وَرَع ذوي الدّخل المحدود

قال لي أبي: كان أحدُ الزّهّاد العبّاد الشّناقطة رحمه الله تعالى عاملاً يقوم بصنع الشاهي والقهوة في فرع لوزارة الإعلام بالسعوديّة قبل أربعين سنة ويزيد،وهو العمل الذي وجده أنذاك رغم حفظه للقرآن ومعرفته الدينيّة،وكانت طبيعة ذلك العمل تقتضي ضيافة الموظفين وضيافة زوّار المكاتب من غيرهم عند الطلب ..

الشيخ رحمه الله تعالى رغم سنّه وضعفه كان مثالاً للنّشاط وأداء العمل المطلوب منه على أكمل وجه،محافظاً على الأدوات المسلّمة له والمؤن التي يستخدمها في هذه المهنة،عطفاً على أنّه كان دائماً أوّل القادمين للوزارة وآخر الخارجين منها عند نهاية الدوام الرسمي ..

ما كانَ يتميّزُ به الشيخ رحمه الله تعالى هوَ أنّه كان يجمع الكؤوس بعدَ انتهاء الشاربين من شربهم للشاهي على الأخص وقبل أن يبدأ في تنظيفها يجمع كلّ بواقي الآنية التي عادةً ما يتركها الناس دونَ أن يُكملوا الكأس،في إناء كبير ويضعها في الثلاجة حتّى تبرد ..

يقوم الشيخ مُرغماً باقتناص أوقات فراغه لشرب ذلك الشاهي المبرّد مرّة تلوَ الأخرى حتى يُنهيه يوميّاً قبل مغادرة مقرّ عمله،والذي دعا الشيخ لهذا العمل ليس حُبّه للشاهي ولا نهمُه ـ معاذ الله ـ إنّما ما وقَرَ في قلبه وتعليمه الشرعي من حُرمة إلقاء الطّعام في النفايات أو امتهان نعم الله وأرزاقه،ولا حلَّ سوى أن يجعل لها بطنه مقرّاً ..

يعلمُ الشيخ بأنّ الشاهي مادّة غذائيّة وبها سكّرٌُ يتوقُ إليه كثيرٌ من فقراء العالم ولا يجدونَه،بل ويتذكّرُ بأنّه كان في بلاده ـ شنقيط ـ قبل هجرته أيام الاستعمار يرى الناس يبذلون الغالي والنفيس من أجل حفنة سُكّر،فعزّ عليه خوفاً من ربّه أن يكونَ مصير هذا الغذاء مجاري المياه ومصارف النفايات،لذلك اعتادَ التضحية بجسمه والاجتهاد في هذا التصرّف ..

مرةً من المرّات شعُرَ الشيخ بآلامٍ بالغة في بطنه من جرّاء شرب الرّجيع من شاهي الضيوف،فقرّرَ أن يجمعَهُ ويعيدَ تسخينَه ويقدّمَه لضيوف آخرين إن أتوا أو طلبوا،وبالفعل قامَ بذلك وقدّمَ هذا الشاهي المُعادُ تدويره لمديرٍ وضيفِه،فَفَطِنَ المدير لهذا الأمر من مذاق الشاهي الجديد المُختلف ..

استدعى المدير الشيخ وسأله وهو الذي لم يكذب ولن يكذب أبداً،فقال الشيخ وهو يعتصرُ من ألَميْن،أحدهما ما يشعر به في بطنه،وثانيهما ما يشعرُ به تجاه عدم إلقاء الناس بالاً لنعمة ربّهم،قال: إنّ الشاهي نعمة وبه سُكّر وحرامٌ عليّ إلقاؤه في الزيالة أو سكبه في مجاري المياه ولقد مرضتُ من شُربِ ما يفضُلُ عنكم ولن أرضَ أن تُحمّلونني ذنوبكم وإساءِتكم الأدبَ مع رزق الله،فإمّا أن تشربوا جميع ما يأتيكم أو ترضوا بأن أُعيدَه لكم مرّات ومرّات ..

انصرَف الشيخ راشداً وفهمَ الجميعُ مقصده وأصبحوا يحذرون إبقاء شيء من الشاهي في الكؤوس الخاصة بهم حرصاً على مشاعر هذا الشيخ الورِع رغم ما يعاني منه من مرض وضعف وفقر ودخْلٍ أقلّ من المحدود ..

فاعلم يا بُني: أنّ الورَعَ قاسمٌ مشتركٌ بين الفقراء والأغنياء ولا يعرفُ حالةً اجتماعية أو اقتصاديّة دونَ أخرى،بل قد تجدُ الفقراء وذوي الدخل المحدود أكثرَ ورعاً من غنيّ ألهتْهُ الأموال عن التمييز بين الحلال والحرام،واعلم كذلك بأنّ الله لا يسلبُ النّعم إلا بالامتهان وعدم الاحترام لها،وكم فقيرٍ يتمنّى قطعة خبز يُلقيها جاهلٌ بعد أن شبِع ..

Advertisements

3 تعليقات

  1. Posted by ahmad on 05/08/2011 at 12:11 م

    وفقك الله ونفع بك – الوالدين هم مصدر الهام لكل منا . أمد فى اعمارهم على طاعة الله وختم لهم بخير لأنهم فعلا مدرسة نتعلم منها احوال السلف وكيف كان الناس على بساطتهم يخافون الله فى كل مشارب حياتهم
    اين نحن والجيل الجدي منهم ؟ ولكن نسأل الله الطف والحفظ

    رد

  2. Posted by عبد الرحمن يوسف on 13/08/2011 at 9:47 م

    صدقت و أفدت

    رد

  3. ما شاء الله ذلك سلف لا يعود
    اللهم اجعلنا خير خلف لهم

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: