الليالي الحُمْر

من المناسب جدّاً أن يكون الأحمر عيداً للحبّ كما يسمّيه البعض في هذا الوقت بالذّات الذي يطغى فيه هذا اللّون المثير على كلّ الأحداث إقليميّاً وعالميّاً،فلا منازعَ له بين الألوان وهو الذي ينبري من داخلِ أجسادنا ليضرّجَ كافّة ضمائر الشعوب بلا استثناء،وهم الذين يحتفلون هذه الأيام بعيدٍ للحبّ دأبوا على أن يكونَ الأحمر شعاره بلّ وشدّة الحُمرة علامة على صدقه والاحتياج له ..

في الأساطير ذكروا بأنّ القدّيس “فلنتاين” وزملائه قتلوا أثناء الاضطهاد الذي تعرّض له المسيحيّون أنذاك فأضحى تكريمهم لزاماً على الناس بعدَ ذلك بعيدٍ للحبّ زعموا أنّه أدعى لأن لا يقتل الإنسان أخاه الإنسان بل ليعشقه فإن ماتَ ماتَ مغرماً وعاشقاً لا مقتولاً ومعتدى عليه،ونحنُ اليوم نذكّر كلّ المدافعين عن رسوخ ثقافة هذا اليوم في أذهان النّاس عرباً وعجماً بأنّ دمَ الإنسان أكرمُ عندَ الله من كلّ ذكرى قد تكون كاذبة ..

ورغم ما قيلَ بأنّ اللون الأحمر يشير للدفء والعاطفة الجيّاشة ويلفتُ أنظارَ الآخرين ويجعل من السّياسة علامة على الدّفع نحو التّغيير إلا أنّني مضطّر للاعتراف بأنّ اللون الأحمر في مناسبة العيد الأسطوريّ هذه السنة بالذّات منطبقٌ على كثيرٍ من فلسفة الواقع الذي نعيشه سياسيّاً وثقافيّاً واقتصاديّاً ..

والتاريخ قد شهِدَ جيشان أحمران كانا أكثر الجيوش ضراوةً في سحق الشعوب وقتل النّاس مستجيبين لحُمرة الدّماء كأنهم ثيران إسبانيا المسعورة،فالجيش السوفيتي والجيش الياباني قد انتقما بكلّ ما يملكان من تأثير اللون الأحمر عليهم من مناهضيهم ومخالفيهم بشكل لم يشهد له تاريخ العالم قبل ذلك،ولا أنسى الصينيّين ولونهم الأحمر الثائر على التقليد ثمّ (الخمير الحمر) وكموبوديا الحمراء،وغير ذلك كثير ..

هذه اللحظة الحاسمة التي نحنُ فيها في عالمنا العربيّ تجعلنا نربط كلّ مناسبات عالمنا وعالم غيرنا بمأساتنا ومصيبتنا في أنفسنا وبني جلدتنا وإخوان ديننا،فبدا لنا واضحاً أنّ من الحبّ ما قتل،لتسقطَ أنفسٌ معصومة ظلماً وعدواناً،ويطغى لون الدّماء الحمراء على كلّ لونٍ من الممكن أن يكونَ شعاراً للربيع العربي كما يحلو للبعض أن يسمّيه،ومع كلّ هذا الجوّ المتّسم بالحُمرة حولنا إلا أنّ بعضَنا يشعر بحاجة لمصيبة حمراء في عيد الحبّ هذه السّنة ..

لم تتوقّف آلة القتل العمد رغم كلّ الإشارات الحمراء هنا وهناك،ولم يدخل الحبّ قلب أيّة سفّاح وجبّار وتكبّر رغم ألوان الدّماء الزّاكية الحمراء التي تلوّن الخريطة العربيّة ليلَ نهار،ولم يعرف السّاسة بأنّ ثورة النّاس اليوم أشدّ حُمرة من ثوّار الماضي ومنتفضي التاريخ،والغريب بأنّ كلّ هذه الانطباعات التي يعكسها اللون الأحمر على نفوس البشريّة بزعم الفلاسفة لا تنطبق البتّة على فئة الطّغاة والمتغطرسين ..

ما بعدَ الحُمرة إلا السّواد الذي يعقبُه البياض لا محالة،وهذا هو ترتيب نار جهنّم أجارنا الله وإياكم منها كما جاء في الهدي النبوي الشريف،فليحذر الذين لم توقظهم حُمرة هذه الأيام من ليالٍ سود تكون عبرة كما كانَ في الذين خلوا من قبلهم ..

لا نحتاجُ اليوم في عيد الحبّ هذا وفق طقوس من نقلّدهم لقلوب حمراء،ولا رسائل حبّ بالخط الأحمر العريض،ولا دِبَبةٍ فيها من الأحمر الكثير،ولا ليالي حمراء كما يفهمون هم هذا المصطلح،ففي دمائنا من حُمرة الحِنق على من كانَ السّبب ما يجعلُ من البيت الأبيض قصَراً أحمرَ الملامح،ومن الأسد حماراً كآخر خلفاء بني أميّة،ولعلّكم تفهمون ..

Advertisements

3 تعليقات

  1. Posted by maha on 15/02/2012 at 2:31 م

    صدقت والله مقالة رائعة جزاك الله بها كل الخير , واجزل لك العطاء .

    رد

  2. ماشاءالله تبارك الله جمييييل جداا..الله يعطيك العافية اخ محمد….

    رد

  3. Posted by جرح انثي on 08/09/2012 at 4:22 ص

    وهذا مايظنه الجميع الذين وللااسف يعبرون عن الحب بالاالون ولايعلمون ان الحب لا يعبر بلون او كلمه فما هو الا عمل فقط تعمل لمن تحب لكي تقدم ماتعمل له وتبحث عن ماتقدمه ان يكون اصدق واسمي معاني الحب فليس كل من صبغ بالاحمر محب فعلا يوجد من صبع بكل الوان الطيف ايضا محب وعاشق يتمرجح بين الحب والصدق والتضحيه وغيرها من انبل الصفات فالحب تعامل وليس اقوال والوان

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: