سلسلة في الفقه شوارد ونادرات ـ رمضان 1432هـ

مقدّمة

مستعيناً بالله تعالى،ومستغلاً نفحات ربًّ كريم في هذا الشهر العظيم،سأحاول أن أقدّم في كلّ يومٍ من أيامه عند الساعة 6 صباحاً سطوراً معدودة في نادرات الفقه وشوارد الأحكام،لعلّي أحظى وإيّاكم بفائدةٍ غائبة أو معلومة جديدة،ولستُ أزعمُ صوابَ جميع ما أقول بل ولا غالبُه،إنّما أعتقدُ بأنّني بذلتُ الوسعَ في طرحِ قضيّة،ولكم الحكم .. سائلاً ربي أن يوفقني وأن لا أكون ثقيلَ ظلّ على من يقرأ .. فتحمّلوني .. وستحملُ كلّ فقرة يوميّة أحد العنوانين إمّا ((شارِدة)) أو ((نادِرة)) ولعلّ الفرق أن المسألة الشاردة هي التي أعيَتْ الفقهاء في تتبّع أدلّتها لالتقاط ما يدلّ ولو بالمجموع على ما رأوه من حكم لها،وأما المسألة النادرة فهي التي تحمل صفة من اثنتين:إمّا لندرة حدوثها كما هو غالبٌ عند الأحناف،أو لندرة من تحدّث عنها أو بيّنَ فيها .. والله أعلم

المسألة الأولى1/9/1432هـ نادرة

شراء اللبن في الرّضاع

لو أنّ رجلاً تزوّج امرأة مُرضعاً لطفلٍ من زواج سابق ولمّا تُكمل الحولين فقد اشترى ذلك اللبن منذُ دخَلَ بها وحتى تتمّ رضاعة الطفل للسنتين اللتين قرّرهما ربّنا في كتابه العزيز،وصورة ذلك لو أرضعَتْ هذه المرأة طفلاً آخر بعدَ أن دخَلَ بها من اشترى اللبن ـ لا قبلَه ـ كما وضّحتُ،فقدْ أصبَحَ هذا الرجل أباه من الرّضاعة ولو لم يكن اللبن درّ من وطئه بل من وطء غيرِه،زيادةً على أنّه زوج أمّه من الرّضاعة،وتطبيقُ ذلك يظهرُ في ما لو رضعَتْ بنتٌ من امرأة قدْ تزوّجَ هذا الرّجلُ بها سابقاً وله منها أولاد وتمّتْ الرّضاعة مع أحد أولاده أي من لبنٍ له فيه وطءٌ،فتُصبحُ هذه البنتُ الراضعةُ من لبنه أختاً من الرّضاعة للطفل الذي رضعَ من لبنٍ اشتراه  بزواجه من امرأة لا زالت تُرضع طفلاً ولها لبن،ويحرم على الطفل الزواج مستقبلاً من هذه البنت،والتعبير بالشراء مجازيٌّ اختاره فقهاء عصورٍ سابقة لمثلِ هذه الحالة النّادرة .. والله أعلم

المسألة الثانية 2/9/1432هـ شاردة

الحرامُ لا يتعلّقُ بذمّتين

لو سرَق رجلٌ طعاماً وأتى به لضيوفه فأكلوا منه وهم يعلمونَ بأنّه طعامٌ مسروق فالأصلُ أنّه لا شيءَ عليهم والحرامُ متعلّقٌ في هذه الحالة بذمّة السارق وحدَه،ومعلومٌ بأنّ انشغال الذمّة بالمحرّم لا يتعدّاها لغيرها غير المشترك في بداية الفعل المحرّم،وتطبيقُ ذلك ما جاءَ في حكم الصلاة في الأرض المغصوبة،فصلاة الغاصب فيها باطلة وصلاة غيره فيها ولو مع علمه بالغصب صحيحةٌ،وكذلك لو استدانَ رجلٌ من آخر مالاً يعلمُ بأنّه من أرباحٍ ربويّة فالأصل أنّه لا حرجَ عليه وإنما الإثم على من أكلَ الرّبا أوّلاً لأن الحرامَ لا يتعلّق بذمّتين،وليكن معلوماً بأن هذه الشاردة الفقهيّة لا تعني التشجيع والتساهل في الحرام بقدر ما هي تحقيق فقهيّ دقيق،وعليه فقد يحرُمُ على الشخص طعامُ مُرابي وغاصب وسارق إن كانَ في ذلك تشجيع وعوْنٌ على ارتكاب الحرام،ليفهَمَ من أرادَ تأصيل الحكم أنّ محلّ الحرام ليس ذات الفعل وإنما ما ترتّب عليه،كسائر المباحات التي قد تُمنَع لطارئ يفضي لإثم .. والله أعلم

المسألة الثالثة 3/9/1432هـ شاردة

رَفْضُ النيّة في الصّوم

لو بيّتَ الإنسان نيّة الصوم وأصبحَ صائماً ثمّ تردّدَ في نهاره هل يُفطِرُ أم لا لعذرٍ شرعيّ من سفر أو مرض ونحوه فقد أفطرَ وإن لم يأكل ولم يشرب،لأنّ شرطَ الصوم استقرار النيّة واستمرارُها حتى وقتُ الإفطار،ومن تطبيق ذلك ما لو تردّدَ عاصٍ في إفطار أو إمساكٍ من وسوسة شيطان أو هوى فقد أفطرَ كذلك وإن لم يأكل أو يشرب،ولا يتنافى هذا مع معنى الحديث “أنّ الله تعالى لا يحاسبنا على ما نحدّث به أنفسنا ما لم نتكلّم أو نفعل” لأنّ النيّة في الصوم فعلٌ بذاتها وسكونُها في محلّها وهو القلبُ شرطٌ في صحّة الصوم،وهذا هو حكمُ من عزَمَ على أكلٍ أو شرب في نهار الصوم ولم يجد ما يأكله أو يشربه،أو عزَمَ على جماعٍ ولم يجد امرأته أو لم تُمكّنه من نفسها،كذلك من نوى الفطر في السّفر فهو مُفطر وإن لم يباشر طعاماً ولا شراباً،والمتردّدُ رافضٌ للنيّة قدْ أذهبَ جُزءً من نهار الصوم الواجب بلا نيّة ففسدَ صومُه ووَجبَ عليه الإمساكُ والقضاءُ والكفّارة لذلك .. والله أعلم

المسألة الرابعة 4/9/1432هـ نادرة

هَدْمُ الطّلاق

لو طلّقَ رجلٌ زوجتَه طلاقاً رجعيّاً واحدةً أو اثنتين وانقضَتْ عدّتُها ولم يُراجعها وتزوّجَت من رجل آخر ثمّ طلّقها هذا الثاني وانقضت عدّتها وعقدَ عليها الأوّل مرّة أخرى بعقد جديد فإنّه لا يملكُ من عدد الطلقات سوى ما تبقّى لهُ من زواجه بها في المرّة الأولى،وذلك استناداً على أنّه لو عقدَ عليها بعد انتهاء عدتها منه ولم تتزوّج بآخر فإنّها تعود له على ما بقيَ من طلاقها،وبالتالي لا أثَرَ للزّواج من آخر وعودتها له بعده ولمّا تنتهِ طلقاتُها،على عكسِ ما يراهُ الأحناف من (هدْمِ الطّلاق) بالزواج الجديد فهي تعودُ له عندهم على عدد طلقات جديدة،وذلك استناداً إلى أنّ المطلّقة ثلاثاً لو تزوجت بعد مُطلّقها تعود للأول بثلاث طلقات جديدة بفعل الزواج الأخير،والحجّة عندَ الجمهور أنّ الحالة تختلف في المطلّقة ثلاثاً لسببين:الأول أنّ القصد من ذلك الحلّ،والثاني:أنّه ليس بعد الثلاث طلاقٌ .. والله أعلم

المسألة الخامسة 5/9/1432هـ نادرة

الخَمْرُ تحِلّ في حالتين

لو غصّ رجلٌ في أكلِه وانحشرَ الطعامُ في حلقه ولم يجدْ ما يدفعُه به سوى شربةٌ من خمرٍ جازَ لهُ القدرُ الذي يدفعُ الغصّة عرفاً وعادةً وما زادَ عن ذلك فهو حرام،والعبرةُ بالغُصّة التي ينقطِعُ معها النّفَس،لا الغصّة المعتادة التي يدفعها مزيدٌ من البلع والانتظار،وأساس ذلك قوله تعالى (إلا ما اضطُّررتُم إليه) ووجوبُه على أنّ تأخير الدّفع في انتظار ماءٍ أو حلال غير موجود يؤّدي إلى الهلاك وهو محميّ النفس شرعاً،وهذه هي الحالةُ الأولى،أمّا الثانية فهي ما لو تخلَّلتْ الخمرُ بنفسِها،أي تحوّلت إلى خلٍّ فقدْ طُهُرَتْ وحلّتْ،ويجبُ التنبيهُ إلى أنّ تخليلها وتحويلها إلى خلّ عن قصد ونيّة لا يجوز،ولا تحلّ به ولا تطُهر،كما يجبُ التذكيرُ بأنّ الخمرَ لا تحلّ بالعطش ولو أدّى إلى الموتِ على عكس سائلٍ نجس آخر،لأنّها لا تدفع العطش عادةً .. والله أعلم

المسألة السادسة 6/9/1432هـ شاردة

بِسْمِ اللّه الرَّحمنِ الرَّحيمِ

لو صلّى الإنسان دونَ التّلفظ ببسم الله الرحمن الرّحيم قبل الحمد لله ربّ العالمين بطلتْ صلاتُه عندَ من يرى البسملة آية من آيات الفاتحة السّبع قولاً واحداً،وكذلك في أظهر أقوال من يراها واجبةً قبل الفاتحة وليستْ جزءً منها،خلافاً للأحناف فهم لا يرونَها آية من الفاتحة ولا من بدايات السّور،واتّفق الجميع بلا خلاف بأنّها جزءٌ من آية في سورة النّمل “إنّهُ من سُليمانَ وإنّه بِسْمِ اللّه الرَّحمنِ الرَّحيمِ”وعليه فالعُهدَة في الحكم الفقهي في تركِها في الصّلاة على المذهب والاعتقاد،وقد درَجَت طباعة المصحف الشريف بمجمّع خادم الحرمين الشريفين في المدينة منذ زمنٍ على ترجيحِ القول بأنّها جزءٌ من الفاتحة وجعلوها الآية رقم1 كما هو واضحٌ لكلّ من يقرأ في مصاحفنا،فالمالكيّة يتبعونَ الأحناف بأنّها ليست من الفاتحة لكن يشترطونها لصحّة الصلاة،وأمّا الشافعيّة فيرونها آيةٌ من الفاتحة بل ومن كلّ سورة على قول،وأظهر أقوال الحنابلة بأنّها من الفاتحة وبذلك فهي شرط لصحة الصلاة،فلينتبه المصلّي لما يفعل ولا يُعجزُه استفتاح القرآن بما استفتح به ربّ العالمين ورسوله صلى الله عليه وسلم سرّاً أو جهراً .. والله أعلم

المسألة السابعة 7/9/1432هـ شاردة

إخوةٌ يضرّون بأمّهم شرعاً

لو مات ميّتٌ وترَك أخوين وأمّه وأباه ولهُ ميراثٌ فإنّ سدُسَ المال للأم والباقي منه كاملاً للأب لأنّه عصَبَة،ولا شيءَ للإخوة،وبيتُ القصيدِ في هذه الحالة أنّ الأخوين بوجودِهما أنقصا نصيبَ الأم من الثُّلُث إلى السّدُس،لأنّ الأصل أنّ للأمّ الثُّلُث ما لم يكنْ للميّت أولاد وإن نزلوا أو أكثر من واحد من الإخوة،مع أنّهما هنا لا يرثان لوجود الأب،فوجودُهم في المسألة فقط ليضرّا بالأمّ إنقاصاً،وتلك من حدود الله تعالى التي نهى عبادَه عن تعدّيها،قال تعالى”فإن كانَ لهُ إخوةٌ فلأُمّه السّدُس” وقال صاحبُ الرّحبيّة:والثُّلُثُ فرضُ الأمِّ حيثُ لا وَلَدْ ** ولا مِنَ الإخوةِ جَمْعٌ ذو عَدَدْ،ويقول في باب السُّدُس:وَهوَ لَها أيْضاً معَ الاثْنَيْنِ ** مِنْ إِخْوَةِ الْمَيْتِ فَقِسْ هَذَيْنِ،ويقولُ في باب الحجْب:ويُحْجَبُ الإخوَةُ بالبَنينَا ** وبالأَبِ الأَدْنى كَما رُوينَا،فتصحّ المسألة من 6 للأم السّدُس 1 وللأب الباقي 5 ولا شيءَ للإخوة .. والله أعلم

المسألة الثامنة 8/9/1432هـ

نذَرَ لله صَوماً

لو نذرَ شخصٌ أن يصومَ بعضَ يومٍ لزمَهُ صومُ يومٍ كامل من الفجر إلى الغروب لأنّ الصّوم الشرعي لا يتبعّض،ومن نذَرَ صومَ يوم العيد أو أيامَ التشريق لزمَهُ الصومُ في غيرها،ومن نذَرتْ أن تصومَ وهي حائضٌ لم ينعقِدْ نذرُها،لتعلّق الصّفة المانعة بها على عكس صوم أيام العيد فالصّفة متعلّقة بغير النّاذر،ومن نذَرَ صيامَ الدّهر لزمه صيامُ يوم وإفطارُ يومٍ لأنّه مقتضى الحديث،وكذلك من نذَرَ صيامَ داوود،ومن نذَرَ صوماً دونَ تحديدٍ لزمَهُ صيامُ يومٍ لأنّه أقلّ الصوم،ومن نذرَ صيامَ ثلاثة أيامٍ ونحوها معتكفاً لزمَه الاعتكاف في مسجدٍ تُقامُ فيه الجماعة مع الصّوم،ومنَ نذَرَ أن لا يكلّمَ أحداً لزمَهُ الصّمت ما حدّده من مدّة لكافّة المخاطبين لدخولهم في عموم لفظ”أحد”ولا يمنعه ذلك من الإشارة كفعلِ زكريّا عليه السلام،وإذا نذرَ أبكم أن لا يكلّمَ أحداً لزمَهُ الكفّ عمّا يسمّى كلاماً في حقّ المتكلّمين من إشارات ولا يمنعه ذلك من قدر إشاراتٍ ضروريّة كما هي الحال للناذر المتكلّم،والكتابةُ كلامٌ على الأظهر،ومن نذَرَ صيامَ ليلة لزمَه صيامَ يومٍ لأنّه المشروع،وعندَ البعض من نذرَ اعتكافَ يومٍ لزمَه الصوم معه لقولهم بأنّ الاعتكاف لا يصحّ من غير صوم .. والله أعلم

المسألة التاسعة 9/9/1432هـ شاردة

ما عَنْدي صَرْف

لو أتيتَ إلى حانوتٍ وطلبتَ منه خبزاً بقيمة ريالين وسلّمَكَ الخُبزَ وأعطيتَهُ ورقةً من فئة الخمسمائة وأخبرَكَ أنْ ليس لديه صرفٌ لها،وواعدَكَ بعد ساعةٍ تأتيه لتأخذ الباقي، أو استأذنَكَ للذهاب لجارٍ له يصرفَها من لدنه،والخبزُ في حوزَتِكَ،ثمّ عادَ لك بالباقي،أو أتيتَه بعدَ الأجل الذي ضربَ لك ووفى بما وَعدْ،زعَمَ قومٌ أنّ في ذلك ربا وأنّ هذه المعاملة حرام،واحتجّوا بأنّ في هذه الصّفة عقدين،عقد بيعٍ وعقد صرْف،وعقدُ الصّرف من الرّيالات كبيع الذّهب بالذّهب والفضّة بالفضّة،وهذا لا يحلّ إلا في المجلس قبل التفرّق،يداً بيدٍ،هاءً بهاءٍ،حتّى أنّ بعضهم قالوا لو قامَ التّاجر لأخذ الصّرف من صندوقٍ بداخل الحانوتَ لكانَ مرابياً،ولقد وقفْتُ على رجلٍ صالحٍ من أهلنا يبيع الشّاهي الأخضر بالمدينة المنورة حافظٍ للقرآن فقيهٍ في بيعه وشرائه،إنْ عرَضَتْ له حالةٌ مثل هذه،أخذَ منكَ ما باعَه لك وأعاده لمكانِه،وخيّرَكَ بينَ أمرين:إمّا أن تذهبَ وتبحثَ بنفسك عن صرفٍ وتعودَ إن شئتَ لشراء ما تريد،وإمّا أن توكّلَه بلفظ صريح برضا منك ليبحثَ لك عن صرف ويأتيكَ بكامل نقودك،ثمّ إن شئتَ اشتريتَ منه أو من غيرِه،وذلك ورعٌ منه وخوفٌ من أقلّ الحرام وفقه الله،ولكنّ الذي عليه الفتوى اليوم في هذه البلاد،أنّ هذا “ممّا تعمّ به البلوى”والنّاس محتاجونَ إلى ذلك وفي منعه تضييقٌ وحرَج،وليس في الأمر قصدٌ للربا،والرّيالات من جنس واحدة ليستْ صرفاً بالمعنى الدّقيق،حيثُ المحرّمُ مقتصرٌ على تبديل العملات،هكذا قالوا .. والله أعلم

المسألة العاشرة 10/9/1432هـ شاردة

عَطِيَّةُ الآباء للأولاد

لو وهَبَ أحدُهم لإحدى بناتِه عقاراً هبةً حالَ حياتِه ووثّقَ ذلك بكتابةٍ وشهودٍ أو بأحدِها،أو اشترى رجلٌ لأحدِ أبنائه سيّارةً وأعطاها لهُ،والحالُ في الأولى والثانية أنّه لم يفعَلْ ذلك مع بقيّة أبنائه،فالحكم أنّ الهبةَ والعطاءَ صحيحٌ شرعاً وقانوناً لأنّ الإنسانَ يسعُه أن يهبَ كاملَ ماله للغريب فالولد من باب أولى،ولكنْ يجبُ النَظرُ إلى أمورٍ،الأوّل:إن ثبتَ في هذا العطاء مضارّةٌ واضحةٌ لبقيّة الأبناء من دون سببٍ شرعيّ ومسوّغ اجتماعيّ فمقاصد الشريعة تمنع صحّة هذه العقود،ويعودُ المالُ كما كانَ إرثاً مُشاعاً أو حقّاً مؤتمناً لدى الأب،الثاني:أنّ تفضيلَ بعض الأبناء على الآخر بعطاءٍ بما فيه ضررٌ غالبٌ ومظنّة لإفسادِ العلاقات الاجتماعيّة حرامٌ شرعاً بنص الحديث،وإن لم يكن فيه ضررٌ غالبٌ ولكنّه لغير ذي حاجةٍ فهو مكروه،وإن كانَ لذي حاجةٍ ولمقصدٍ نوعيّ في المعْطَى لهُ وبرضا البقيّة فهو مباح،الثالث:أن المراد بالعدْل بين الأولاد في العطاء ليسَ المساواة بل هو العطاءُ في المحلّ المناسب بالقدر المناسب والصّفة المناسبة مع أَمْنِ إفسادِ العلاقات وبثّ الأحقادِ في الصّدور،والإناثُ والذّكور في ذلك سواء،الرابع:أنّ المرادَ بالتّحريم في التفرقة في العطاء “الهبة” وليس النّفقة الواجبة فتلك مقدّرة عرفاً وشرعاً بما يُقيم الحياة ويُصلحُ أحوالَ كلّ مُنفَقٍ عليه بخصوص حاله،فالنّفقة على الصغير ليست كالكبير،وعلى الإناث ليست مثل الذكور،وعلى من يدرس ويتعلّم ليست مثل على من ترَكَ دراستَه وأهملَها،وعلى المريض والمعاق ليست مثل النفقة على الصحيح المعافى،الخامس:أنّ حكمَ عطيّة الأمّ إن كانَ لها مالٌ مثلما قيلَ في الأب،وجاءَ في بعض أقوال السّلف بأنّ العدْل في العطاء يقتضي أنّ للذكر مثل حظّ الأنثيين كما في الميراث قسمةُ ربّ العالمين،ولعلّي أقول ـ والله أعلم ـ بأنّ قسمة ميراثٍ لا مالَ بعدَه ولا زائدَ فوقَه تختلفُ عن عطاءٍ يقدّرُه المربّي الصالح الذي يرجو أنْ يكونَ أبناؤه وبناتُه لهُ في البرّ سواء .. والله أعلم

المسألة الحادية عشرة 11/9/1432هـ

لا حرَجَ في عدَمِ التّرتيب

لو حلَقَ الحاجّ أو قصّر قبل أن يذبح،أو ذبحَ ونحَرَ قبل أن يقصّر ونحوَ ذلك من أعمالِ ذلك اليوم العظيم فلا حرَج،وإن كفّرَ الحالفُ قبلَ أن يحْنَث مع عزْمِه عليه،أو حنثَ ثمّ كفّر فلا حرَج،وإنْ حُلِقَ للمولودُ قبل أن تُذبَحَ عقيقتُه أو ذُبحَتْ ثمّ حُلِقَ له وتُصدّقَ بوزنِ شعره فلا حرَج،وإن صلّى من يريدُ الإحرامَ ركعتين ثمّ أحرِمَ بحجّه أو عُمرته،أو أحرمَ بما يريده ثمّ صلى ركعتي الإحرامَ فلا حرَج،وإنْ أخرَجَ المسلمُ زكاة الفَطرِ قبل العيد بيومٍ أو يومين أو أخّرَها إلى بعدَ صلاة الصّبح يوم العيد وقبل طلوع الشّمس فلا حرَج،وإن تقدّمَ الإيجابُ على القَبول،أو تقدّمَ القبول على الإيجاب في عقدِ النّكاح وفي سائِرِ عقودِ المعاملات فلا حرَج،وإنْ قدَمَ المنفَردُ سعْيَ الحجّ قبل أن يذهب إلى عرفات،أو أَخّرَهُ إلى ما بعدَ الإفاضة من عرفات فلا حرَج،وإنْ كبَّرَ المصلّي تكبيرة الإحرام ثمّ رفعَ يديْه،أو رفَعَ يديْه ثمّ كبّر،أو كبّرَ رافعاً يديْه فلا حرَج،وإنْ مسَحَ المتوضّئ رأسَهُ ثمّ أُذنيه،أو مسحَ أذنيه ثم رأسَه،أو جمعَ المسْحَ في آنٍ فلا حرَج .. والله أعلم

المسألة الثانية عشرة 12/9/1432هـ شاردة

المُراكَنَة

لو خطَبَ رجلٌ امرأةً وأجابَهُ أهلها لطلبه وركنوا له واتّفقوا على أنّهم يرضونَه زوجاً لابنتهم،حرُمَ على غيرِهِ ممّنْ يعلمُ خِطبتَهُ لها أن يخطبَها،ولو فعَلَ أثِمَ،وحرُمَ على أهلِها ووليّها نقضَ اتّفاقهم مع الأوّل وإجابَة الثّاني،وباحَ لهمْ رفضُ الاثنين وإجابةِ ثالثٍ خطَبَها بعدَ رفضهما،ولو عقَدَ الخاطبُ الثاني على المراكَنة فسخَ العقد قبل الدّخول بطلبٍ من الأوّل عند المالكيّة،وبعدَ الدّخول لا فسخَ مع الإثم،وعندَ غيرهم العقد صحيحٌ مع الإثم،وسببُ الخلافِ نصّ الحديث النّهي أن يخطبَ الرّجل على خِطبة أخيه،وهل النّهي يقتضي الفساد أم لا،وقالَ قومٌ النّهي هنا للكراهة والتنزيه وليس للتحريم،والأصلُ عكسُه،وسمّيَتْ المُراكَنة بهذا الاسم من الركون بمعنى الميل والاتفاق وإجابة الطّلب،لذلك يُسمّى الحُلي الذي يُعطى للمرأة لأجل خطبتِها في بعض البلاد “رُكْن”ولكن لو خطَبَ أحدهم امرأة ولمّا يجبُهُ أهلها برفض ولا قبول جازَ لغيره خطبتَها لانتفاءِ ما قلناه،ولو نقَضَ الأهل العهد ورفضوا الخاطبَ بعدَ قبولهم وقبلَ العقدِ فلهُ الرّجوع في كلّ ما أعطاه من حُليّ وهدايا،وعليهم ضمانُ ما فُقِدَ أو تلف .. والله أعلم

المسألةُ الثالثة عشرة 13/9/1432هـ نادرة

صَيْدُ الأوابدِ ذكاةٌ لها

لو ندَّ الجملُ أو النّاقة بل وحتّى البقرُ بأنْ توحّشَتْ وأعيَت صاحبها الإمساكَ بها حلّ اصطيادُها من قبله بسهم أو رمْحٍ بعدَ أن يُسمّي عليه،فإذا أرسلَ عليها سهمَهُ أو رمحه أو ما يُصادُ به غالباً وأنهرَ الدّمَ منها في أيّ مكانٍ من جسدها حلّتْ للآكلين وكانت بمثابة الذبح والنّحر،والأصلُ أنّ هذا الحكم سائرٌ في كلّ بهيمة الأنعامِ وغيرها من الحيوانات الأليفة الطائعة إذا أصابَها هذا الأمر،وكذلك ما لو سقطَ البعيرُ أو البقرة في بئرٍ ونحوه ولم يُمكنُ ذبحها أو نحرها على الوجه المعروف حلّ إصابتُها بما يُنهرُ الدّم منها من أي جزءٍ في جسدها يذهبُ بالحياة غالباً،أمّا في غير هذه الحالة فلا تحلّ بهيمة الأنعام بغير الذّبح أو النّحر .. والله أعلم

المسألة الرابعة عشرة 14/9/1432هـ شاردة

النِّثــَار

لو نَثرَ صاحبُ وليمةٍ أو عُرسٍ الحلوى ونحوِها بين الحاضرين أو لهم جازَ ذلك الفعل إنْ أَمِنَ الازدحامَ واختصامَ الآخذين،وكذلك جازَ نِثارُ الحلوى وما يرغبُ فيه الصّبيانُ ممّا يؤكلُ ما مراعاة عدِمِ امتهانِ الطّعام،ومن أَخذَ من ذلك شيئاً ملكَهُ كثُرَ أو قلّ،وعلى ذلكَ رتّبَ الفقهاءَ جوازَ ترْكِ القدر الكثيرِ من الطّعامِ أو اللّحم أو ما يُطعَمُ به المساكين للقدر اليسير منهم كلٌّ يقتطِعُ منه ما يشاءُ ويأخذُه ويملكُه بذلك الأَخْذ،وقولهم هذا بناءً على فعلِ النّبي صلّى الله عليه وسلّمَ حينَ نحرَ جزوراً وتركَهُ للمسلمين من شاءَ اقتطَعَ ومن شاءَ حمَل،ولعلّنا نستطيعُ القولَ اليوم بأنّ ما كانَ من النّثارِ في الأفراح مع مراعاة ما قلناهُ سابقاً ومراعاة عدم التّفاخر والإسراف حلالٌ لا شيءَ فيه ومن أخذَ منه شيئاً فهو حلالٌ له،وما نُثِرَ للأطفال لإدخال البهجة والسّرور عليهم مع مراعاة ما قلناهُ سابقاً جائزٌ ومشروع،ولكنّ النّثارَ للفقراء والمساكين الكُثر لمنْ يعلمُ ازدحامهم عليه وأخذِ القويّ منهم دونَ الضّعيف وما يؤدّيه ذلك من اختصامٍ وشحناء فهذا لا شكّ في حُرمتِه،والأولى قسمتُه عليهم،وما فعلُه صلى الله عليه وسلّم وفق ما قالَ الشارحونَ إلا علماً منه بأنّه يكفيهم ويزيد مع أمنه الاختصام والعِراك،وفي كلّ هذا الذي سبق لفتةٌ رائعة من هذا الدّين الحقّ أنْ راعى إسعادَ القلوب وجبرِ الخواطر والمحافظةِ على كرامة الإنسانِ في آنٍ واحد .. والله أعلم

المسألة الخامسة عشرة 15/9/1432هـ شاردة

أَدبُ القَاضي

لو ابتُليَ رجلٌ بالقضاءِ كُرِهَ لهُ الاشتغالُ بالبيع والتّجارة إن وجَدَ من بيتِ المالِ ما يكفيه،وكُرِهَ لهُ حضور وليمةٍ عدا وليمةَ عُرسٍ بشروطَها الشرعيّة،وإن حضرَ وليمةً لزِمَه حضورَ كافّة الولائم المماثلة إن أمكنَ أو ترَكَها جميعاً لمنع احتمالِ كسرِ خواطر البعض والإيهامِ بميله للبعض،وكُرِهَ للقاضي الفتوى في مجلسِهِ عن حُكمٍ سُئلَ عنه دونَ قضيّة منعاً لمعرفة النّاس برأيه في الفروع فيحتالونَ عليه،وكُرِهَ للقاضي قبولَ هديّةٍ من أقاربِه وذويه،وحرُمَ عليه قبولَ هديّة من غيرهم ما لمْ يكافئها لهم،فإنْ كافأهم كُرِهَ له ذلك من شخصٍ لم يكنْ يهديه قبل تولّيه القضاء،وكُرِهَ لهُ انشغالُه في مجلسِ قضائه بحديثٍ جانبيّ لا علاقةَ لهُ بالقضايا في حضورِ الخصوم،وكُرِهَ لهُ كلّ حديثٍ يقلّلُ من مهابته وإجلاله،وفي كلّ ما سبقَ أقوالٌ أخرى يصلُ بعضها للحرمة ونحوها،وضابطُ ذلك العرف والعادة والشرع وكلّ أمرٍ يؤثّرُ على سير القضايا والوصول بها للحق وحفظ وصيانة الأحكام فالقاضي مسئولٌ عن تطبيقها سلباً وإيجاباً تمشّياً مع مطلب العدل والإنصاف الذي مقصد الشارع الحكيم .. والله أعلم

المسألةُ السادسةُ عشرة 16/9/143هـ نادرة

صلاةُ المستحَاضة ومن في حُكمها

لو كانَ بالإنسانِ جُرْحٌ لا يرقَ ولا ينقطعُ خروج الدّم منه،أو معهُ رُعافٌ بمعنى خروج الدّمِ من أنفه باستمرار،أو كانت المرأة مُستحاضة بأن زادَ الدّمُ عن غالبِ أيّامِ عادتِها أو نفاسِها،أو خروجُ دمٍ من حاملٍ فوقَ متوسّط الحيض ونحو ذلك،توضّأ الجميعُ لكلّ صلاةٍ مكتوبةٍ وضوءً خاصّاً بها بعدَ غسْلِ المحلّ وبذْلِ الوسع في منعِ خروجِ الدّم،وقيلَ يلزمهم الوضوءُ لكلّ صلاةٍ سواءٌ كانت مكتوبةً أو نافلةً،واعتبارُ الصلاة من نوعٍ واحدٍ،بمعنى صلاةُ الضّحى صلاةٌ وإن كثُرَتْ ركعاتها،وصلاةُ القيامُ واحدةٌ وإن كثُرَتْ ركعاتُها وهكذا،وقيلَ عليهم الوضوء لكلّ وقتٍ وإذا خرَجَ الوقتُ لزمَهم وضوءٌ آخرُ،فمن توضأ منهم للظهّر صلاها وصلّى معها ما شاءَ حتى دخولِ فريضةِ العصر،ومن توضأ للعصرِ صلاها وصلّى معها ما شاءَ حتّى دخولِ وقتِ النّهي عن الصلاةِ لأنّه لا صلاةَ فيه،وهكذا،والذي يحسُنُ معهُ رفق ديننا الحنيفِ بأهل الأعذار أنْ يُقالَ بوجوبِ الوضوءِ على هؤلاء بعد تنظيف المحلّ وبذل الوسع المستطاعِ في منعِ خروج الدّم ويظلّونَ على وضوئهم ما لمْ يُحدثوا كغيرهم من النّاس أو تزيدُ كمّيّة الدّم بعد الكفّ عن المعتاد،ونُدِبَ لهم الوضوءُ لكلّ صلاةٍ تقديراً واحتراماً لمكانتها .. والله أعلم

المسألة السابعة عشرة 17/9/1432هـ نادرة

أحكامٌ متعلّقة باتفاقيّة منعِ الرّق

لو أنّ عبداً مملوكاً وُجِدَ في بلدٍ إسلاميّ أصدَرَ قراراً أو حُكماً مُلزماً للعامّة والخاصّة بمنْعِ الرّقّ فقدْ أصبَحَ حُرّاً معتوقاً بفعْلِ الحاكم،وأصبَحَ ولاؤهُ ـ بالمفهوم الفقهي ـ للدولة المعتقة،لأنّ الولاءَ لمن أعتَق،ويَرْجِعُ أصحابُ العبيد ومالكيهم على الدّولةِ والحاكم بقيمتهم عادةً وعُرفاً،وهي حقٌّ لهم،وإنْ منعتُهم هذا الحقّ تعلّقَ بذمّتها ولزِمها،ولا يضرُّ ذلك العبدَ بحُكمِ الحاكم في ذلك،وإنْ اشترى من لزِمَتْه كفّارةُ عتقٍ أو مُحسِنٌ أحدَ هؤلاءِ بعدَ صدورِ قرارِ الدّولة وأعتقَهُ لم يصحْ البيع وما ترتّبَ عليه،لأنّهُ وما ترتّبَ عليهِ لم يُصادِفْ محلاً صالحاً،وإنْ فعلَتْ الدّولُ مثل فعل الملك فيصل رحمهُ الله عندما أعتقَ العبيدَ وأعطى لكلّ ذي حقًّ حقّهُ فهو الواجبُ المأمور به في السياسةِ الشّرعيّة،وربّما يُقالُ اليومَ عن الذين كانوا عبيداً في الماضي وانطلقوا لحالِ سبيلهم بفعلِ المنعش الدّولي وحظرِ هذا الأمر عالميّاً هل هم في الفقهِ أحرارٌ أم لا؟ بالنّظر إلى أنّ غالبَ الدّول تستهجنُ هذا الأمر ولم تحذو حذوَ الملك فيصل رحمه الله؟ يُقالُ بأنّ الأمرَ مبنيٌّ على خلافٍ في مسألة هل حُكمِ الحاكمِ يزيلُ الأمرَ عن أصلِهِ أم لا؟ فالذين قالوا بالزوال جعلوهم أحراراً،والذين قالوا ببقاء الأصل جعلوهم عبيداً وذريّاتهم؟ والاعتمادُ والله أعلمْ على أنّهم أحرارٌ لما سبَقَ وبيّنتُه في بداية المسألة هذه،وفائدة هذا التعرّض لهذه القضيّة ما يترتّبْ على ذلك من وعيدِ النّبي صلى الله عليه وسلّمَ للعبدِ الآبق من سيّده وكونُه كافرٌ ـ على خلاف في معنى الكفر ـ وكونُه لا تقبلْ صلاتُه،وما يترتّب على ذلك من دخول الأمر في موضوعات الميراث،والنّكاح،والكفاءة،والحدود،وستر العورة،والبيع والشّراء والكفّارات ونحو ذلك كثير،ودينُ الله يُسْر وما تعمُّ به البلوى من اهتماماتِ الشّرعِ الحنيف،لذلك كُلّه قلتُ ما قرأتم .. واللهُ أعلم

المسألة الثامنة عشرة 18/9/1432هـ شاردة

ضوابطٌ في الفقه

لو كانَ الحُكمُ متعلّقٌ بأجناسٍ عدّة يصعُبُ حصرُها أو الإحاطة بها فإن العلماءَ اجتهدوا رحمهم الله تعالى في وضْعِ ضوابطَ لأحكامٍ كثيرةٍ يندرِجُ عليها كلّ أفرادِ المقصود لتكونَ معينَةً للدارسين في فهمِ المراد،ومن ذلك قولُهم”ما أسكَرَ كثيرُهُ فقليلُهُ حرام” مستعينين بهذا النصّ الشرعي ليكونَ هو القاعدة في اندراجِ المسكرات تحتَ هذا الضّابط،كجعلِهم نصّ “إنما الأعمالُ بالنّيات” ضابطاً رئيساً على اختلاف مُراد الحصْر ومعناه،ونصّ “أيُّما إيهابٍ دُبِغَ فقدْ طهُرْ” قاعدةً على اختلاف تطبيقاتها،ومن ذلك أيضاً قولُهم في تحريم الجمْعِ بينَ امرأتين كالأختين ونحوهما قالوا “كُلُّ اثنتين لو تصوّرنا إحداهما ذكراً حرُمَ عليه الزّواجُ بالأخرى فالجمْعُ بينهما حرامٌ” ومن ذلك قولُهم في المعاملات “الغُنمُ بالغُرم” قاصدينَ بأنّ من لهُ حقٌّ في الرّبحِ كان وجوباً أن يكونَ لهُ نصيبٌ في الخسارة لو وقعتْ ونحوَ ذلك من التطبيقات،وكذلك ما قالوه في ضابطِ كثرة حرَكةِ المصلّي التي تُبطلُ الصّلاة حيثُ جاء في ذلك “كُلُّ حركةٍ أو حرَكاتٍ لو رآها غيرُ المصلّي وظنَّ بأنّ المصلّي ليسَ في صلاةٍ عادةً فتلك حركةٌ تُبطلُها” ومنها ضابطُ اليمينِ المنعقدة “هيَ ما انعقدَ عليها القلبُ بالنّية” وفي القتلِ شبه العمد قالوا “تعمّدُ الإصابة بما لا يقتلُ غالباً” وغيرُ ذلك كثير،فجزاهم الله خيراً أن استنبطوا تلك الضوابط لنعرِفَ .. والله أعلم

المسألة التاسعة عشرة 19/9/1432هـ شاردة

ثلاثُ مرّات

لو قيلَ كيفَ يغسِلُ الإنسانُ الأعضاءَ الواجبة في الوضوء ثلاثَ مرّاتٍ استحباباً؟ فالجوابُ أنّ المرّة تُحْسَبُ بإتمامِ غَسْلِ العضو كاملاً بالمقدار من الماءِ الذي يفي عادةً بالغَرضْ حتى إذا انتهى من تلكَ الغَسْلة بدأَ في الأُخرى وهكذا،فإنْ قيلَ بعضُ النّاس يرُيقُ الماءَ على يده أو رجلِهِ مثلاً ويكرَّرُ الدّلْكَ ثلاثَ مرّاتٍ فهل في ذلك امتثالٌ للسنّة؟ فالقولُ حينَها أنّ استخدام صنابير الماء في العصر الحالي تجعلُ من الشاقّ على بعضِ النّاس الكفَّ عن الغسْلِ ثمّ تكرار المرّة تلوَ الأخرى خاصّةً ما في ذلكَ من إسرافٍ بترْكِ الماء للتصريفِ دون استخدام في انتظارِ العودة مرّة أخرى وإن كانَ الزّمنُ يسيراً،لذلك ـ واللهُ أعلم ـ أنّ مقصدَ الشّارع من تكرار الغسل ثلاثَ مرّات هو التأكيدُ عليه فمنْ غسَلَ عضواً من أعضاءِ الوضوء باستخدام الصّنابير غسلةً مستخدماً فيها قدراً من الماءِ يكفي لثلاث غسلاتٍ مع العناية بتغطية الماء كافّة العضو بلا استثناء فقدْ أصابَ السّنّة بذلك ونجا من الإسراف المنهيّ عنهُ في الماء،ولقد قالَ العلماءُ بأنّ الغسلة الأولى خُروجٌ من عهدة التّكليف بها والغسلة الثانيةٌ تأكيدٌ للفعلِ والثالثة كمالُ الفعلِ وما بعدَ ذلك إسرافٌ منهيٌّ عنه،وأُشيرُ هنا إلى أنّ الثلاث مرّات مأمورٌ بها في سائر أعضاء الوضوء ما عدا الرأس والأذنين،وأمّا المضمضة والاستنشاقُ فقد جاءَ التّوجيهُ النّبوي بالمبالغةِ فيهما من غير تحديد للمرّات في الأعمّ ولعلّ من زادَ فيهما على الثّلاث ليسَ بمسرفٍ حينئذٍ،فسبحانَ من شرّعَ وفرّقَ وأحكَمَ .. والله أعلم

المسألة العشرون 20/9/1432هـ شاردة

الحَلْقُ والتَّقْصير

لو حجَّ الإنسانُ أو اعتمَرَ شرَعَ الله لهُ في نهايةِ النّسكِ الأكبر منهما الحَلْقُ أو التّقصير،ولا يشكُّ مسلمٌ بأنّ الحَلْقَ أفضلُ من التّقصيرِ في العموم،ولكونِ النّساء لسْنَ ممّن يُطلبُ منهنّ شرعاً وعادةً الحلقُ دخلْنَ في التّقصير من بابِ الأخذَ من الشَّعْر بقدرٍ يسير،والذي عليهِ مدارُ التّحقيق في هاتين الصّفتين:أنّ الحَلْقَ لا يتأتّى إلا بإزاحةِ الشّعرِ كاملاً حتى لا يبقى لهُ بروزٌ في صفحة الرأس بآلةٍ معدّة للحلقِ أَصلاً “كالموسى” وما شابهها من آلاتٍ كهربائيّة عصريّة،والذي أعلمُهُ أن استخدام ما يسمّى عندَ الحلاقين “بالمكينة” على درجةِ الصّفر ليستْ داخلةٌ في الحًلقِ حيثُ يبقى معها أثرٌ في الرأس من الشّعر لمن مسّهُ،ولكنْ هناكَ نوعٌ آخر من الآلات يأتي بما تأتي به “الموسى” فذلك حَلْقٌ،وليسَ من الحَلْقِ استخدامُ المادّة الكيميائيّة في الإزالة لأنّها لا تسمّى حلقاً لا عادةً ولا عرفاً ولا شرعاً،ولأنّ الأصلع الذي لا شعرَ لهُ البتّة سُنّ لهُ تمريرُ “الموسى” على رأسه امتثالاً ولا يمكنُ ذلك بالمادّة المزيلة،وأمّا التّقصيرُ فهو الأخذُ من طولِ الشَّعْر ليبقى بعض طولِه بعدَه قلّ ذلك الطّولُ أو كثُر بحيثُ يبقى بعده ما يسمّى شعراً ويراهُ النّاظرُ كذلك،والمرأة تجمَعُ شعرها جميعاً وتأخذُ منه أقلّ القليل بما يُسمّى غالباً أخذاً بحيثُ يطالُ الأخذُ جميعَ خصلات الشّعر،ولو كان ضفائر أخذت من نهايةِ كلّ ضفيرة،والمنصف العارفُ يعرفُ بأنّ التّقصير بالمقصّ بحيث يأخذُ الرّجل بعضاً من شعره مفرّقاً ذلك الأخذ على جهات الرأس ليس تقصيراً بما أمرتْ به السّنّة،لأنّ الآية الكريمة نصّت على التّقصير فقالت “مقصّرين” والتقصير كما بيّنتُ الأخذَ من طولِ الشّعر وليس من الشّعر وإلا لكفى بعضُه عن بعض بهذا الفعل،ولَكَانَ القَزَعُ المنهيُّ عنه شرعاً تقصيراً،ولا يقولُ بذلك أحدٌ،والحلقُ أو التّقصيرُ للرّجال بالذّات في المنسكيْن(الحجّ والعمرة) شعيرةٌ من الشّعائر،وتعظيمُ شعائر الله أمر مطلوب وواجب،واقتفاءُ سنّته صلى الله عليه وسلّم غايةُ التّعظيم .. والله أعلم

المسألة الحادية والعشرون 21/9/1432هـ شاردة

المسَاج

لو عُرِضَ ما يُعرَفُ “بالمسَاج” على الفقْهِ لوَجَدَ المستقصي للحقِّ أنّه تدليكُ الجسد باليدِ من شخصٍ لآخر،باستخدامِ موادّ معيّنة أو بعدمِها،عامّاً لكلّ مواضع الجسم،أو مُقتصِراً على جزءٍ منها،والقولُ حينها لا يخلو من حالتين:الأولى/أن يكونَ ذلك مع اختلاف الجنس من ذكر لأنثى أو العكس،وذلك حرامٌ،الثانية/أن يكون مع اتّحادِ الجنس من رجلٍ لرجل أو من امرأة لمثيلتِها،وهذه الحالة يعلمُ من وقَرَ في قلبِهِ أنّ”الإثمَ ما حاكَ في نفسكَ وكرِهْتَ أن يطّلَعَ عليه النّاس”بأنّه حرامٌ،ولعلّي أقول بأنّ استجلابَ اللذّة الجسديّة للإنسان بفِعْلِ آخر من غير رابطةٍ شرعيّة هي”النّكاح”حرامٌ قَطعاً،ولعلّ الغالب والأعمّ من النّاس يعرِفُ بأنّ دواعي الخضوعَ “للمساجِ” رغبةٌ في راحةٍ جسديّة تصلُ لحُدود ما تهواهُ النّفس وتستكينُ لهُ من غيرِ حاجةٍ يقومُ عليها أساسُ الحياة،والغالبُ الأعم كذلك في مثل هذه الممارسات استشرافٌ للرفاهيّة وطلَبٌ للمُتعةِ وإن لم يُصرّحْ بها الممارسون والممارِسات،وفوقَ هذا كلّه ما يشمله هذا العمل من التعدّي على المُحترزات الأخلاقيّة والمروءة والحياء بشكلٍ قاصمٍ للخصوصيّة الجسديّة بين النّاس،وليكُنْ معلوماً لدى الإنسان بأنّ ما قلتُه لا يدخلُ فيه ما قرّرَه النّاصحونَ من أطبّاء العلاج الطّبيعيّ في دائرةِ الضّرورة والحاجة التي تُقدّرُ بقدَرها،ولا يدخلُ فيه كذلك ما هو تحتَ طائلةِ البرّ بالوالدين ومَنْ في حُكمِهما من “تدليك” لأرجلهم وأيديهم وظهورهم،ولا ما هو من بابِ الرّفق بالأولاد والبنات ونحوِ ذلك ممّا لا يشكُّ عاقلٌ أنّه لن يخرَجَ عن أصله،وأمّا ما يكونُ بين الزّوجين فهذا لا علاقةَ لهُ بما نحنُ فيه من تقرير .. والله أعلم

المسألة الثانية والعشرون 22/9/1432هـ شاردة

خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِم

لو حالَ الحَوْلُ على مالِ أحدِهِم وأخرَجَ زكاةَ مالِهِ من نَوْعِ ذلك المالِ الذي يملكُهُ وأعطاهُ لمستحقّيه من أهل الزّكاةِ فقدْ أَدّى حقّ الله عليه وأصابَ السُّنّة بإذن الله تعالى،ولو قوّمَ ذلك المال بالرّيالات وأخرج قيمتها فقدْ أدّى الزّكاةَ ولم يفعل فعلَ النّبيّ صلى الله عليه وسلّم ولا صريحَ ما أمَرَت به الآية الكريمة،حيثُ أنّ الصّورة الأكملَ في الزّكاةِ أنْ تكونَ من ذاتِ المالِ المُزكّى فصاحبُ الغنمِ يدفعُ من غنمِهِ وصاحبُ الزّرْعِ يدفَعُ من زَرْعِه،وبذلك يحصُلُ الاكتفاءُ المنشود في تشريع الزّكاة أن يكونَ من كلّ نوعٍ يستخدمُه الناس ويملكُه الأغنياء صدقة تعودُ على الفقراء فتعتدلَ كفّة الميزان،حيثُ اللهُ تعالى صرّحَ بذلك حينما قال”مِنْ أموالِهم”وإضافَة المال لصاحبه حالَ الأخذِ بيانٌ أنّه منه لأن مِنْ التي للتبعيض لغةً لا تفيدُ غير ذلك،والزّكاةُ بنصّ الآية واجبةٌ فرضاً على شخصين في آنٍ واحد،أوّلهما/الإمامُ(الدّولة)،وثانيهما/صاحبُ المال،حيثُ أنّ الله تعالى أمَرَ الحاكمَ بالأخْذِ،وأمَرَ صاحبَ المال بالدّفع والبذْل والامتثال،وتأخيرُ الأخذِ عن وقتِهِ أو تعطيله يأثمُ فيه الحاكمُ أيُّما إثم،ولا يعفي ذلك صاحبَ المالِ من زكاةِ مالِه،ولو دفعَ زكاةَ مالِهَ في وقتِها بدونِ أخْذِ الحاكِمِ سقطَ الإثمُ عن الحاكمِ بخصوصِه،وحيثُ عُلِمَ ذلك،فإنّ مساءلَةَ النّاس عن الزّكاة التي يدفعونها وتشكيكهم في مصارفها عندَما يأخذها الحاكمُ والجهة المسئولة عن الجباة والأخذ في غيرِ محلّه،لأنّ صاحِبَ المالِ والحالةُ هكذا مأمورٌ بالدّفع فقط،ومصارف الزكوات وعودتها لمستحقّيها مسئولية الجابي والحاكم قطعاً .. واللهُ أعلم

المسألة الثالثة والعشرون 23/9/1432هـ نادرة

الخُنْثى

لو أنّ إنساناً ابتلاهُ الله تعالى بأنْ كانَ “خُنثى” وهو الذي فيه من جنس الأُنثى بعضٌ وفيه من جنس الذّكر بعضٌ آخر لَكانَ حُكمُه في الفقه على ما يلي/أولا:إنّ الخُنثى في اصطلاح الفقه هو من لهُ آلةُ ذكرٍ وآلةُ أُنثى في آنٍ واحد،أو لهُ آلةٌ لا تُشبِهُ آلتيْ الذّكر والأُنثى،إذاً فهم ركّزوا نظرَهم وحكمهم على ما يميّزُ الذّكر عن الأنثى عندَ الولادة وهو”العضو التّناسلي”،ثانياً:أنّ المُتخنّثين والمسترجلات غيرُ داخلين نهائيّاً في هذه الأحكام لعدم انطباق ما وضعَه علماءُ الفقه من معيار،وتلكَ مصيبَةٌ عظمى يجبُ الحذَرُ منها فلا يوجدُ جنسٌ ثالثٌ في خلق الله إلا ما نحنُ بصدده من عيوبٍ خَلْقيّة عالجها الفقه،ثالثاً:أنّه لو أُجريتْ عمليّةٌ جراحيّةٌ لمن هكذا وصفُه فيما سبق من توصيف الخُنثى عندَ الفقهاء واستقرّ حالُه على أحدِ الجِنسينِ أخذَ حُكمَ ذلك الجِنس،وبالتّالي عادَ إليه ما نقصَ من نصيبه في الميراثِ،وغرِمَ ما زادَ من نصيبه وفق حالتِه،رابعاً:للخُنثى وفقَ ما سبقَ تقريرُه حالتان:إمّا أن يكونَ غالبٌ فيه أحدُ الجنسينِ،أو لهُ آلتان إحداهما أظهرُ من الأخرى عملاً ووضوحاً،وفي هذه الحالة يأخذُ حكم ذلك الجنس في كافّة الأحوال ما عدا النّكاح فيتوقَفُ فيه حتى يتبيّن،وإنْ حاضَ الخُنثى فهو أنثى وإن غلَبَتْ عليه صفاتُ الذُكورة،وإن أَمنى فهوَ ذكرٌ وإن غلَبَت عليه صفاتُ الأُنوثة،وإمّا أن يكونَ “خُنثى مُشكِل” وهو الذي لا يعرفُ أذكرٌ هو أم أُنثى وهو مدارُ الحديث والحُكم الخاص،خامساً:هذا الخُنثى المُشكل عورتُه وصلاتُه في حكمِ النّساء لأنّه الأحوط ولا تجوزُ إمامَتُه إلا لمن هم مثلُه،وإنْ قُتِلَ أو جُرِحَ فديَتُه ديةُ رجلٍ لأنّها الأحوط،وفي الميراث لهُ قسمةٌ خاصّة تُعامله بالأحوط من أوفر حظّي الذّكر والأنثى،وفي النّكاحَ لا يصحّ العقدُ له ولا العقدُ عليه،وفي المُجالسة والمسّ عومِلَ كالنّساء الأجنبيّات لأنّه الأحوط،ومحارمه الذين يستوي فيهم ذكرهم وأنثاهم هم محارمُه فقط،وإنْ ماتَ غسّلَ وكُفّن كفنَ امرأة لأنّه الأحوط،وإن وقفَ الإمام الذي يصلي عليه عندَ رأسه أو صدره جاز،ولا تجبُ عليه الجُمعةُ على الأصحّ وإن صلاها صحّت منه كالمرأة لو صلّت الجمعة،ولهُ حقّ الملكيّة والبيع والشراء ولهُ حُرمة الإنسان المسلم في كلّ شيء،ومَنْ قالَ لهُ”يا خُنثى” فقد آذاهُ ووجَبَ تعزيرُه،وتقبَلُ شهادتُه فيما تُقبَلُ فيه شهادة المرأة فقط .. والله أعلم

المسألة الرابعة والعشرون 24/9/1432هـ شاردة

استقْبالُ القِبلَة

لو كانَ الإنسانُ في المسجد الحرام ويرى الكعبة وجبَ عليه استقبالُ عينِها،ولو كان بداخلها لصلاةِ نفلٍ لا يصحُّ له إلا استقبال شاخصٍ منها على الأظهر،وإذا كان فوقَ مستوى الكعبة ويشاهدها استقبل ما يُحاذيها من الفضاء،وإن كان في مكّة يكفيه استقبالُ جهة الحرم،وإن كانَ خارجَ مكّه كفاهُ استقبالُ جهة مكّة،وحِجرُ سيدِنا إسماعيل عليه السلام من الكعبة،وبروزُ الكعبة من الأسفل ذلك البناء المحيطُ به منها أيضاً،ومن المعلوم أنّ استقبالَ القبلة شرطٌ لصحّة الصلاة،وأُبيحَ صلاةُ النّفلِ على الرّاحلة لغير القبلة بشرطِ ابتدائها لها على الأظهر،ويُسنُّ استقبال القبلة في الدّعاء وفي سجود التلاوة وفي التلاوة وفي سجود الشّكر وفي النّوم وفي دفنِ الميّت،ويسنُّ جعلُ بابِ البيتِ للقبلة أيضاً،والذّبح والنّحر جهة القبلة،ويحرُمُ استقبال القبلة ببولٍ أو غائطٍ في الفضاء،ويُكرِهُ ذلك في الأبنية،ويجبُ استدبارُ القبلةِ للخطيبِ في جمعة ونحوها،ويسنُّ استدبارُ القبلة للإمام بعدَ فراغه من الصّلاة،ويسنّ استدبارُ القبلة لمعلّمِ القرآن مستقبلاً من يعلّمهم وهم متّجهونَ للقبلة،ويكرِهُ البَصْقُ والنُّخامةُ جهَةَ القبلة في الصلاة وفي غيرِها،فسبحانَ من جعلَ لنا قبلةً نرضاها بعدَ أن رضيَها هوَ لنا ورضيها رسوله صلى الله عليه وسلّم .. والله أعلم

المسألة الخامسة والعشرون 25/9/1432هـ شاردة

وجْهُ المرأة وكفّاهَا

لو ظَهرَتْ المرأة خارجَ بيتِها مرتديةً ما يستُرُ جسدَها من غير توصيفٍ ولا بهرجَةٍ بحيثُ يغطّى ذلك اللباس كافّةَ أعضائها ما عدا ما يُطلِقُ عليه العُرفُ والعادةُ والشّرعُ وجهاً وكذلك كفّيها وبالتّبعيّة ظاهرَ يديها،والحالُ أنّ ما ظهَرَ من وجْهِها هو ذاتُ خِلْقَتِها التي صوّرها عليها الله من غير أدنى زينَةٍ سواءً كانَ كُحلاً أو أصباغاً على الخدّين أو الشّفتين،وراعَتْ ستْرَ أُذنيها وما يلي الذّقن من بداية الرّقبةِ والنّحْر،وكذلك شعرها بالكامل من منابتِه نهاية الجبهة عندَ حدود ما يُطلَقُ عليه لفظُ الوجهِ،ولم يكُنْ في أصابعِ يديْها حُليٌّ من خواتمَ وأصباغٍ للأظافر،والتزَمَتْ بما خاطَبَها به ربُّها من عدَمِ الخضوعِ بالصّوت ولا الضّرْبِ بالأرجل،فقدْ أطاعَتْ الله وأتَتْ بما هي مأمورةٌ به شرْعاً،وإنْ اختارَتْ المرأةُ أن تُغطّي وجههَا فذلك حقُّها في التقرّب إلى ربّها بالنّوافل والورَع،وإنْ لبسَتْ”البرقع”أو”تلثَّمَتْ”فليسَ ذلك من العمل الشّرْعي في شيء وهوَ أقربُ للحرمة منه للجواز،وكذلك ليسَ من الشّرع في شيءٍ تلك الألوانُ الزاهيةُ والزّخرفةُ الظّاهرةُ لما يوضعُ على الرأس ويغطّى به بدواعي الحجاب،وأمّا أن تتزيَّنَ المرأةُ بأيّ أنواع زينِةٍ كانت تضيفُهُ إلى وجْهِها ثمّ تخرُجُ كاشفةً لهُ مدّعيةً جوازَ كشف الوجْه فتلكَ حُجّةٌ ينقُصُها تمامٌ،فالحُجّةُ صحيحةٌ في جواز كشف الوجْه،ولكنّ التّمامُ النّاقص هو أنّ إبداءَ الزّينة لغير المحارمِ حرامٌ بنصّ الآية التي لا خلاف في ورودها”ولا يُبدِينَ زينتَهنّ”ومن احتجَّ بـ”إلا ما ظهَرَ منها”يجبُ عليهِ أن يفرّقَ بين ما ظهرَ وما أُظْهِرَ،ومن قالَ من العلماء أنّها الثّيابُ فليس الوجْهُ المُزَيّنُ منها،ومن قالَ من العلماء إنها الوجهُ والكفّان،فليس المقصدُ تلك الوجوه التي أُظهِرَتْ بزينة ولم تظهَرْ من تلقاء نفسِها،وكمْ من نسوةٍ في عالمنا الإسلاميّ والعربي التزِمْنَ بإظهار وجوههنّ من غير زينةٍ نهائيّاً وهنَّ محلّ احترامٍ وتقدير وأمانٍ من الرّيبةِ والإيذاءِ،وكمْ من النّسوةِ اخترْنَ تغطية الوجه على صفةٍ تامّة ارتحْنَ لها وهنّ كذلك محلّ تقدير واحترام وأمانٍ،وإنْ أحرَمَتْ المرأةُ بحجّ أو عُمرة لم تُغطّ وجههَا من غير زينةٍ كما وضّحتُ بدايةً،وإنْ صلّتْ ولو في المساجد كذلك،ولكنّها إن رأت من الرّجال من ينظرُ إليها وارتابت وخشيَتْ سُنّ لها التغطيةُ بالقدْرِ الذي تأمَنُ فيه،نسألُ الله أن لا يفتننا الشيطان ويُدْخِلَ الباطلَ في الحقّ لتلتبسَ علينا الأمور .. واللهُ أعلم

المسألة السادسة والعشرون 26/9/1432هـ شاردة عظيمة

المعقودُ عليْهِ

لو عقدَ رجلٌ على امرأةٍ في نكاحٍ شرعيّ بوجود شروطه وتمامِ أركانِه وانتفاءِ موانعِه فما هو الشّيءُ المعقودُ عليه؟ حيثُ لا عَقدَ بدونِ أمْرٍ معقودٍ عليه بينَ طرَفين،وهناك خلافٌ مشهور بينَ أصحاب المذاهب في شريعتنا الإسلاميّة عن مَاهيّة المعقودِ عليه في عَقدِ النّكاح الشرعي،بمعنى أنّ ما تّفقَ عليه طرفا العقدِ ليكونَ هو مجال هذا التّعاقد ماهو؟ فبعضهم جعلَ“المنفعة”بمدلولها العام هي موضوع العقد،وآخرون تحرّوا منطوق النصوص وزعموا بأنّ“الوطْء”هو موضوع التعاقد ويقصدونَ بذلك فعلُ الرّجل،وانحَازَ قسمٌ إلى معنى أكثرُ اتساعاً من الوطء وقالو إنما هو“الاستمتاع”ليجمعوا بينَ غرَضٍ مطلوب من الجنسين الرّجل والمرأة على حدّ سواء،بينما يأتِ اليومَ من يُفتينا بسرعةٍ وجُرأةٍ بأنّ المعقودَ عليه هو “المرأة” بكينونيّتها وذاتها وشحمها ولحمها،ومن أعجَبَهُ بأن تكونَ “الزّوجة” هي موضوع العقد نظرَ إلى أنّ الطرف الأول هو “الوليّ” والطرف الثاني هو“الزوج”ولا معنى لبقيّة الأطراف ولو كانت إنسانيّة سوى أن تكونَ مادّةً للعقد وهي “المرأة” كما يحدثُ في عقود البيع والشراء فهناكَ بائعٌ ومشتري وسلعةٌ وثمن،وهم لا ريبَ لا يقصدونَ ـ البتّة ـ تشبيهَ الزواج بالبيع والشراء ولا يقصدون الإنقاصَ من حقّ المرأة الإنسان ولا التقليل من شأن عقود النكاح الذي قالَ عنه الله عزّ وجلّ بأنّه “مودّة ورحمة” بل هو تقريب المفهوم لمن يفهمُ الفقهَ أصلاً فتلقّفَ الناس التقريبَ والمثالَ على أنّه قالَبٌ للحكمِ وجعلوه نصّاً من حادَ عنه فقد لغَا،وعقد النكاح من العقود المقدّسة التي سمّاها الشارع عقداً من باب التأكيد على الرباط والرابطة والوفاء بالعهد والميثاق لأنّه تعالى قالَ عنه“ميثاقاً غليظاً”وعبّرَ عن الشخصِ ألذي أخذَ هذا الميثاق بأنّه المرأة حيثُ قال“وأَخَذْنَ”ونونُ النسوة جليّةٌ هنا ثمّ قال “منكم” وهمُ الرّجال أو الأزواج،ولا يُتصوّرُ أبداً أن يكونَ ذاتُ الشخص موضوعاً للتعاقد وطرفاً فيه،وربّما اعترضَ فاهمٌ وقال“في استئجارِ العُمال،الأجيرُ طرفٌ في العقد وموضوعٌ له” فأقول إنّ الأجيرَ طرفٌ في العقد أمّا موضوع العقد المعقود عليه هو عملُه ونِتاجه وليس هو بذاته وإلا لأصبحَ استرقاقاً وليس عقدَ عمل،وكرّمَ الإسلامَ الإنسانَ رجلاً كانَ أو امرأةً طفلاً كانَ أو كهلاً وجعلَ الولاية في النكاحِ حفظاً للحقوق التي غالباً ما ينزَعُ الرجال بسبب الذكورة إلى هضمها واستضعاف صاحبتها،ولم يكن يوماً من الأيام الوليّ طرفاً في العقد بمعنى أنّه يملكُ امرأةً يُحلّها لغيره بعقدِ نكاحٍ على هذا الفهم أبداً،بل الفقهُ والشرعُ أعطاهُ ميزةَ مُلكِ عقد إجراء العقدِ وعبّر عن ذلك بقوله“بيدِهِ عُقْدةُ النِّكاح”ومن ثمَّ نهاه عن العَضْلِ والمنع كما وهبَ للقاضي شرعيّة إصدارِ الأحكامِ وفضّ المُنازعات،ولم تَكُن“المنفعة”وإن ارتفعَ مفهومها لأن تستوعبَ كلّ ما يطلبُه الإنسان معقوداً عليه في عقد نكاحٍ شرعي ربّاني،بل المنفعة من توابع التزام أحكام الخالق قطعاً،ولا مجالَ نهائيّاً لأن يكونَ “الوطء” موضوع العقد بهذه النظرة الضيّقة ولو كانَ هوَ نيّةُ الراغب في الزواج وهوَ هدف الراغبة في التزويج،والقرآن الكريم وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وبيانُ الصحابة الأبرار عن حقيقة هذه العلاقة الخاصّة بين الرجال والنساء في إطار النكاح الشرعي صراحةً ووضوحاً جاءَ لإظهار الحقائق وتوضيح الحكم الشرعي الذي لا يحتمل التأخير أو التلبيس أو التدليس وليسَ لأنّ “الاستمتاع” الجسدي هو غايةُ مُنَى الراغبين والمتديّنين والنّاس أجمعين،وفي اعتراض المُخالفين لنا في الدّين وحسْبَ وصفِ الكتاب العزيز قالوا “إنما البيعُ مثلُ الرّبا” ولم يَنْفِ الله تبارك وتعالى هذا الشّبَه بينهما على من أوردهُ كحجّةٍ على ربّه بلْ أجابهم بما يجبُ الانحناءُ له سمعاً وطاعة والاستكانة لهُ تنفيذاً وتركاً وقال “وأحلّ اللهُ البيعَ وحرّمَ الرّبا” فالفارقُ إذاً في ميادين معيّنة بينَ أمرين فيهما صفاتٌ مشتركة من بعضهما البعضُ هو الامتثال الشّرعي فالله يعلمُ من خلَقَ وهو اللطيف الخبير،وفي النّكاحِ كذلك الشارع الحكيم فرّقَ بين علاقةٍ مُحرّمة شرعاً ذات مفاسد رآها الناسُ بأعينهم وبينَ علاقة أشهرها أطرافها بينَ أحبّائهم وأصدقائهم وفرحوا بها ودعوا لها الضّيوف وجهّزوا فيها الولائم بأنّ هذه حلالٌ وتلك حرامٌ،فالمعقودُ عليه إذاً هو “الحِلُّ” بما يدلّ عليه من معاني التسليم بالحاكميّة والحكم لربّ العالمين على الصّفة التي طلبَها منّا دونَ تقليل من شأن طرفٍ ولا انحيازٍ لجنس دون آخر،وعلى هذا فأطراف عقد النكاح هما“الزوج والزوجة”فقط والوليّ شرطٌ كما الوضوء للصلاة،والشاهدان واجبٌ كما واجباتُ الصّوم،والمهرُ كرامةٌ وحقّ أوجبه ربّ الناس لإمائه في الأرض،والإشهارُ من السلوكيّات التي اختارها الله لنا لتنزيه هذه العلاقة عن الشبهات،والوليمة صدقةٌ يُباركُ الخالقُ بها بداية أسرة جديدة في بناءٍ إسلامي مُنير مستنير،وما يجعلُنا نُعيدُ ونكرّرُ على أنفسنا مثل هذه الخلاصات هو الارتقاء بمعانينا ومفاهيمنا لتصلَ إلى المستوى الذي أراده الله لنا بقوله “ولقدْ كرّمنا بني آدمَ” ولسنا بالمُستائين ـ وحاشانا ـ من أحكام فقهنا ولا تفصيلات مُتوننا وكتبنا ومصادرنا الإسلاميّة الأصيلة ولكنّنا هكذا نفهمُ ما تعلّمناه ونفخرُ بما هدانا الله إليه .. والله أعلم

المسألة السابعة والعشرون 27/9/1432هـ شاردة

تَلَقّي الرُّكبَان

لو أتَى من يحمِلُ بضاعَةً لأجلِ بيعها من مدينةٍ أو بلَدٍ آخر لمدينةٍ أو بلدٍ ولمّا يصِلُ لمقصَدِهِ التّجاريّ وهو سوقُ البلدة أو مكانُ بيعِ مثلِ تجارتِه التي يحملُها فحرامٌ على السّماسرة وتُجارِ تلك البلدة أن يسبقوا إليه بعروضهم الشرائيّة وهو بعدُ لمْ يتعرّفْ على سعرِ السّوق والثّمن الذي تستحقّهُ بضاعتُه في ذلك الوقت،وإنْ تلقّوهُ واشتروا منه فالأظهرُ أن ذلك البيع فاسدٌ لنهيِ النّبي صلّى الله عليه وسلّم،والنّهي يقتضي الفساد غالباً خاصّةً في المعاملات،ولو كانَ الشّراءُ بنفس سعر السّوق فالأظهرُ كذلك فسادُ البيع لحصولِ العقد في وقتِ النّهي،ولجريانِ العلّتين أو إحداهما،وهما:الأولى/الغُبنُ لحاملِ البضاعة”البائع”حيثُ الهدف من تلقّيه إقناعُه بأنّ السّعرَ هو هذا ليعودَ المتلقّي ويبيعُها بسعرٍ أكثر،والثّانية/تفويتُ الفرصة على غيره من التّجار الذين لم يذهبوا لتلقّي القادمين من بعيد،حيثُ الأصل تساوي الفرص لمصلحة البائع ليفوزَ بالصّفقة الأحظُّ ثمناً،وعندما نفهَمُ هذا نعرفُ بأنّ من تطبيقاتِ هذا الحكم ما يفعلُهُ أهلُ”حَرَاجِ السيّارات”الذين يُسمّونَ عندنا في السعوديّة”الشّريطيّة” فهم يتلقّونَ أهلَ السيّارات خاصّةً من يمرّونَ بضائقةٍ ماليّة اضطرّتهم لبيع سيّاراتهم وذلك قبلَ أن يصلوا لمقرّ البيع ومكانِ وجود النّاس،ليشتروا منهم تلك السيّارات بثمنٍ بخس غُبناً وغِشّاً،وما يفعلُه كذلك سماسرة الأراضي والعقارات عندما يتلقّونَ أهل”المِنَح”تلك الأراضي التي تمنحها الدّولة لذوي الدّخل المحدود ويشترونها بثمنٍ زهيد غُبناً وغِشّاً،وما يفعلُه أيضاً بعضُ التّجار من شراءِ الصّدقاتِ التي تُعطى للفقراء بأثمانٍ وضيعةٍ استغلالاً لحاجتهم للنقود وجهلِهم بسعر المثل غُبناً وغِشّاً،وقدْ يقولُ قائلٌ هذا هو سعر السّوق،فأقول له إنّ الفساد ظهرَ في البرّ والبحر وهؤلاء القوم الذين امتطوا مخالفة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم في نهيهِ عن تلقّي الرّكبان اتّفقوا على باطلهم وهم أهل السّوق،واتّفاقُ أهل الغشّ والغُبنِ على ظلمهم وباطلهم لا يُحيلُه حقّا،فكلّ بيعٍ على هذه الصّفة وبوجود تلك العلل التي يعقِلُها من فهمَ مُقتضى النّص فاسدٌ .. والله أعلم

المسألة الثامنة والعشرون 28/9/1432هـ شاردة

من فِقْهِ المسْجِد

لو صفَّ الصّبيانُ خلفَ الإمامِ مباشرةً صحّتْ الجماعةُ والصّلاةُ وخولِفَتْ بذلك السُّنّة،حيثُ الأولى أن يكونَ خلفَ الإمام وعن يمينِه الرّجالُ وأولو الأحلامِ والنّهى،والأكثرُ أولويّةً أن يصطفّ الرّجالُ ثمّ الصّبيانُ ثمّ النّساء،ولا يُقامُ الصّبيَ من مكانِه المتقدّم ليأخذَ مكانَه رجلٌ،ولكنّ الأولى حرص الرّجال على التقدّم والإتيانِ للجماعةِ مُبكّراً،وكلّ أبٍ ووليٍّ يأتي للصلاة في المسجدِ مسئولٌ عن صبيانه تأدّباً والتزاماً،وما حصلَ منهم من تشويش وإيذاءٍ للمصلّين فإثمُه عليه،والمقصودُ بالصّبيان هنا هم المميُّزون من الأولاد،وما صغُرَ عن ذلك فأطفالٌ لم يُخاطَبوا بالصّلاة بعدُ،لا من بابِ الأصالة ولا من بابِ الأمر،وإحضارهم للمسجد خاصّةً من كانَ منهم لا يفقهُ الانضباطَ حرامٌ وفيه إثمٌ كبير،ولعلّ قُربَ هؤلاء الأطفال من سنين اللعب واللّهو وكونَهم لا يتنزّهون عن النّجاسة بأنفسهم مكمنُ العلّة الحقيقيّة التي يجبُ الحفاظُ على المساجد بيوتَ الله منها،وأمّا ما يفعلُه بعضُ الآباء فوقَ إيذائهم للمصلّين بأطفالٍ لم يبلغوا السّابعة من العمر في المسجد وإرسالِهم والأبُ جالسٌ لخزانات المصاحفِ يُحضرونَها لهم أو لأنفسهم فهذا وربّ الكعبة أكبرُ امتهانٍ لكتاب الله تعالى الذي لا يمسُّهُ إلا المطهّرون،وكثيرٌ منّا يرى الأطفال يضعون المصحف الشّريف بين فخذي كلّ واحدٍ منهم وهم لعدم الطّهارةِ أقربُ منه لها كما قدّمتُ،وتلك مصيبةٌ أخرى،ورفْعُ الصّوتِ بقراءة القرآن في المسجدِ منهيٌّ عنها وتشويشٌ على القارئين والمصلّين،ورفعُه بكلامٍ آخرٌ منكرٌ وغريب،ومن صلّى ركعتين سُنّةَ الفجر القبليّة واتّكأَ في المسجد على جنبه الأيمن من غير إيذاءٍ لغيره فلا يُنكَرُ عليه فتلك سُنّةُ المصطفى صلى الله عليه وسلّم،وإدخالُ الجنائزِ للمسجدِ والصلاة عليها فيه ليسَ هو الأصل والبُعد عن ذلك أولى،وانتظارُ الإمامِ الرّاتب بما لا تفوتُ به الفريضةُ عن وقتِها واجبٌ،والتقدّمُ عليه حرام،وإن صلّوا صحّتْ صلاتُهم مع إثمِ المتقدَّم،ودخولُ الكفّار للمساجد حرامٌ إلا بسببٍ دينيّ كدعوتهم للإسلام ونحو ذلك،والصلاة في المسجد العتيق أفضل .. واللهُ أعلم

المسألة التاسعة والعشرون 29/9/1432هـ شاردة

وَلَدُ الزّنا

لو زنَتْ امرأةٌ أو زَنى رجلٌ بامرأةٍ اغتصاباً من غير شُبْهَةٍ فحَمِلَتْ من ذلك الفعْل الحرامِ فما في بطْنِها ولَدُ زنا هيَ أمُّهُ ولا أبَ لهُ شرْعاً،وانتسابُهُ للفاعلِ حرامٌ،لأنّ الانتسابَ لا يكونُ إلا بعقْدٍ شرعيٍّ سابقٍ للوطء،فالوَلَدُ حينَها للفراشِ وللعاهرِ الحَجَر،وما شاعَ في بلاد المسلمينَ من إرادَةِ تصحيحِ الغلطِ بالغلطِ مخالفٌ لشرع ربّنا الحكيم،فلا يحلّ للزّاني أن يعقِدَ على من زنا بها بعدَ أن بانَ حملُها ولو بالتّحاليل الطبّيّة،ولو فعَلَ لكانَ العقدُ فاسداً،ولو وضعَتْ بعدَ ذلك العقد فلا أثرَ لهذا الفعلِ في إمكانيّة انتسابِ الوَلَد لهُ،حيْثُ لا يصحّ العقدُ على الحاملِ حتّى تضَعَ حملَها،سواءً كانَ الحمْلُ من غيره فتلك عدّتُها،أو منهُ فذلك استبراءٌ لرِحِمِها،وقدْ يُقالُ ما هوَ ذنبُ الولد؟ والجوابَ أن مقادير الله تعالى وأقداره لا يجوزُ فيها سوى التّسليم والرّضا،فهو القدوسُ لا يُسأَلُ عمّا يفعلُ وهم يُسأَلون،وتلك حكمتُه حتّى لا يستهينَ الناس بأمر خطيرٍ كالزّنا ثمّ يدّعونَ تصحيحَ الأوضاع بزواجٍ باطل،وإذا فُهِمَ هذا فذلكَ الولدُ إنسانٌ لهُ ما للمسلمينَ من حقوق وعليه ما عليهم من واجبات،وحرامٌ على أيّ إنسانٍ أذيّتُه أو نعتُهُ بابنِ الزّنا على سبيلِ المسبّة والإهانَة،ومن فعلَ ذلك وجَبَ تعزيره إنْ كانَ القائلُ يعلمُ علمَ اليقينِ أنّه ابنُ زنا،وإنْ لم يُعلَمْ لهُ أبٌ ففي ذلك السبّ حدُّ القذف،وإنْ أقيمَ الحدُّ على الزاني أو الزّانية ففي شتمهما بعدَ ذلك أو قذفهما به الحدُّ على الأظهر،وإنْ عُلِمَ حملُ الزّانية أو المغتصبَة فإجهاضُها بعدَ نفخِ الرّوح من أعظمِ الكبائر،وقبلَ ذلك ذنبٌ عظيمٌ وفيه إثم،وإنْ تيقّنَتْ الزّانيةُ عدَمَ الحملِ من الفعل وصحّتْ توبَتُها ومن زنا بها وأرادا نكاحاً وجَبَ استبراءُ رحمِها بحيضة واحدة قبلَ العقد،والأظهرُ نِسبةُ ولدُ الزّنا أو الولد الذي نفاه الزوج في لعان زوجته لأمّه،وإن كانَ في ذلك مزيدُ ضررٍ نُسِبَ إلى عبدالله فكلُّ النّاسِ ذكوراً وإناثاً عِبادُ الله .. والله أعلَم

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: