم قوم اشتروا آبار ماء فأوقفوها فسقاهم ربهم شرابهم طهورا ، ومن الخلق من تعامل مع الماء فأشرك (وإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) والماء علامة الربوبية ادعاها أحدهم (وهذه الأنهار تجري من تحتي) فهلك ، فالرب الأوحد الله لا شريك له هو الذي ينزل الغيث ، وهو الذي يسوق السحاب ، وهو الذي يسبح الرعد بحمده ، وهو الذي جعل لنا الأنهار ، وهو الذي جعل البحرين أجاجا وفراتا ، وفي البحر عجب وحلية وحياة وطعام وسفن (باسم الله مجريها ومرساها) لا إله إلا هو ممتن بالماء في كل شي ، فالحياة بالماء حياة قلوب وشرع وتشريع وأجساد وفكر وكون في رصيف من توقف عنده شكر ربه ، فاللهم اغسلنا من الذنوب والخطايا بالماء والثلج والبرد .

الرصيف العشرون: العدل

1439/9/20هـ

ما من شيء إلا وهو موصوف بالعدل إن أخذ من رصيفه تطبيق الحق والصدق والقانون (وإذا قلتم فاعدلوا) ورصيف العدل محمية العقلاء ، وروضة المستقيمين ، وباحة تفاعل الناس أجمعين ، ومنه ابتدأ الإقدام نحو الرغبة في الاندماج مع الغير ، وتسخير الناس بعضهم لبعض ، وإفادة خلق من خلق الله ، فقوم اجتمعوا في رصيف العدل بوضوح الحقوق ما خابوا وما خسروا ، وفي العدل إلزام الإنسان بإنسانيته الأصلية (ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا) وما رصيف من أرصفة المعاني العظيمة وأساسيات الحاجيات البشرية أعظم من رصيف العدل منشود المخلوقات كلها وليس الإنسان فقط ، فالله عادل وهو العدل وآمرٌ بالعدل وأنزل كل شيء بالعدل ، ورصيف العدل مشتبه النظرة عند من يرى التسوية أساس حكم ، والحال على خلاف ذلك ، إذ رصيف العدل قائم على الحق فقط ، فكل جانب من رصيف العدل معه الحق يكون أكثر متانة من غيره ، بغض النظر عن جنس أو وقت أو مكان (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) ورصيف العدل متغير التشكيل لكنه ثابت النظرية والأداء ، وكل طريق لا رصيف للعدل فيه يطمئن له السائرون وتعود إليه خلافاتهم هو طريق شؤم وبتر وإجحاف ، بيد أن رصيف العدل ولو تعرى عن ماديات وحسن متاع أرأف بالعالمين من زخرفة موجودات وتكاثر في الأموال والأولاد ، ومنذ خلق الله الخلق وشط بعضهم عن الحق باتت القضية الأولى في الأرض هي رصيف العدل كيف يُرصف ويُعبّد حتى يصبح صالحا للآدميين ، والرسل عليهم السلام جاءوا بالعدل لإحقاق العدل والتعامل بالعدل ، ورصيف العدل به أرصفة داخلية الاعتبار ليكون تواجد اثنين مستحق للعدل ، وتواجد بضعة نَفَر مستحق للعدل ، والإنسان مع نفسه بالعدل يستقيم ، ومن العدل أن يكون الله واحد لا شريك له (إن الشرك لظلم عظيم) وأعظم ما يهدم أرصفة العدل جحد الحقوق أو تدليسها أو التضليل فيها ، وزلزال رصيف العدل المحاباة والمحسوبية واعتبار الشخصيات بالتقدير الدنيوي ، وفي عتبات رصيف العدل نبي الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قائم بالعدل سيرة وبعثة ورسالة وتعاملا وطريقة حياة ، ومن العدل جانب أعظم من أي جنباته وعتباته وهو العطاء ، فالعقوبة الشخصية عدل لكن العفو إحسان (وإن تعفو أقرب للتقوى) وفي بعض العدل ألم لكنه ألم حق لابد منه (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) وما من إنسان عرف عدلا في آخر إلا لزمه ولو كرهه ، فاللهم اجعلنا نعيش في عدل بعدل نعدل فترحمنا وتحفظنا وترزقنا .

الرصيف الحادي والعشرون: الألوان

1439/9/21هـ

جاعل الأبصار هو الله تعالى مستحق للشكر والحمد ، وهو سبحانه من يهب لنا التنقل في رصيف الألوان تمييزا بالعقل والإدراك ، وما من أمر جعله ربي مختلفا عن آخر عبثا ، ونحن متجولون في رصيف الألوان نبحث عن حقيقة توصيف وماهية امتنان ، فرصيف الألوان ممتد الأفق في ألوان أصلية منها انشق كل شيء وتَكوَّن كل لون ، وكل الذي خلقه الحق تعالى آخذٌ من الألوان قسطا (صبغة الله التي صبغ الناس عليها) وإن لم يكن معنى الصبغة صبغ بلون لكنها القاعدة الإلهية في الشكليات ، فالجمادات في رصيف الألوان ساكنة (ومن الجبال جدد بيض وحمر) وما في رصيف الألوان من شيء له لون إلا ودالٌّ على معنى آخر وعلى تسلسل معطيات (فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) وطلب معرفة اللون ابتدار السائلين حين مزيد من التحقيق (ادع لنا ربك يُبين لنا ما لونها) والإجابة مستحقة حين الاستفسار (إنها بقرة صفراء) وفي رصيف الألوان درجات لذات اللون لمزيد استفصال (فاقع لونها) ورصيف الألوان مؤثر نفسي كبير (تسر الناظرين) وفي قتامة رصيف الألوان فتح رباني (فلما جنّ عليه اليل رآى كوكبا) فالضد يُظهر حسنه الضد ، ومن اختلاف الألوان تُعرف الوحدة وتنتفي ذات الاختلافات في أصل طيّب ومرجع أصيل (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه) لكنه متحد الغاية (فيه شفاء للناس) ومن رصيف الألوان انبثق عالم الإنسان فأثر اللون على اللسان وكان علامة عليه في الغالب (واختلاف ألسنتكم وألوانكم) ومن صادَق في رصيف الألوان زملاء تدبر وتفكر وجد ما يشغله عن كثير انخراط ، فالأسودان طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والحجر الأسود مستَلَم النبيين وركن الطواف ، والهنود الحمر إخوان لنا في الإنسانية والنشأة ، وكون بعض النتاج وُرْقا مع أصله الأحمر لا يعني شبهة انحراف ، فلا يحكم اللون الأعراض ، ومن رصيف الألوان بعض أحكام الفقه ، فالشفق الأحمر توقيت ، وحلة حمراء لبسها صلى الله عليه وسلم تبدي جمال هذا اللون ، والبياض سحنة الملائكة ، والثوب الأبيض سهل التنقية من الدنس وسهل حمل الدرن ظهورا ، ومن اللون الأصفر علامة للمتانة (كأنه جمالةٌ صفر) ، والاصفرار علامة الاقتراب سوءً أو مرضا (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا) ومن البياض ابتلاء (وابيضت عيناه من الحزن) ومَن لا تحولُ في رصيف الألوان المتغايراتُ بينه وبين هوى نفسه في اتجاه الطاعات فعليه مراجعة نفسه (يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه) ثم إن رصيف الألوان حريّ المداولة بي الناس ، إذِ الألوان من عوالم الله تعالى مكنونة الإذعان لربها ماضية للعمل في نفوس ومشاعر وقلوب وعقول وأمزجة الخلق بما أمرها ربها ، حتى خلطوها ودرّجوها وسمّوها واحتلبوا منها مادة علم وصناعة تطبيب وصندوق اختيارات ، وفي عتبة رصيف الألوان قوم أغراهم سواد اليل وحلكته بمناجاة ربهم ، وحفزهم بياض الصبح على السعي والكسب الحلال ، وتعاملوا مع الأبيض والأحمر والأسمر من الناس بمقياس (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ولَم يغرِهم اصفرار الذهب ولا لمعان الفضة أن ينفقوا في سبيل الله تعالى ليل نهار ، ونشطت أذهانهم بزرقة السماء أن يتفكروا في ملكوت الله ، فأولئك هم الفائزون الذين لا يتلوّنون عقيدة وخُلقا ، لكنهم مع الألوان لهم ألوانُ طيفٍ تُعجب الزّراع ليغيظ بهم الكفار ، لذلك فهم في القيامة في لون أخضر شريف (متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان) فاللهم اجعلنا ممن لهم صحائف بيض يأخذونها بأيمانهم .

الرصيف الثاني والعشرون: اللذة

1439/9/22هـ

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (جُعلت قرة عيني الصلاة) عرفنا في رصيف اللذة عتبة عالية الشعور هي للأنبياء والصالحين أهل تليق بنظرتهم لما هم فيه سائرون ، ومن أستلذ بشيء وجد لذته ، ومن تلذذ بشيء أحبه ، ورصيف اللذة عظيم المقام عند الصحابة رضوان الله عليهم وهم يصفون نعيمهم برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكل جزء في جسد الإنسان نصيب من لذة ، والإحساس بطعم شيء معنوي كأنه المادي لذة رصيف عال الهمة لا يناله إلا ذو حظ عظيم وهي حالة قوم مع القرآن (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم) وبعد ذلك لذة الأمان (ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) ورصيف اللذة واحد التظهير غاية الطالبين ، لكنه مختلف التصور رؤية العابرين ، ومن انقشع عنه غمام الأوهام وفك رموز المعنويات ربما وجد في كل مآلات الأفعال الدنيوية نهاية لذة دنيوية كانت أو أخروية في أمل وحسن ظن برب عظيم ، وعلى تنوع اللذات تعددت الشهوات (زين للناس حب الشهوات) فرصيف اللذة أساس تكتنفه الشهوة داعيةً له ، لكن بعض السالكين جعلوا ذات آلة الشهوات سبيل لقاء ربهم فقالوا في الدعاء (اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم) وتلك غيبيات من الحكاية الشرعية نطلبها كما الجنة ، والتقاء اللذات متمثل في قوله صلى الله عليه وسلم عن رؤية ربنا (لا تضامون في رؤيته) وتعدد وسائل الوصول للذة لم تجعل يوما رصيف اللذة دائماً ، فهو رصيف لا يقيم فيه الواردون كثيرا إلا من كانت لذته مداومة الطاعات فهو يترقى في ذلك الرصيف ما ظل صابرا ، أما غير ذلك فالعجيب بذل الإنسان الغالي والنفيس بل وزمام فكره وخلاصة تدبيره ليجد لذة ولو مشروعة في لحظات ثم تنقطع ولو عادت ، وما أصدق ربي حين قال (خلق الإنسان من عجل) ، ورصيف اللذة هو مراس التشويق الذي جعله الله تعالى سنة في خلقه فوصف موجودات الجنة أكلا وشربا وغير ذلك بما يناسب لذة يهدف لها الإنسان ، وكل ما يُشبع حاجيات المخلوق ماديا أو حسيا في رصيف اللذة تحصل له من بغية ، وخاصية رصيف اللذة أن منه رصيف حق ورصيف تبديل ، فقوم مثل قوم لوط أنكر ربي عليهم (أتأتون الرجال شهوة) وتلك طريق لذة مغيرة عما فطر الله الناس عليه ، ويشبه ذلك في رصيف اللذة نقيضان ، أحدهما ظالم سادي تلذذ بأذى غيره ، وآخر مظلوم اعتاد ذلك فعاش بمظلوميته دون دفع ولا إنكار فأستلذ عذابا ، وما كل ذلك إلا تشويه للنفسيات المستقيمة عن طريق الصراط المستقيم ، وقد عبر العرب عن الإحساس بالطعم ، وكذلك اللذة طعم لمن وجدها ، ورصيف اللذة متعرج بنشوة وغياب ثم شرود وهوس فادعاء فوهم وربما جنون ، ونهاية رصيف اللذة حتمي الوصول لمن وُجِد فيه ، فلذة الأكل تنتهي بالشبع ، ولذة الحميمية تنتهي بالفراغ ، ولذة النوم تنتهي بالاستيقاظ ، ولذة السفر تنتهي بالقدوم ، وكثير هكذا ، لكن لذة الإنسان متجددة فيما حُبِّب له ، واللذة مقياس وعلامة في بعض تشريع لحكم ، وخلاصة رصيف اللذة أن القاعدة بين أمرين ، الأول (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) والثاني (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) فمن اجتهد لمكان وسط في رصيف اللذة أغرته لذة ذكر الله تعالى عن كثير من مبالغة في لذات الدنيا ، واللذة وقع في القلب ، والملذّة ذات الفعل المؤدي لها ، ورصيف اللذة على أطرافه كثير من المنزلقات ذهب ضحيتها أهل المخدرات والمسكرات وأشباه ذلك ، وانكفاء اللذة كمثل قوم (استحبوا العمى على الهدى) وآخرون (ضَل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) ورصيف اللذة مليء بحروب شنها محتكروها ضد طالبيها أو من أنعم الله عليهم بها ، وقتال الإنسان خوفا من فقد لذة شديد باطش عند من تمكن منه الشيطان الرجيم ، فاللهم اجعل غاية لذتنا أن نعبدك كما أمرتنا .

الرصيف الثالث والعشرون: الوطن

1439/9/23هـ

لا يغيب رصيف الوطن عن سالكٍ أية طريق مهما يكن ، فهو حاضر كلما اتسعت رقعة الكتابة والموضوعات ولو تكرر الحديث ، لكن الوطن متعدد الأبعاد أنى رمت عنه حديثا وجدتَ ما تقول ، وحين قرأت لأحدهم “تمسك بوطنك وكن معه وله فداء ولو عشت على رصيف فيه ، فرصيف وطن أرجى وأحلى من خيمة لجوء أو غنى هجرات أو حماية مرتزقة” قلت: بأن الوطن أرصفة في رصيف ، ولولا نصر الله تعالى صاحب المن والعطاء لرسوله صلى الله عليه وسلم ما تمت رسالته (إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن) وحزن من أجل وطن جزء ولو يسير من كوكبة حزن على سيد الخلق أجمعين ، ورصيف الوطن فيه الناس جميعا أصحاب حق لا يُعاب على أحدهم حب وطنه ولا غزله فيه ولا تفضيله ولا الدفاع عنه مهما يكن إلا من صاحب جهل وإقصاء ، فالوطن رصيف الذائقين طعم السكنى والنشأة وتأثير الأرض التي منها وإليها نعود ، والوطن رصيف المتعبين ينعمون إذ شمّوا ولو من بعيد ريح أوطانهم ، ورصيف الوطن مراتب الفاعلين ودرجات المهتمين اجتماعا بأهل وطنهم ومن فيه ، ولا مُفارق لوطنه إلا وتبقى في قلبه جذوة نار تخبو وتتقد كلما ذكر وطنه ، وخراب الأوطان دمار النفوس وعوَق الفكر وهدم الثقافات وتغيير التأصيل وقيامة الآمنين ، ومن رصيف الوطن تبدأ اللحمة والاتحاد والاجتماع والتعاون على البر والتقوى ، ومن الأوطان من صارت وطنا بطول المُكث وتعاقب الأجيال ، فلا نكران من فروع على أصول ولا من أبناء أصول على غيرهم وقد هاجر أجدادهم ، لتبقى خضرمة التذكر ميزة في رصيف الوطن لا يعرفها إلا المهجّنون ، واتساع رقعة بعض الأوطان تتسع معه القلوب والتمازجات ، وضيق مساحة بعض الأوطان تزيد معه الألفة والمحبة ، وفقر الوطن غنى الأصيلين ، وغنى الوطن حمد الوطنيين ، واحتواء المهاجرين وإكرام القادمين والترحيب بالضيوف شهامة وطنية عند شعوب خلقها الله في الأرض لكن ميزة ميز الله بها مهجر نبيه صلى الله عليه وسلم فاقت الهدايا (يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم) ولا عجب فالمدينة اختيار إلهي بقرار من ذي الجلال والإكرام ، وعتبة رصيف الوطن العالية وطنيون يدافعون عن تراب وطنهم ويحملون الناس على حب الوطن ووحدة الكلمة واحترام النظام والقانون والحفاظ على المقدرات ونبذ الفرقة والذود عن حياض الوطن العامة ، والفرد في وطنه عزيز وفي غيره غريب ، وكم من تارك وطنه اختيارا ندم وعاد ولو لشقاء حال ، وآلام اللاجئين تصنع الفرق وتذكي في الإنسان شكر النعمة ، ورصيف الوطن مليء بتاريخ في الشعر والنثر وفي المكتوب والمقروء والمسموع مما يجعل الوطن ضرورة الشعور وجواز سفر السلامة الروحية ، فاللهم آمنّا في أوطاننا .

الرصيف الرابع والعشرون: الوظيفة

1439/9/24هـ

هنا رصيف فيه نصف الخلق ربما ، حين يكون العمل توظيفا يُستأجر الشخص لأدائه مقابل دراهم معدودة أو غير معدودة آخر الشهر ، وهو رصيف الكادحين ومبتغى المتخرجين وتفتيش العاطلين ، مبدأه المحاباة ووسطه النفاق وآخره تقاعد في رصيف ثمن بخس ونسيان ، رصيف الوظيفة مطليّ بالروتين والرتابة في الأغلب الأعم ، ومحفوف بالمكايدة والتماكر والتنافس غير الشريف إلا ما رحم ربي ، وهو رصيف المغلوب على أمره والباحث عن انتظار المال بمضي الأيام والليالي لا بجودة العمل في ديدن عرف هذا الرصيف ، هو رصيف يجمع الرئيس مع العامل ، والكبير مع المهمش ، وهو رصيف اعتبره بعضهم سياج العبودية المعنوية لمن اضطر أن يكون فيه ضيف مسير ، ورغم أن رصيف الوظيفة في الاعتبار الشرعي عقد لازم الوفاء ، محترم الأداء ، مبني على الرضا والاتفاق ، مداره الرفق والوضوح وحسن العمل (إن خير من استأجرت القوي الأمين) إلا أن تقلبات النفوس في حب سيطرة على رصيف عام جعلت الوظيفة بين سندان الشخصنة ومطرقة الأهواء ، ولو حاول قوم جعلها فلسفة تسيير ، ومن رصيف الوظيفة انطلق كسل علماء ، وظهرت كبوة باحثين ، وتأخرت مهارات فنيين ، لأن القوم أخذوا الطبيب ليكون مديرا ، والمهندس ليكون وزيرا ، وطالب العلم ليكون مأمور صادر أو وارد ، وأشد جهة في رصيف الوظيفة اعوجاج قعود وتفكك ثبات أن يكون الحضور والغياب والالتصاق بالكرسي هو غاية جهد القيّمين ، والولاء للرئيس المباشر في الباطل وشبه الحق مقياس المتميزين ، فهنا يكون الرصيف قاعدة (إن تصبكم حسنة تسؤهم) ولكن عتبات الوظيفة منذ أصالة التاريخ أظهرت من عمال الخلفاء من اعتبر ريح طيب بيت المال فساد توظيف ، ومن نهر ابنه (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) ولو استنقذ العالم رصيف الوظيفة من ديمومة الاستئجار وأعطى لكل عمل قيمته لمضت في العالمين ثقافة (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) ولكان رصيف الوظيفة ذَا شعار (أوف لنا الكيل وتصدق علينا إنا نراك من المحسنين) ولكن عموم البلوى جعل رواجح الاختيارات العمل الحر ، فاللهم جنبنا ظلما يصيبنا من أحد أو نظلم عاملا .

الرصيف الخامس والعشرون: الغضب

1439/9/25هـ

من الأرصفة المظلومة الغضب ، ركِبه الناس فشرقوا وغربوا ، حمّلوه أوزارهم وأفعالهم واعتداءاتهم وسوء أخلاقهم ، جعلوا رصيف الغضب مطية كل أحد ، مسحوا بالغضب بلاط الأرصفة ، حتى شرّعوه عذر من لا عذر له ، اجتمعوا في رصيف الغضب كأصحاب نوايا سيئة وخبايا مقيتة كل يدلس حالته بأنه صاحب السعادة والرياسة والمكانة فريد عصره وزمانه (غضبان) وبمجرد الانتهاء من حروف هذه الكلمة بعد مد الألف قبل النون جدا يصبح رصيف الغضب بلاط السلطان ، وما سمعوا قول ربي تعالى (فلما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح) فقد سكت رغم قليل مخالفة ، ولولا اجتماع بعض تهبيط مع كثير ثوَران في قوله تعالى (فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا) لذهب الغضب بالنبوة ، وحاشا لموسى عليه السلام ذلك وقد كلمه ربه ، فرصيف الغضب مأكول مذموم ، مستخدم ومعذور ، وهو رصيف واقع فيه الإنسان الخالص الإنسانية لا محالة ، لكن الغضب كطارئ شخصي مثل الحزن أو الضحك أو الغيظ مؤطر بإطار التسبيب وإطار السيطرة ، إلا ما جعله الشرع مناط أحكام فيما يحدده طبيب نفسي ذَا علم مؤتمن ، وإلا فمن استُغضب ولَم يغضب ففيه علة ، لكن إطفاء الغضب بالحلم ميزة العقلاء ، ورصيف غضب عالم اليوم إنما هو عاصفة هوجاء لا علاقة لها أبدا بالغضب كأصل بشري ذي احتمالات ، فغضب ثم قتل أو عنف أو سبّ وشتم أو انتحار أو مخالفة قانون أو وصاية أو طلاق ونحو ذلك هو حجة الفاسدين ، وسلم المتسلطين ، أو هو علامة المجانين والبلهاء ، (لا تغضب ، لا تغضب ، لا تغضب) وصية سيد الخلق عليه الصلاة والسلام ، وربما ليس تسليطها على أساس انطلاق الغضب فلا تحكم فيه كشعور ، والأنبياء غضبوا ومنهم هو صلى الله عليه وسلم ، لكن مناط الوصية أن لا يمتلكك الغضب ، فهو رخصة الدخول في الضرر والمرض والعنت والوحدة واليأس والإحباط وربما اختلال العقل ، ورصيف الغضب أعتابه زبرجد الحكماء وبيلسان ذوي الأحلام وورود العقلاء ولين جانب الأتقياء ، يجعلون من الغضب احمرار وجه في منكر ثم تعليم وهداية وإرشاد ، وفي عتباته قوم يطفئون بأقولهم الطيبة نار غضب فلا تصيب وتخمد ، ويرجون بذلك وجه الله تعالى ، وتعذّر كثير بالغضب في رصيفه أنهم كانوا غاضبين يستحق قانونا يحمي الغضب من أوهام الفاشلين ، فاللهم اربط على قلوبنا هدوء سعادة حتى نلقاك .

الرصيف السادس والعشرون: الجنس

1439/9/26هـ

مهما طفقنا نخصف علينا من ورق التغافل نجد رصيف الجنس هذا ماثلا للفكر والاشتراك الآدمي في الحاجيات دونما فرق ، كسنن الله في خلقه التي لا تتبدل ، وهو رصيف ليلي السبر والنظر ، مهلك التشابه والتمييز ، على جنباته دعاة وفي ممراته محفزون ، وتهذيب الغايات من مقاصد الشرع في الممارسات (ولقد كرمنا بني آدم) لكنني قلت: ربما آيتان من كتاب ربي تحيط بهذا الرصيف حماية رفعة واحترام خصوصيات كجدر متينة ما وراءها هو الدمار والانحطاط ، أما الأولى فالله يقول (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم وما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) وهنا لفتة قرآنية جعلت (الحفظ) مهمة الإنسان ومن لم يحفظ ما امتثل ، وذاك واضح الدلالة على أن نسق تَوْقِ الإنسان لغير المسموح هو ديدن يُرَتّب بالتشريع ، وأما الثانية فربنا قال (أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم) وهنا جدار التأصيل ضد الانحراف عملا أو تصورا أو شوق نفس أو مماثلة جنس وتخطي حدود شرع مبني على الفطرة لتشوهات رغبات ، ولما كان رصيف الجنس ذو جداريْ تبيين فهو قائم من قمة أدب الإسلام على الحياء والتورية ، فلا حاجة لفصيح العبارات في التنزيل الرباني وهو تعالى (يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) ومن استدل بقول جرى على الألسنة (لا حياء في الدين) يريد بذلك نزع قيمة فاضلة في ديننا من لطف العبارات واستغلال ثراء العربية في الدلالة على المستور ربما غلط وأخطأ ، فالله قال (فلما تغشاها حملت حملا خفيفا) وقال (هُن لباس لكم وأنتم لباس لهن) وقال (فما استمتعتم به منهن) وقال (نساؤكم حرث لكم) وقال (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) وغير ذلك وافر التأديب من جمال تركيب لا مباشرة فيه لما تكرهه النفوس المستقيمة ، فقد أعطى الله كل شي خلقه فطرةً وأساس بناء ، ثم هدى بشرع وطريقة تعامل تبني في الشخصية المسلمة رقة إنسجام زوجي عظيم ، وما من حائرات وحائرين في رصيف الجنس إلا عوان على تراكم عوَق نفسي واختلال داخلي في تركيب استدراجي للسوء ، ظهرَ ليبدو من الحقوق وما هو منها في شيء ، وقد خلق الله الخلق ليبلوهم في السيطرة على الشهوات المسموح بها عقلا وطبعا ، فما بالك بانحدرات إنسانية فظيعة الانتشار اليوم من مثلية جنسية فعلية ، أو مثلية جنسية نفسية ، أو مثلية جنسية جعلت الاستهزاء والضحك سبيل سخرية حتى وقعت في المحظور ، وحين تستوي في رصيف الجنس عبارات الخصوصية إلى نشر الغسيل وشيوع وحدة بناء الكلام للكل وكسر الحواجز عن الناس جميعا فذلك الرصيف أضحى معتديا على قاعدة (ثلاث عورات لكم) القرآنية ، وعتبة هذا الرصيف العالية قوله تعالى (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) وقوله (قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) ولكن الإفراط انعكاسي التأثير كالتفريط ، وجعل الجنس رصيف توقعات ومثار شكوك وغاية مارين وسائرين والناس أجمعين في تشريع القوانين وبناء النظريات وفلسفة التثقيف جرمٌ عظيم ، انتهك الخصوصيات وأزرى بالجنس البشري نساءه ورجاله ، واعتبر السامعون كثرة توهم ذلك لازمة العرب والمسلمين في مساق خاطئ وممارسة جانبها الصواب ، فاللهم جنبنا الحرام حيث كان .

الرصيف السابع والعشرون: السعادة

1439/9/27هـ

أنا سعيد جملة اسمية ربما تدل على من تسمى بهذا الاسم ، وفي النادر أن تكون جملة تُخبر عن حال إنسان عن نفسه ، ولهذا فرصيف السعادة من أهميات البحث ، والناس تمشي في طرقات هذه الحياة باحثة عنه في كل محطة توقف ، ولعل رصيف السعادة الأخروية هو الثابت حقيقة ووصفا بلا شك ولا ريب (وأما الذين سُعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض) ليتضح الطريق بأن لا بلوغ لذلك الرصيف إلا بعد انقضاء مهلة الحياة والأجل المسمى ، لكن رصيف السعادة في الدنيا يبدو متحرك الإنشاء بين حين وآخر وزمن وآخر وفق معطيات شعوب وفلسفات عصور ، بينما ملامح البناء لرصيف سعادة شخصي لذات الفرد متفرق التوجيهات في مصادر الشرع وقواعد التنزيل ، كمثل قول الله تعالى (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) ومن رصيف السعادة ينظر الواقفون بعيون غير التي تتحمل مشاق الحياة ، ويسمعون بآذان غير التي اعتادت سماع ما يؤلمها ، ويشعرون بقلوب غير تلك التي تفطرت من حزن أو أسى (فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) وأرصفة السعادة بيضاء اللون ، محمية بسياج الحب ، مفروشة بنمارق السلام والوداعة ولو تصور الناظرون للسعداء في رصيفهم أنهم في شظف عيش أو مأزق حياة ، فليست السعادة جمع مال من غير إنفاق ، وليست السعادة طول عمر مع سوء عمل ، وليست السعادة جاه مع مرض ، وليست السعادة صحة وعافية في غل وحقد وحسد ، وما وجدنا رصيف السعادة واحد الوصف دون إضافات ، ولا فريد الشيء دون مترادفات ، وغالب رصيف السعادة رملٌ ناعم مغرى ، تتقلب فيه أجساد تحمل قلوبا أواهة منيبة طيبة راضية مؤمنة ، فكم من طريح فراش سعيد بقربه من ربه ، وكم من فقير غاية في السعادة أن لا حق عليه لأحد ، وكم من منقطع سعيد بأن الله لا يضيع أجر المحسنين ، وما رأيت في رصيف السعادة أجمل من قوم هم في عتبات هذه الرصيف نور على نور ، قوم جعلوا الإحسان للناس دم قلوبهم به يعيشون وبه يسعدون ، قوم هم الذين خفضوا جناحهم للمؤمنين وفيهم للناس فائدة وعون ونفع ، فرصيف السعادة ذو مقاعد جمة مخفية إلا لمن استحق فعرف ثم تحقق وتمسك ، فمن ذاق سعادة في شيء اعتاده وانقطع له ، وما أسعد الواثقين بربهم بإيمانهم ، وما أسعد أهل البر بوالديهم بصنيعهم ، وما أسعد الذين يمشون على الأرض هونا ، وما أسعد من استمتع بنعم الله تعالى شاكرا حامدا مؤديا حق ربه وحقوق خلقه ، وما أسعد من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وفي السعادة أرصفة وهمية ، ظنها قوم رصيفا فوجودها وبالا ، سعوا إليها حتى إذا جاءوها وجدوها سرابا ، واللاهثون خلف سعادة مظنونة فيما حرم الله خاسرون ، وخلاصة السعادة رصيف لا مكان فيه لضغائن الأفئدة ، ولا التسخط من القدر ، ولا المتشائمين ، ولا المثبطين الكسالى ، ولا الذين يشركون مع الله أحدا ، ومن السعادة أن تكون أنت سعيد فأكون أنا سعيد ، فاللهم أسعدنا بك في الدنيا والآخرة .

الرصيف الثامن والعشرون: القلم

1439/9/28هـ

بادٍ للجميع هذا الرصيف حين يعلمون بأن الله عز وجل قال (الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم) فالقلم رصيف تحنو له الكلمات وترنو له الجمل والعبارات ، وفيه من راحة الإفضاء والبوح أسرار إفراغ التصورات ، وهو رصيف منه انطلقت ركبان التنوير وقوافل المعارف وتحقيق العلوم والتعليم والتعلم ، فبات رصيف الإنسان وهو يبحث ويلهث عن غذاء العقول ودواعم التطورات ، والقلم من أرصفة الفكر وأرصفة الثقافات وأرصفة قيادة المجتمعات في حِلَق الحفظ والتدوين ، ولولا رصيف القلم تقف عنده مكنونات الأدمغة وجوامع التنزيلات لضاع عن اللاحقين خبر السابقين ، ولتقطعت سلاسل الاعتمادات في تأصيل المرويات أو تراتب الابتكارات والاختراعات ، لكنه القلم استمر رصيفا ، عنده تطمئن الكتابة بالبقاء أمدا طويلا ، فهي فيه ذات أمان ومشاعة اطلاع ، ومع كل ذلك فالقلم الشريف هو الوحيُ والقرآن والمبين (نٓ والقلم وما يسطرون) وكلام ربي صفته ، به خلقت الدنيا ، وهو بعيد عن الحصر الإحصاء (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) وفي رصيف القلم فئة كتبت وندمت (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا) ورصيف القلم من قواعد الفقه (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) وحسب رصيف القلم شرفا أنه يعطي كل ذي طلب طلبه في غير تزاحم ولا عناء حمل ولا ضيق مساحات ، لكن الذي ينفع الناس من نتاج الأقلام يمكث في الأرض وأما الزبد فيذهب جفاء ، ورصيف القلم صورة تعكس الماضي ، ولوحة تصور المستقبل ، ونموذج يوصل الفكرة ، وتسطيرٌ يوضح المقصود ، وأقلام العلماء مادة الاعتماد ، وأقلام المفكرين سحائب الإبداعات ، وأقلام الدعاة زلازل الموعظة ، وفي رصيف القلم كلٌّ من معينه يأخذ ، وكلٌّ حيث بغيته يقع ، وفي عتبات رصيف القلم رموز كتبت فخلد ذكرها بما كتبت ، وملأت الدنيا وشغلت الناس ، والتدوين في عتبة فضلى من رصيف القلم ، أثرى في العالمين ما وعد الله تعالى به أن يفتح أبواب كل شيء ، ورأس سنام رصيف القلم (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) حيث جُعل القلم شاهدا لما لا يحتاج للشهود فهو المطلع الديان ، لكن إجراء رصيف القلم طريق محاسبة عدلُ رب العالمين – وله المثل الأعلى – كما في دنيانا نحصي بالقلم ونكتب لنضبط ونحاسب أو نوثق ، ولعل إعادة النظر في رصيف أقلام العصر الحاضر مطلب الحذاق والمنتبهين ، فكم من فتنة من قلم ظهرت ، وكم من فحش من قلم بدا ، وكم من بوابة شر من قلم فتحت ، فرصيف القلم الإلكتروني أضحى هو منصة الاستراحات ومهوى الأنظار وربما الأفئدة ، مالم يحكم تلك الأقلام وعيٌ رصين فرصيف القلم حينها خرابة السكارى ومقهى الأشرار ، فاللهم اكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة جنة ونجاة وفلاحا .

الرصيف التاسع والعشرون: رمضان

1439/9/29هـ

من هو في رصيف منهمك في متعة وجوده فيه ربما لا يملك قدرة على التعبير عنه حتى يتركه مرغما أو راضيا ، فلهذا جاء كلامي عن رصيف رمضان في آخر يوم فيه لأن موعد الرحيل عن اتكاءة راحة فيه قد حانت ، ورمضان رصيف العبادات ومحطة القبول وخلاصة التكريم الإلهي لمنح عتق من العذاب برحمته التي وسعت كل شيء ، وهو بحق وجدارة واستحقاق رصيف يقدم عليه الأحياء مرة في كل عام يضعون أحمال أوزارهم عند باب من يحب العفو والصفح والستر ، رصيف رمضان احتفال سنوي استثنائي الشعور والتعامل على مستوى الجماعة والفرد ، وهو رصيف تتوقف فيه أنظمة الأكل والشرب حتى يأذن الله بميقاته التي حدد ، ولكونه من الأرصفة الشريفة فقد اختاره ربي (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) وما من بشر دخل رمضان إلا أصابه من بركة رصيفه ولو رحمة الله العامة بمخلوقاته التي تكون في رمضان أظهر ببركة القرآن العظيم ، والمسلمون في رصيف رمضان أميز ما يكونون امتثالا لكل المثل العليا التي يدعو لها القرآن ليكون المسلمون مثالا يحتذى ، وكأن رصيف رمضان تنشيط كل عام من تشريع ربنا ليتذكر المسلم أعطال تصريفه فينصرف للتحسين والتطوير ، وفي رصيف رمضان من متعة التوقف عند محطات الحياة ما استحق أن يهب الله فيه للصائمين باباً هو الريان يدخلون منه ، في رصيف رمضان يأنس الناس بالزحام والتزاحم رغم مشقته ، يتلذذ القوم بالصيام والقيام رغم الجهد ، ينصت الرمضانيون في هذا الرصيف لتشنيف الآذان بقرآن ربهم وكأنه حاديَ عيس كلما استزادت منه أسرعت وجدّت ، رمضان اغفاءة الهوس الدنيوي ، وعطلة النهم المحسوس ، وهو ثورة المشاعر وبركان الأحاسيس وجواهر الفقراء واختبار الأغنياء وكنز الداعين وملتزم المذنبين ، لرمضان بسبب القرآن حلاوة وعليه طلاوة ، أوله مغدق وآخره مثمر ، يعلو ولا يعلى عليه ، من فاز فيه فهم القوم المفلحون ، وفي عتبات رمضان معتكفون تمايزوا وقتا ومدة وصالح عمل ، انقطعوا لعبادة ربهم فنرى وجوها كأنها أقمار السماء ، وسحنات كأنها ألوان الصحابة رضوان الله عليهم ، حزنا نفارق هذا الرصيف رضا بقدر الله رب الشهور والأيام وهو الدهر ، ولا نقول إلا لا حول ولا قوة إلا بالله ، فاللهم أخرجنا من رمضان وقد رضيت عنا أجمعين .

محمد أحمد بابا

المدينة المنورة

Advertisements

العام الثامن .. سلسلة أرصفة وعتبات .. رمضان 1439هـ .. الرصيف التاسع والعشرون

الرصيف التاسع والعشرون: رمضان

1439/9/29هـ

من هو في رصيف منهمك في متعة وجوده فيه ربما لا يملك قدرة على التعبير عنه حتى يتركه مرغما أو راضيا ، فلهذا جاء كلامي عن رصيف رمضان في آخر يوم فيه لأن موعد الرحيل عن اتكاءة راحة فيه قد حانت ، ورمضان رصيف العبادات ومحطة القبول وخلاصة التكريم الإلهي لمنح عتق من العذاب برحمته التي وسعت كل شيء ، وهو بحق وجدارة واستحقاق رصيف يقدم عليه الأحياء مرة في كل عام يضعون أحمال أوزارهم عند باب من يحب العفو والصفح والستر ، رصيف رمضان احتفال سنوي استثنائي الشعور والتعامل على مستوى الجماعة والفرد ، وهو رصيف تتوقف فيه أنظمة الأكل والشرب حتى يأذن الله بميقاته التي حدد ، ولكونه من الأرصفة الشريفة فقد اختاره ربي (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) وما من بشر دخل رمضان إلا أصابه من بركة رصيفه ولو رحمة الله العامة بمخلوقاته التي تكون في رمضان أظهر ببركة القرآن العظيم ، والمسلمون في رصيف رمضان أميز ما يكونون امتثالا لكل المثل العليا التي يدعو لها القرآن ليكون المسلمون مثالا يحتذى ، وكأن رصيف رمضان تنشيط كل عام من تشريع ربنا ليتذكر المسلم أعطال تصريفه فينصرف للتحسين والتطوير ، وفي رصيف رمضان من متعة التوقف عند محطات الحياة ما استحق أن يهب الله فيه للصائمين باباً هو الريان يدخلون منه ، في رصيف رمضان يأنس الناس بالزحام والتزاحم رغم مشقته ، يتلذذ القوم بالصيام والقيام رغم الجهد ، ينصت الرمضانيون في هذا الرصيف لتشنيف الآذان بقرآن ربهم وكأنه حاديَ عيس كلما استزادت منه أسرعت وجدّت ، رمضان اغفاءة الهوس الدنيوي ، وعطلة النهم المحسوس ، وهو ثورة المشاعر وبركان الأحاسيس وجواهر الفقراء واختبار الأغنياء وكنز الداعين وملتزم المذنبين ، لرمضان بسبب القرآن حلاوة وعليه طلاوة ، أوله مغدق وآخره مثمر ، يعلو ولا يعلى عليه ، من فاز فيه فهم القوم المفلحون ، وفي عتبات رمضان معتكفون تمايزوا وقتا ومدة وصالح عمل ، انقطعوا لعبادة ربهم فنرى وجوها كأنها أقمار السماء ، وسحنات كأنها ألوان الصحابة رضوان الله عليهم ، حزنا نفارق هذا الرصيف رضا بقدر الله رب الشهور والأيام وهو الدهر ، ولا نقول إلا لا حول ولا قوة إلا بالله ، فاللهم أخرجنا من رمضان وقد رضيت عنا أجمعين .

العام الثامن .. سلسلة أرصفة وعتبات .. رمضان 1439هـ .. الرصيف الثامن والعشرون

الرصيف الثامن والعشرون: القلم

1439/9/28هـ

بادٍ للجميع هذا الرصيف حين يعلمون بأن الله عز وجل قال (الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم) فالقلم رصيف تحنو له الكلمات وترنو له الجمل والعبارات ، وفيه من راحة الإفضاء والبوح أسرار إفراغ التصورات ، وهو رصيف منه انطلقت ركبان التنوير وقوافل المعارف وتحقيق العلوم والتعليم والتعلم ، فبات رصيف الإنسان وهو يبحث ويلهث عن غذاء العقول ودواعم التطورات ، والقلم من أرصفة الفكر وأرصفة الثقافات وأرصفة قيادة المجتمعات في حِلَق الحفظ والتدوين ، ولولا رصيف القلم تقف عنده مكنونات الأدمغة وجوامع التنزيلات لضاع عن اللاحقين خبر السابقين ، ولتقطعت سلاسل الاعتمادات في تأصيل المرويات أو تراتب الابتكارات والاختراعات ، لكنه القلم استمر رصيفا ، عنده تطمئن الكتابة بالبقاء أمدا طويلا ، فهي فيه ذات أمان ومشاعة اطلاع ، ومع كل ذلك فالقلم الشريف هو الوحيُ والقرآن والمبين (نٓ والقلم وما يسطرون) وكلام ربي صفته ، به خلقت الدنيا ، وهو بعيد عن الحصر الإحصاء (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) وفي رصيف القلم فئة كتبت وندمت (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا) ورصيف القلم من قواعد الفقه (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) وحسب رصيف القلم شرفا أنه يعطي كل ذي طلب طلبه في غير تزاحم ولا عناء حمل ولا ضيق مساحات ، لكن الذي ينفع الناس من نتاج الأقلام يمكث في الأرض وأما الزبد فيذهب جفاء ، ورصيف القلم صورة تعكس الماضي ، ولوحة تصور المستقبل ، ونموذج يوصل الفكرة ، وتسطيرٌ يوضح المقصود ، وأقلام العلماء مادة الاعتماد ، وأقلام المفكرين سحائب الإبداعات ، وأقلام الدعاة زلازل الموعظة ، وفي رصيف القلم كلٌّ من معينه يأخذ ، وكلٌّ حيث بغيته يقع ، وفي عتبات رصيف القلم رموز كتبت فخلد ذكرها بما كتبت ، وملأت الدنيا وشغلت الناس ، والتدوين في عتبة فضلى من رصيف القلم ، أثرى في العالمين ما وعد الله تعالى به أن يفتح أبواب كل شيء ، ورأس سنام رصيف القلم (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) حيث جُعل القلم شاهدا لما لا يحتاج للشهود فهو المطلع الديان ، لكن إجراء رصيف القلم طريق محاسبة عدلُ رب العالمين – وله المثل الأعلى – كما في دنيانا نحصي بالقلم ونكتب لنضبط ونحاسب أو نوثق ، ولعل إعادة النظر في رصيف أقلام العصر الحاضر مطلب الحذاق والمنتبهين ، فكم من فتنة من قلم ظهرت ، وكم من فحش من قلم بدا ، وكم من بوابة شر من قلم فتحت ، فرصيف القلم الإلكتروني أضحى هو منصة الاستراحات ومهوى الأنظار وربما الأفئدة ، مالم يحكم تلك الأقلام وعيٌ رصين فرصيف القلم حينها خرابة السكارى ومقهى الأشرار ، فاللهم اكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة جنة ونجاة وفلاحا .

العام الثامن .. سلسلة أرصفة وعتبات .. رمضان 1439هـ .. الرصيف السابع والعشرون

الرصيف السابع والعشرون: السعادة

1439/9/27هـ

أنا سعيد جملة اسمية ربما تدل على من تسمى بهذا الاسم ، وفي النادر أن تكون جملة تُخبر عن حال إنسان عن نفسه ، ولهذا فرصيف السعادة من أهميات البحث ، والناس تمشي في طرقات هذه الحياة باحثة عنه في كل محطة توقف ، ولعل رصيف السعادة الأخروية هو الثابت حقيقة ووصفا بلا شك ولا ريب (وأما الذين سُعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض) ليتضح الطريق بأن لا بلوغ لذلك الرصيف إلا بعد انقضاء مهلة الحياة والأجل المسمى ، لكن رصيف السعادة في الدنيا يبدو متحرك الإنشاء بين حين وآخر وزمن وآخر وفق معطيات شعوب وفلسفات عصور ، بينما ملامح البناء لرصيف سعادة شخصي لذات الفرد متفرق التوجيهات في مصادر الشرع وقواعد التنزيل ، كمثل قول الله تعالى (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) ومن رصيف السعادة ينظر الواقفون بعيون غير التي تتحمل مشاق الحياة ، ويسمعون بآذان غير التي اعتادت سماع ما يؤلمها ، ويشعرون بقلوب غير تلك التي تفطرت من حزن أو أسى (فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) وأرصفة السعادة بيضاء اللون ، محمية بسياج الحب ، مفروشة بنمارق السلام والوداعة ولو تصور الناظرون للسعداء في رصيفهم أنهم في شظف عيش أو مأزق حياة ، فليست السعادة جمع مال من غير إنفاق ، وليست السعادة طول عمر مع سوء عمل ، وليست السعادة جاه مع مرض ، وليست السعادة صحة وعافية في غل وحقد وحسد ، وما وجدنا رصيف السعادة واحد الوصف دون إضافات ، ولا فريد الشيء دون مترادفات ، وغالب رصيف السعادة رملٌ ناعم مغرى ، تتقلب فيه أجساد تحمل قلوبا أواهة منيبة طيبة راضية مؤمنة ، فكم من طريح فراش سعيد بقربه من ربه ، وكم من فقير غاية في السعادة أن لا حق عليه لأحد ، وكم من منقطع سعيد بأن الله لا يضيع أجر المحسنين ، وما رأيت في رصيف السعادة أجمل من قوم هم في عتبات هذه الرصيف نور على نور ، قوم جعلوا الإحسان للناس دم قلوبهم به يعيشون وبه يسعدون ، قوم هم الذين خفضوا جناحهم للمؤمنين وفيهم للناس فائدة وعون ونفع ، فرصيف السعادة ذو مقاعد جمة مخفية إلا لمن استحق فعرف ثم تحقق وتمسك ، فمن ذاق سعادة في شيء اعتاده وانقطع له ، وما أسعد الواثقين بربهم بإيمانهم ، وما أسعد أهل البر بوالديهم بصنيعهم ، وما أسعد الذين يمشون على الأرض هونا ، وما أسعد من استمتع بنعم الله تعالى شاكرا حامدا مؤديا حق ربه وحقوق خلقه ، وما أسعد من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وفي السعادة أرصفة وهمية ، ظنها قوم رصيفا فوجودها وبالا ، سعوا إليها حتى إذا جاءوها وجدوها سرابا ، واللاهثون خلف سعادة مظنونة فيما حرم الله خاسرون ، وخلاصة السعادة رصيف لا مكان فيه لضغائن الأفئدة ، ولا التسخط من القدر ، ولا المتشائمين ، ولا المثبطين الكسالى ، ولا الذين يشركون مع الله أحدا ، ومن السعادة أن تكون أنت سعيد فأكون أنا سعيد ، فاللهم أسعدنا بك في الدنيا والآخرة .

العام الثامن .. سلسلة أرصفة وعتبات .. رمضان 1439هـ .. الرصيف السادس والعشرون

الرصيف السادس والعشرون: الجنس

1439/9/26هـ

مهما طفقنا نخصف علينا من ورق التغافل نجد رصيف الجنس هذا ماثلا للفكر والاشتراك الآدمي في الحاجيات دونما فرق ، كسنن الله في خلقه التي لا تتبدل ، وهو رصيف ليلي السبر والنظر ، مهلك التشابه والتمييز ، على جنباته دعاة وفي ممراته محفزون ، وتهذيب الغايات من مقاصد الشرع في الممارسات (ولقد كرمنا بني آدم) لكنني قلت: ربما آيتان من كتاب ربي تحيط بهذا الرصيف حماية رفعة واحترام خصوصيات كجدر متينة ما وراءها هو الدمار والانحطاط ، أما الأولى فالله يقول (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم وما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) وهنا لفتة قرآنية جعلت (الحفظ) مهمة الإنسان ومن لم يحفظ ما امتثل ، وذاك واضح الدلالة على أن نسق تَوْقِ الإنسان لغير المسموح هو ديدن يُرَتّب بالتشريع ، وأما الثانية فربنا قال (أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم) وهنا جدار التأصيل ضد الانحراف عملا أو تصورا أو شوق نفس أو مماثلة جنس وتخطي حدود شرع مبني على الفطرة لتشوهات رغبات ، ولما كان رصيف الجنس ذو جداريْ تبيين فهو قائم من قمة أدب الإسلام على الحياء والتورية ، فلا حاجة لفصيح العبارات في التنزيل الرباني وهو تعالى (يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) ومن استدل بقول جرى على الألسنة (لا حياء في الدين) يريد بذلك نزع قيمة فاضلة في ديننا من لطف العبارات واستغلال ثراء العربية في الدلالة على المستور ربما غلط وأخطأ ، فالله قال (فلما تغشاها حملت حملا خفيفا) وقال (هُن لباس لكم وأنتم لباس لهن) وقال (فما استمتعتم به منهن) وقال (نساؤكم حرث لكم) وقال (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) وغير ذلك وافر التأديب من جمال تركيب لا مباشرة فيه لما تكرهه النفوس المستقيمة ، فقد أعطى الله كل شي خلقه فطرةً وأساس بناء ، ثم هدى بشرع وطريقة تعامل تبني في الشخصية المسلمة رقة إنسجام زوجي عظيم ، وما من حائرات وحائرين في رصيف الجنس إلا عوان على تراكم عوَق نفسي واختلال داخلي في تركيب استدراجي للسوء ، ظهرَ ليبدو من الحقوق وما هو منها في شيء ، وقد خلق الله الخلق ليبلوهم في السيطرة على الشهوات المسموح بها عقلا وطبعا ، فما بالك بانحدرات إنسانية فظيعة الانتشار اليوم من مثلية جنسية فعلية ، أو مثلية جنسية نفسية ، أو مثلية جنسية جعلت الاستهزاء والضحك سبيل سخرية حتى وقعت في المحظور ، وحين تستوي في رصيف الجنس عبارات الخصوصية إلى نشر الغسيل وشيوع وحدة بناء الكلام للكل وكسر الحواجز عن الناس جميعا فذلك الرصيف أضحى معتديا على قاعدة (ثلاث عورات لكم) القرآنية ، وعتبة هذا الرصيف العالية قوله تعالى (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) وقوله (قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) ولكن الإفراط انعكاسي التأثير كالتفريط ، وجعل الجنس رصيف توقعات ومثار شكوك وغاية مارين وسائرين والناس أجمعين في تشريع القوانين وبناء النظريات وفلسفة التثقيف جرمٌ عظيم ، انتهك الخصوصيات وأزرى بالجنس البشري نساءه ورجاله ، واعتبر السامعون كثرة توهم ذلك لازمة العرب والمسلمين في مساق خاطئ وممارسة جانبها الصواب ، فاللهم جنبنا الحرام حيث كان .

العام الثامن .. سلسلة أرصفة وعتبات .. رمضان 1439هـ .. الرصيف الخامس والعشرون

الرصيف الخامس والعشرون: الغضب

1439/9/25هـ

من الأرصفة المظلومة الغضب ، ركِبه الناس فشرقوا وغربوا ، حمّلوه أوزارهم وأفعالهم واعتداءاتهم وسوء أخلاقهم ، جعلوا رصيف الغضب مطية كل أحد ، مسحوا بالغضب بلاط الأرصفة ، حتى شرّعوه عذر من لا عذر له ، اجتمعوا في رصيف الغضب كأصحاب نوايا سيئة وخبايا مقيتة كل يدلس حالته بأنه صاحب السعادة والرياسة والمكانة فريد عصره وزمانه (غضبان) وبمجرد الانتهاء من حروف هذه الكلمة بعد مد الألف قبل النون جدا يصبح رصيف الغضب بلاط السلطان ، وما سمعوا قول ربي تعالى (فلما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح) فقد سكت رغم قليل مخالفة ، ولولا اجتماع بعض تهبيط مع كثير ثوَران في قوله تعالى (فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا) لذهب الغضب بالنبوة ، وحاشا لموسى عليه السلام ذلك وقد كلمه ربه ، فرصيف الغضب مأكول مذموم ، مستخدم ومعذور ، وهو رصيف واقع فيه الإنسان الخالص الإنسانية لا محالة ، لكن الغضب كطارئ شخصي مثل الحزن أو الضحك أو الغيظ مؤطر بإطار التسبيب وإطار السيطرة ، إلا ما جعله الشرع مناط أحكام فيما يحدده طبيب نفسي ذَا علم مؤتمن ، وإلا فمن استُغضب ولَم يغضب ففيه علة ، لكن إطفاء الغضب بالحلم ميزة العقلاء ، ورصيف غضب عالم اليوم إنما هو عاصفة هوجاء لا علاقة لها أبدا بالغضب كأصل بشري ذي احتمالات ، فغضب ثم قتل أو عنف أو سبّ وشتم أو انتحار أو مخالفة قانون أو وصاية أو طلاق ونحو ذلك هو حجة الفاسدين ، وسلم المتسلطين ، أو هو علامة المجانين والبلهاء ، (لا تغضب ، لا تغضب ، لا تغضب) وصية سيد الخلق عليه الصلاة والسلام ، وربما ليس تسليطها على أساس انطلاق الغضب فلا تحكم فيه كشعور ، والأنبياء غضبوا ومنهم هو صلى الله عليه وسلم ، لكن مناط الوصية أن لا يمتلكك الغضب ، فهو رخصة الدخول في الضرر والمرض والعنت والوحدة واليأس والإحباط وربما اختلال العقل ، ورصيف الغضب أعتابه زبرجد الحكماء وبيلسان ذوي الأحلام وورود العقلاء ولين جانب الأتقياء ، يجعلون من الغضب احمرار وجه في منكر ثم تعليم وهداية وإرشاد ، وفي عتباته قوم يطفئون بأقولهم الطيبة نار غضب فلا تصيب وتخمد ، ويرجون بذلك وجه الله تعالى ، وتعذّر كثير بالغضب في رصيفه أنهم كانوا غاضبين يستحق قانونا يحمي الغضب من أوهام الفاشلين ، فاللهم اربط على قلوبنا هدوء سعادة حتى نلقاك .

العام الثامن .. سلسلة أرصفة وعتبات .. رمضان 1439هـ .. الرصيف الرابع والعشرون

الرصيف الرابع والعشرون: الوظيفة

1439/9/24هـ

هنا رصيف فيه نصف الخلق ربما ، حين يكون العمل توظيفا يُستأجر الشخص لأدائه مقابل دراهم معدودة أو غير معدودة آخر الشهر ، وهو رصيف الكادحين ومبتغى المتخرجين وتفتيش العاطلين ، مبدأه المحاباة ووسطه النفاق وآخره تقاعد في رصيف ثمن بخس ونسيان ، رصيف الوظيفة مطليّ بالروتين والرتابة في الأغلب الأعم ، ومحفوف بالمكايدة والتماكر والتنافس غير الشريف إلا ما رحم ربي ، وهو رصيف المغلوب على أمره والباحث عن انتظار المال بمضي الأيام والليالي لا بجودة العمل في ديدن عرف هذا الرصيف ، هو رصيف يجمع الرئيس مع العامل ، والكبير مع المهمش ، وهو رصيف اعتبره بعضهم سياج العبودية المعنوية لمن اضطر أن يكون فيه ضيف مسير ، ورغم أن رصيف الوظيفة في الاعتبار الشرعي عقد لازم الوفاء ، محترم الأداء ، مبني على الرضا والاتفاق ، مداره الرفق والوضوح وحسن العمل (إن خير من استأجرت القوي الأمين) إلا أن تقلبات النفوس في حب سيطرة على رصيف عام جعلت الوظيفة بين سندان الشخصنة ومطرقة الأهواء ، ولو حاول قوم جعلها فلسفة تسيير ، ومن رصيف الوظيفة انطلق كسل علماء ، وظهرت كبوة باحثين ، وتأخرت مهارات فنيين ، لأن القوم أخذوا الطبيب ليكون مديرا ، والمهندس ليكون وزيرا ، وطالب العلم ليكون مأمور صادر أو وارد ، وأشد جهة في رصيف الوظيفة اعوجاج قعود وتفكك ثبات أن يكون الحضور والغياب والالتصاق بالكرسي هو غاية جهد القيّمين ، والولاء للرئيس المباشر في الباطل وشبه الحق مقياس المتميزين ، فهنا يكون الرصيف قاعدة (إن تصبكم حسنة تسؤهم) ولكن عتبات الوظيفة منذ أصالة التاريخ أظهرت من عمال الخلفاء من اعتبر ريح طيب بيت المال فساد توظيف ، ومن نهر ابنه (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) ولو استنقذ العالم رصيف الوظيفة من ديمومة الاستئجار وأعطى لكل عمل قيمته لمضت في العالمين ثقافة (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) ولكان رصيف الوظيفة ذَا شعار (أوف لنا الكيل وتصدق علينا إنا نراك من المحسنين) ولكن عموم البلوى جعل رواجح الاختيارات العمل الحر ، فاللهم جنبنا ظلما يصيبنا من أحد أو نظلم عاملا .