القذّافي وسيّارات الأُجرة

من الجُمَل المشهورة التي تُنسبُ للقذافي وتثير دوماً سُخرية النّاس يتداولونها بينهم للترويح عن النّفس من خلال تخريفات هذا القائد الغريب،أنّه قال يوماً “تظاهروا كما تشاءون ولكن لا تخرجوا إلى الشوارع والميادين” وقال أيضاً “في مذّكراته بأنّه اكتشف أنّ السبب الرئيسي للطّلاق هو الزّواج” وعندما سُئِلَ هل يخشى انتقال الثورة التونسيّة أو المصريّة إلى ليبيا قال “ما الذي يدعو التونسيين والمصريّين أن يتظاهروا في ليبيا” فيا لهُ من رجلٍ وضَعَ نظاماً واضحاً للتخريف في النّظام ..

أوردت صحيفة “سبق” الإلكترونيّة التي تصدر من السعودية في عددها الصادر اليوم 19/7/2012م خبراً مفادُه “منعت اللائحة الجديدة التي أعدتها وزارة النقل لممارسة نشاط سيارات الأجرة،تجول السائقين في الشوارع للبحث عن ركاب،مشيرة إلى أن غرامة ذلك تصل إلى 5000 ريال في المرة الأولى” والغريب في الأمر أنّه رغم وجود تبريرات في الخبر لهذا التنظيم العجيب،لم تتصدّر مفردات ذلك التبرير سوى الرّغبة في تخفيف الازدحام ..

براعة القذافي في الإتيان بالشّيء ونقيضِه ليَحصُرَ شعبَه ـ الذي كان يخشى بطشَه ـ في مربّع الرضا بالأمر الواقع وعدم الإقدام على أيّ شيء مهما كان لأنّ القذافي يسمحُ بالشّيء لكنّه يحرّمُ السبيلَ إليه،ويمنعُ الشيء لكنّه يوجبُ العملَ على الوصول إليه،وهكذا هو التنظيم “التّخريفي” الذي يصدُقُ عليه قولُ الله تعالى “فاسْتَخَفَّ قومَهُ فأطاعوه” وهم يعلمونَ بأنّ طاعةَ مثل هذه التنظيمات ضربٌ من غباءِ السّامعين ..

قالوا قديماً “إذا كان المتكلّمُ مجنوناً فيجبُ أن يكونَ السّامعُ عاقلاً على الأقل” لكنّ من درَسَ هذا التنظيم في وزارة النّقل يبدو أنّه معجبٌ بتخريفات قائدٍ ثورة الفاتح من سبتمبر،ويبدو أنّه وضعَ خارطة المدن على مكتبِه واستطاع بذكاء فطنته الهندسيّة أن يقيس مقدار الازدحام الذي تواجهه شوارع المدن الكبرى بسبب سيّارات الأجرة،فخرَجَ لنا بهذا التنظيم العجيب أن تقبع سيّارات الأجرة في “الكراجات” في انتظار الزبائن ..

في هذه الحالة يجبُ عليكم أيّها المحتاجين لركوب سيّارات الأجرة أن تركبوا سيّارات أجرة للذهاب إلى مقرّ سيّارات الأجرة،وحينَ تسألوا كيف سنجدُ سيّارات الأجرة التي سوف تنقُلنا لموقف سيّارات الأجرة؟ سيجيبكم هذا التّنظيم بأنّ عليكم أن تستخدموا “الجنّ” لهذه الغرض فهو حافزُ “لإنعاش سوق الشّعوذة والسّحر” ..

من يحتاج لسيّارة أجرة بعدَ هذا التنظيم يجبُ أن يملكَ وسيلة اتّصالٍ هاتفي،ويكونُ لهُ عنوانٌ واضح المعالم برقم واسم لشارع،كما أنّه من اللازمِ عليه أن يكونَ هاتفه المحمول يحملُ رصيداً كافياً لإجراء الاتّصال،أو يكون هاتفه الثّابت مسدّد الفاتورة وليس للاستقبال فقط،ويجبُ عليه كذلك أن يُجري معادلةً حسابيّة سريعة للزّمن ليعرف الوقت المتوقّع لوصول السيّارة المطلوبة إليه إضافة إلى الوقت اللازم لكي يصلَ إلى بُغيتِه ولو كانت مستشفى الولادة مع زوجته التي تصرخُ ألماً ..

أمّا من يملك ساقين خفيفتين قادرتين على العدو فهذا محظوظ في ظلّ تخاريف هذا النّظام،فهو حُرٌّ بين خيارين،إمّا أن يعدو لبُغيَتِه دونَ حاجةٍ لسيّارات الأجرة التي لا يُسمَحُ لها بالتّجوّل في الشّوارع،أو يعدو إلى مقرّ تلك السيّارات لعلّه يفوز بسائقٍ يطيرُ به إلى حفلة زواجٍ تأخّرَ عليها ..

لكنّ الذي يُقلق هو خشيتُنا بأن تمنعَ وزارة النّقل النّاس أن يسيروا على أقدامهم أثناء فترة عمل سيّارات الأجرة لأنّ ذلك يضرّ بسوق أجرة السيّارات،فيضطّر النّاس للمرور في الأزقّة الضيّقة “زنقة زنقة دار دار بيت بيت” خوفاً من الرّصد الآلي لهم وهم يخالفون نظامّ التّخريف المتوقّع ..

لماذا نضعُ من الأنظمة ما يزرعُ في نفوس المستفيدين ضغينة تجاه كلّ شيء،واضع النّظام،ووزارة النّقل، وسيّارات الأجرة،والشوارع،والزّمن الذي حدا بالنّاس أن تستعطِفَ السّائقين لكي يُسرعوا إليهم عبر أثير الهواتف الجوّالة والثّابتة؟ لماذا نضعُ من الأنظمة ما يفرّغُ الأمور والأشياء من مضمونها،ويُشعرُ السّامع والمستفيد بالمستحيل،كمن ألقاهُ في اليمّ مكتوفاً ثمّ قالَ له حذارِ أن تبتلّ بالماءِ؟

إنّ الثقافة “القذّافيّة” في سنّ الأنظمة والقوانين مصيبةٌ عظمى لها عدوى غير مشاهدة بالعينِ المجرّدة تستشري في كثيرٍ من الذين أوكلَ إليهم أمر الدّراسة والخروج باقتراحات وحلول،ولسانُ حالهم مثلَ قصّة نزيلٍ في السّجن العام يذكُرُ بأنّ القائمين على السّجن يسمحون لهم بدخول أكواب البلاستيك المخصّصة للشاي وكذلك أكياس شاي “الليبتون” وحبيبات السّكر،لكنّهم يمنعونهم بصرامة وبتاتاً ونهائيّاً من غليِ الماء بأي شكل،ولا يوفّرون لهم ماءً مغليّاً جاهزاً من لدنهم،فماذا يصنعون إذن؟ على أساس أنّهم مثلاً سيلتقطون صورةً جماعيّة مع الأكواب والأكياس والسّكر ..

أحدُهم يقودُ سيّارتُه في طريقه للمسجد الحرام بمكّة المكرّمة،وقبلَ وصوله إلى المنطقة المركزيّة أوقفَه رجال المرور،وقال لهُ واحدٌ منهم “ممنوع” فسأله الرّجل سؤالاً ذكيّاً لم يتعوّد عليه رجل المرور،قال له “أنتَ قريش؟” استغربَ جندي المرور وقال له “ومن قريش” أقول “ممنوع” كرّرَ عليه أخونا هذا “أنتَ قريش؟” قال يا أخي وما حكاية قريش؟ قال له أنا لا أعرفُ أحداً يستطيع منع النّاس عن الحرم إلا قريشاً،فإذا كنتَ قريشاً سأرجع،قال الجندي “الله يهديك” تفضّل واذهب للحرم ..

هل جميعنا يملك من الوقت والجهد والفُسحة الذّهنية والعاطفية والمزاج العالي ليجهّزَ نفسه في مواجهة “تخاريف القوانين” بمثل ما واجه به صاحبُ قريش هذا؟ بالطّبع لا،فالحياة أسرعُ من أن ننتظرَ علاجَ عقولٍ نخَرَ فيها “القذّافي” ثقافتَه،فباتتْ ترى التجوّل داءً يصيبُ الاقتصاد والنّاس بآفات هو سيّدُ علاجها،فالباعة المتجوّلون ممنوعون،والسيّارات المتجوّلة ممنوعة،بقيَ أن يكونَ الهواءُ المتجوّلُ ممنوعاً ..

Advertisements

One response to this post.

  1. Posted by مختار يوسف on 19/07/2012 at 10:21 م

    بقي ان يكون الهواء المتجول ممنوعا ( الحمد لله ان الهواء لله وحده وإلا لأحتكر كما الطعام والشراب)
    مقال رائع يا ابا عبد الله ، شكرا لك

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: