سلسلة فِتَنٌ ومُنْجِيات ـ رمضان 1433هـ

مقدّمة

مثلما أعانني الله تعالى في شهر رمضان للعام الماضي 1432هـ لاستكمال (29) حلقة من سلسلة بعنوان (في الفقهِ شَواردُ ونَادِرات) .. فقد شجّعني ذلك مستعيناً بالله تعالى،ومستغلاً نفحات ربًّ كريم في شهر رمضان العظيم لهذا العام 1433هـ،الذي أسأل الله أن يبلّغني وإياكم إيّاه،أن أشرع في سلسلة جديدة بعنوان (فِتنٌ ومُنْجِيات) وأحاول أن أقدّم في كلّ يومٍ من أيامه عند الساعة 6 صباحاً سطوراً معدودة في (فتنة ومُنجية) من عموم المشكلات والفتن والطوامّ التي عشناها طيلة عامٍ مضى في عالمنا الإسلامي،وسأكون بإذن الله حريصاً حسب جهدي المتواضع وقليل من تعليم مكتسب على الاعتماد على مقصدٍ شرعي ودليل أصليّ كي تكونَ (الفتنَة) واضحة المعالم للقارئ،ولتكون (المُنجية) راسخة في الدّين له،متأسّياً في ذلك بكتاب نفيس ذائع الصّيت هو (العواصم من القواصم) لابن العربي رحمه الله تعالى،سائلاً ربي أن يعينَ،ومبتهلاً لهُ أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه،وأن يقينا وإياكم الشر،مع شديد سعادتي لمتابعتكم وقراءتكم ونقدكم ومشاركتكم .. والله أعلم

المسألة الأولى1433/9/1هـ

الشُّرطَة الدّينيّة

(فُتِنَ) النّاس في السّعودية وغيرها من البلدان ممّن يسمع بأخبارها بما يُشاع ويُذاعُ من انتقادات واستنكارٍ لجهاز الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر باعتباره (شرطة دينيّة) كما يحلو للبعض تسميتَه،وهم في ذلك معتمدين على ممارسات لأعيان وأشخاص منتسبين للعمل الحكوميّ في هذه المصلحة من غير احتسابٍ ـ فيما يظهر ـ وحيثُ إنّ التفصيل في هذا المجال سبَرَ أغواره من هم في العلمِ أسمى وفي الفكر الشّرعي والإنسانيّ أعلى،حسبي أن أقول: إنّ فتنة نظرة النّاس لهيئة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر منزلقٌ خطير أطاح بأفواه الكارهين لله ورسوله أن ينالوا من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر كقاعدة شرعيّة حارسة للدين والمؤمنين،فأودَتْ بهم تلك الفتنة لشرَكِ الاستهزاء بالله وآياته ورسوله وبالمؤمنين،فأبعدَهم الشيطان عن الحقّ لما فرّغوا له أنفسَهم من التقاطِ مساوئ المخطئين أصحاب الخطأ الإنساني الذين يستحقّون على سوء تصرّفهم ومخالفة حالهم عقوبة أيّ آخرين أخطأوا في غير ما رسّمَ لهم الدّين من مسار،ومحطُّ أثرِ هذه الفتنة أنْ يكونَ المجتمعُ مشمولاً باللّعن والعياذ بالله ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ، كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ ..

(يُنجي) النّاس من هذه الفتنة أن يكونَ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر كالصلاة والزكاة والصيام والحجّ وجوباً وتأدية،وأن يتفرّغ النّاظرين والمفكّرين لتأصيل مبدأ التّفرقة بين ممارسات الآمرين والنّاهين وما عليه الحقّ في قواعد الأمر وأساسيّات النّهي،كمن يعلمُ علم اليقين الفرق بين أخطاء المصلّين في صلاتهم والصلاة كأمر ربّاني وضّحه صلى الله عليه وسلّم وأمر أن نصلّي كما رآه من صحبَه يصلّي،وأنْ ترقى الفُهوم والقلوب للتمسّك باعتبار الدّين الإسلامي رأس الضروريّات لا ينُالُ من أركانِ تشريعاته ولو خالفَ من ادّعاه في التّعاطي معه،فإنّ الانتقامَ من الضّرر بهدم قواعد العدل ظُلمٌ كبير،وعلى القائمين على أمر الرعيّة السّعي لتقريب المفاهيم حولَ أمر بالمعروف ونهيٍ عن المنكر بعيداً عن ممارسة اختصاصات الضّبط والتّحقيق،وهم قادرون وراغبون .. والله أعلم

المسألة الثانية 1433/9/2هـ

الدّيموقراطيّة

(فُتِنَ) النّاس في عموم عالمنا العربيّ الإسلاميّ بنظريّة (الدّيموقراطيّة) ورأوا فيها كثيراً ممّا يحلم به الإنسان الذي يعيش في البقعة العربيّة بالذّات،وأَكْثَرَ كثيرٌ منهم الإعجابَ بهذه النظريّة على أساس أنّها مبدأ للعدل الذي حُرِموا منه ردحاً من الزّمن،واتّجهت تلك الفتنة بفريق منهم نحو وجهةٍ ناقمةٍ على الدّين ساخِطةٍ على ماضٍ كانت فيه مقتنعةً بتعاليمٍ رسَخَتْ في أذهانها ظنّتْها من الإرشاد الإسلامي والتأطير الدّينيّ،بينما اتّجهت تلك الفتنة بفريق آخر وجهةً تُحاوِلُ خلْقَ المعاذير لفلسفة (الديموقراطيّة) مُسقِطةً النّصوص القرآنية والأحاديث النبويّة فيما يخدُم هذه القناعة بأنّ (الدّيموقراطيّة) من الدّين،وظلّ فريقٌ ثالثٌ حبيسَ هذه الفتنة أيضاً بشكلٍ آخر،حيثُ قبَعَ في مسارِ الذّمّ والمحاربة لمجرّد ذِكر (الدّيموقراطيّة) على الألسنة وأَفْهَم النّاس بأنّ مؤامرةً تُحاكُ للمسلمين إنْ هم اقتنعوا بأيّ نظريّة يقدّمها غير المسلمين أنموذَجَ حياة،ولو وافقَ بعضُها حقّاً أو صادَفَ احتياجاً ..

(يُنْجي) النّاس من مهالك هذه الفتنة أن يعلموا بأنّ الله لم يفرّط في الكتاب من شيءٍ،علمَهُ من علمَهُ وجهِلهُ من جهلَه،وأنّ الرسول صلى الله عليه وسلّم لم يُبعَثْ لاحتكار عقول المسلمين والنّاس في اتّجاه التّخلّف عن الرّكب ـ معاذ الله ـ وأنّ الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ومن تبِعَهم بإحسان كانوا حريصين مجتهدين في تقديم الأفضل لأمّة استأمنهم النّبي صلّى الله عليه وسلّمَ عليها،ثمّ ليعلمَ النّاسُ أيضاً بأنّ التّعاطي مع كافّة العقول المسلمة وغير المسلمة من البشريّة فيما يخدم مصلحةً متحقّقة النّتائج للإسلام والمسلمين مدعوٌّ إليه في الدّين لمن كانَ ذا دقّة في فَرْزِ الحقّ عن الباطل وبارعاً في الاستفادة من التّجربة بحياديّة تمنع اختلاط الثقافة النّفسية الكارهة لله ولرسوله بتطبيقات أمّة أمرَها ربّها أن تعتصمَ بحبل الله جميعاً ولا تتفرّق،ولا يعفي النّاس من لائمة الإثم ومسبّة الخروج عن مسارِ الحقّ أنّهم في حالةٍ يتعلّقون بأيّ منادٍ يدعوهم للنّجاة من نيّر الظّلم ووطأة الاستعباد،(فالدّيموقراطيّة) بمفهومها الواسع القادم من أهلها الذين سمّوها بهذا الاسم تحتاجُ لعلماءَ ربّانيّين وخدَمٍ صالحين ومفكّرين أتقياء يستخلصون من نماذج النّجاحات ما يتوافق مع أنوار الشّريعة التي لو تمكّن من قلب كلّ مؤمن نورُها لرَشَدَ حُكّامُنا جميعاً،واتّقى اللهُ علماؤنا كافّة،وحمِدَت الله شعوبنا بأسرها .. والله أعلم

المسألة الثالثة 1433/9/3هـ

شَبكات التّواصل الاجتماعي

(فُتِنَ) النّاس في ثقافتهم وأخلاقهم وقناعاتهم وفكرهم وربّما في دينهم نتيجة استخدامهم وولوجهم فجأة إلى هذا الفَتْح العظيم الذي اصطُلِحَ على تسميته (شَبكات التّواصل الاجتماعي)،فأصبح Ficebook و Twitter وغيرهما من المواقع فيصلاً بين الحقّ والباطل في عموم عقول المتلقّين،وبينما حذّرَ كثيرٌ من مشاهير الأوصياء على خلق الله من هذه الشّبكات إبّانَ ظهورها،أسرَفَ كثيرٌ من هؤلاء أيضاً في الآونة الأخيرة في اعتبارها ضرورةً من ضروريّات الدّعوة والتثقيف وتوجيه العامّة لرأي الخاصّة،وبرزَتْ الفتنة الثّقيلة حينَ أصبحت هذه الشبكات سبيلاً إلى الإعجاب بالنّفس وادّعاء ما ليس فيها من علمٍ أو درايةٍ بل وحتّى مهنةٍ وحرفيّات،ولا ينكرُ أحدٌ يعرفُ هذه الشّبكات ونسختها العربيّة بالذّات أنّ ما تُتيحُه لنسبة عالية من مستخدميها على صعيدِ العبَث والمعصية والإضرار بالذّوق العام والآخرين لا يعدّ ولا يُحصى،بل وما أتاحتْه من بيئة خصبة لبعض شواذّ الرأي في الدّين والحنق على عموم خلق الله أجمعين كثيرٌ ومتزايد،وأعظمُ من فُتِنَ بهذه الشّبكات ـ رغم توقّعنا بأنّه لوَزْنِ الأمور بميزان التّوجيه السليم أقرب منه للانحراف عن الجادّة ـ هم بعضُ من كنّا نأخذُ منهم أحكام ديننا بثقةٍ عمياء،ومن كُنّا نظنّهم في الفكر المعرفة أهل المنهجيّة والحياد،ومن كنّا نعتقد بأنّهم في السياسة رُبّان السفينة الأوفياء،ففَتَنَت أضواء الشّهرة فيها أهل التّواضع،وفَتَنَت أعداد المتابعة فيها أهل التّريّث والتّدقيق،وفَتَنَت سهولة الادّعاء أهل الكذب والافتراء ..

(يُنجي) النّاس من فتنة هذه الشّبكات أن يعلموا بأنّ تشبيهاً قديماً قيلَ لنا ونحنُ صغار عن (التلفزيون) أيّام لغَطِ تحريمه ثمّ كراهته ثمّ تحليله بشروط ثمّ جعل حبله على غاربه،بأنّه سلاحٌ ذو حدّين،أو أنّه آنية بما فيها تنضح،وهذه الشّبكات كذلك،وليعلمَ النّاسُ كذلك بأنّ استغلال هذه النّعمة الكبيرة من ربّ العالمين في سهولة التّواصل بين الأفراد في لحظات توجِبُ شُكراً بأن تُستعمل فيما يحبُّه الله ورسوله،أو على أخفّ الأضرار أن لا تكونَ وسيلة لمحاربة الله ورسوله،ولا وسيلة لإشاعة الفاحشة بين الذين آمنوا،ولا وسيلة لسبّ الذين كفروا ـ دون درايةٍ ولا غرضٍ مشروع ـ فيسبّوا الله ورسوله،وليعلم النّاس أيضاً بأنّ كثيراً من الخير والعلم والفضل موجودٌ لا محالةَ في خضمّ كثيرٍ من العبث والباطل ولا يرى ذلك إلا من صلُحَتْ نيّتُه تجاه نفسه أولاً بدين ربّه الخفيّ قبل الظّاهر،وتجاه عباد الله أجمعين بدين ربّه الذي أحكَمَ شريعتَه من فوق سبع سموات،ووضَعَ نظاماً أخلاقيّاً عمليّاً للتواصل الاجتماعيّ بين النّاس كلّهم،عليهم تطبيقُه في شبَكاتٍ تجمعُهم كما راقَ لهم تطبيقُه في حيٍّ ضمّهم يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.. والله أعلم

المسألة الرابعة 1433/9/4هـ

العَمَل الخيْري

(فُتِنَ) النّاس ـ رغمَ صحوةٍ إسلاميّة طافَتْ بهم ـ في العمل الخيريّ بشتّى مجالاته التي لا تخلو من مالٍ يُجمَع،وتبرّعٍ يُطلَب،ودعايةٍ توزّع،فهالَ العوامّ من النّاس ما يرونَهُ من حالٍ يصوّرُ عن موضع يُرادُ له النّجاح في حصدِ المبالغ الماليّة له،واستثارَ البارعون في استقطاب الخلق عواطف مكنونة وفطريّة في كثيرٍ منّا ليكونَ حظُّه أوفر من هذه القِسمة التي اتّفقَ القدَرُ أن يقتسمَها الإسراف مع مصارف في بعضِها كثيرٌ من الرّيبة،والفتنة قائمةٌ في هذا المجالِ حتى اليوم،وفي كلّ مرحلة من مراحل الزّمن الحديث تأخذُ صورةً مختلفة وتنحى منحى يناسبُ تدفّق السيولة الماليّة،وتحقيق الفتنة في العمل الخيري يتمثّلُ في حيْرة تسكنُ قلبَ المؤمن من سندان وسمِه بمحاربةِ الخير ومطرقة انجراره وراء ما يظنّه خيراً ونفعاً،لتبقى تلك المنطقة الرّماديّة من غير تجليةٍ للعقول والأفهام واليقين الدّيني،فكمْ من فقيرٍ بائسٍ ذي مخمصةٍ لم يسمع بدرهم ولا بدينار بل ولا كسرة خبزٍ رغم العدد الهائل من الجمعيّات الخيريّة،وكم من غنيِ غير مستعففٍ عن الوقوق في طابور المهانة والإذلال لينتزع من الفقراء بعضَ زيتٍ يبيعه بأثمان مضاعفةٍ لهم بعدَ حين،ثمّ والفتنة في العمل الخيريّ قائمة في مجال غير الطّعام والشراب وإعانة المساكين،يفرحُ بعضُ المُغرّر بهم برعايةٍ لحفظة القرآن ودارسي سنة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم والحقُّ أن ذلك إعلامٌ للنزر اليسير من مالٍ يُدفَع ثمّ لا محاسبة تبيّن وتوضّح وتريح،حتّى جاءتْ أمّ الفتن في هذا المجال وأضحى تمويل الإرهاب شمّاعة يعلّق عليها كارهو دينَ ربّهم إغلاق الحقيقيّ من مراكز الخير والإبقاء على من (يلعبُ بالبيضة والحجر) فحِرْنا واحترْنا وفُتِنّا في عمل خيريّ نأملُه،حتّى باتَ عملُ الخير مقتصراً على الجانب الماليّ بعيداً عن إعانةٍ أخبر عنها صلّى الله عليه وسلّم أنّها أحبّ من الجهاد في سبيل الله ..

(يُنْجي) النّاسَ من هذه الفتنة أن يقرأ كلّ منهم قوله تعالى {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وقوله تعالى {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيم} ثمّ ليعلموا بأنّ المالَ مال الله ولا يعمَلُ فيه إلا بما أمرَ به الله،فإذا استقرّ ذلك في قلوبهم ويقين اعتقادهم استشعروا بأنّ أعظَمَ الفتنِ والطوامّ هو الحقُّ الذي أُريدَ به باطل،وعرفوا بما لا يدعُ مجالاً للشكّ بأنّ أكبرَ السّارقين خطراً هم الذين يلتمسون في وسائل العمل الخيريّ سبيلاً للغنى،وعلى النّاس أن تعرف بأنّ خيطَ التّفرقة بين الدّاعي للخير والصّادّ عنه دقيق دقّة صدق أحَدِ الفَجْرين،وليكُنْ الباغي نجاةً من فتنة العمل الخيري بفوْزٍ فيه على حذرٍ من أن يدفعه الخوفُ من الوقوع في فخّ الصائدين إلى كراهيّة مجال خيريّة هذه الأمّة في عون بعضها لبعض،ولا تكتملُ النّجاة إلا بثقافة تطوّعيّة تشمل كافّة المجالات الإنسانيّة بما يُحسِنُه الفرد المسلمُ ويحتاجُ له غيرُه برفقة نيّة صادقة أنّ ربّ العالمين قد قال {إِنّما المُؤْمنونَ إِخْوَةٌ}،وبقيَ أنْ أقول بأنّ استهدافَ العواطف بما يرضي الربّ مجالُ الوعّاظ الأتقياء الماهرين،لكنّه حينَ يكونُ بآلةِ ترويع النّفوس بما لا قدرة لها على تحقيق حاجتِه،أو بوسيلة جعل حقوق الآخرين في عرض صورهم دونما رقيبٍ على حقّهم في خصوصيّة أحوالهم فذلك قد لا يُنجينا من مخالفة تشريعه صلى الله عليه وسلّم حينَ قال (كلّ المسلم على المسلم حرام،دمُه ومالُه وعِرضه) والفقيه يؤمنُ بشموليّة العِرْض مفهوماً،والمتصدّر للعمل الخيريّ موقنٌ بآلامِ الشّوك قبل جَني الثّمار .. والله أعلم

المسألة الخامسة 1433/9/5هـ

الطُّرُق الصّوفيّة

(فُتِنَ) النّاسُ قديماً في طُرُقٍ مثّلَتْ منهجيّة في تربية النّفوس على التديّن وتزكيتِها لبلوغ رضا الخالق،وهيّأت الحادثات وتعاقب الأزمنة واختلاط الثقافات واختلاف الحال العامّ للمسلمين بيئة خصبة سانحة لنجاح شغف النّاس بالطّرُق الصّوفية عموماً،وفتنة النّاس في (التّصوّف) اليوم ليست بالأمر الغريب ولا المستحدث والمفاجئ،فنزعةُ النّفس البشريّة نحو بارئها وخالقها تدفعها لكثير من المحاولات أن تصِلَ إلى ربّها راضيةً مرضيّة،ونوايا غالب أوائل من تصدّروا لمشيخة بعض الطّرق كانت حسنةً نبيلةً طاهرةً عازمةً على توجيه الخاصّة والعامّة لحُسْنِ الأدب مع شدّة الطّلَب،وإنّما الفتنة نثرَتْ شرورها على فئام من الخَلق على حسب فهمهم وجوْدة انتقائهم لما يوافق الدّين ويتمشّى مع المعتقد الصحيح،فتشدّدَ قومٌ في انتمائهم لطريقة بعينِها حتّى رأوا غير ما هم سائرين فيه ضرباً من خيال الإسلام،وفرِحَ آخرون برضا قائد مسيرة طريقةٍ عنهم كمن وجدَ صكّاً للغفران نيابةً عن ربّ العالمين،واحتقرَ عامّة من النّاس تلك الطّرق ورأوا فيها جهلاً ورجْعيّة وتسويقاً لتغييبِ العلم،ولحِقَتْ الفتنة ردّة فعل عند آخرين حتّى حاربوا كافّة الطّرق الصّوفيّة وأقسموا بالله جهدَ أيمانهم أنّ هؤلاء متبّرٌ ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملون،والعويصُ في الأمر ارتباطُ التصوّف بحبّ النبيّ صلى الله عليهم وسلّم حتّى أضرّ ذلك بالكارهين للصّوفية لدرجةِ أنّه أوقفَهم على شفا جُرُفٍ هارٍ من كُفرٍ يسِمونَ به المتصوّفة من النّاس ..

(يُنْجي) النّاس من افتتان في (التصوّف) وفتنة في الدّين لا يُعلَمُ مصيرُ من جرَفَتْه أنْ يعلمَ النّاسُ بأنّه لا مُشاحّة في الاصطلاح،ولا خلافَ يُجدي في جمال التّسمية من غرابتها،ولا يتعلّقُ دينُ الله تعالى بأن تتّخذَ فئة مسلكاً لتحقيق أحكام دينِه لم تتّخذه أخرى،ثمّ ليعلموا بأنّ تركَ الدّنيا بالكلّيّة مخالفٌ لقوله تعالى {ولا تَنْسَ نصيبَكَ من الدُّنيا} وأنّ الإضرار بالنّفس وإجهادها بما لا تُطيق بما يوقع مشقّة متوقّعة أو محتملة فوق العادة والطّبيعي مخالفٌ لقوله تعالى {ولا تَقْتلوا أَنفسّكم إنّ الله كانَ بكمْ رحيماً} وأنّ وضْعَ المرءِ نفسَهُ منزلة الاستحقارِ والضَعف بحجّة الأدب والتواضع على غير هديِ المصطفى صلّى الله عليه وسلّم مخالفٌ لقوله تعالى {ولقَدْ كرّمنا بني آدم}وليكنْ معلوماً لدى من يرجو نجاةً بدينِه أنّ خيرَ العبادة ـ بعدَ ما افترضَه الله تعالى على المسلم ـ الذّكْرُ،وخير عباد الله الذّاكرون،والمداومة على الذّكر ملكوتُ اليقين في الله وطريق التأسّي بالرسول صلى الله عليه وسلّم وسبيلٌ لعبوديّة لا يستطعمها إلا من ذكرَ الله قائماً وقاعداً وعلى جنبِه في كلّ وقت وبكلّ حال،ورأسُ الذّكر لا إله إلا الله،وصُلبُ الذّكر الاستغفار،وجُماعُ الذّكر الصلاة على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلّم،وعلى النّاس أن يعلموا بأنّ وضعَ منهجيّة لتربية النّفس وتعويدها على طريق التّزكية بخطط تستوعب اليوم والليلة وتراعي السنّ والعمر والغنى والفقر والصيف والشتاء والنّهار والليل اجتهادُ الحريصين على نوعٍ من الدّعوة آتى أُكلَه في بقاعٍ شتّى من عالمنا الإسلامي،وأنّ الاجتماعَ للذّكر نبويّ الأصل ربّاني الرّضا،لكنّ المؤمن الحقّ آتاه الله من نوره وسلطان قرآنه وعواصم سنّة نبيّه صلى الله عليه وسلّم ما يفرّق فيه بين الهدى والضّلال .. والله أعلم

المسألة السادسة 1433/9/6هـ

حُقوق الإنْسَان

(فُتِنَ) النّاسُ منذُ ظهور عُصبة الأمم المتّحدة وسيطرة النّظام الغربي على الشعوب المنخرطة تحت هذا الميثاق في مبدأ طرحوه باسم (حُقوق الإنسان) Human rights وكان لهذا المصطلح بمجرّد نبرتِه وطريقة عرضِه وصياغته أثرُ السّحر على النّفوس المقهورة من استبداد الظّلم باسم الأيدلوجيّات أو الثّقافات أو السّياسات،وتلقّى العالم الغربي ومن يتبعه من عوالم تجُاريهِ في سباقه العلمي والحضاريّ هذا الأمر بكثير من التنظيم والتّقنين وفرْض التّطبيق بل والمحاسبة على الانتهاك والمخالفة،لكنّ الفِتنة في هذا الأمر قائمةً عندَ المسلم بالذّات في هذا الصّدد وإن لم يشعُرْ بها،فالأممُ التي حرّفت دينَها أو لم تحرّفه وصارَ منسوخاً باعتبار الإسلام،والأمم التي لا دينَ لها،والأمم التي تعتنقُ الوثنيّة مذهباً وروحاً،حُقّ لها أن تُسارع إلى كلّ ثورة إنسانيّة تحفظُ للإنسان كرامتَه وقدره وحقّه،فهي تنظُرُ بمنظار المصلحة المستحقّ بعيداً عن اعتباريّات شرعيّة ربطَنا بها ربّ العالمين نحن المسلمين،فَفُتِنَ المسلمون بهذا المبدأ وأصبحوا ظاهراً أكثر الشّعوب والمبادرين مسارعةً إلى التّغنّي بهذه الحقوق والاستدلال بالنّصوص العالميّة في ميثاق وإعلان الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان،ورغمَ أن الحكمة ضالّة المؤمن أنّى وجدَها أَخذها،لكنّ المسلمينَ ضلّ عنهم ما كانَ لهم وفارقَهم ما كانَ نصبَ أعينهم وبعُدَت عليهم الشّقّة من هدى هو قيمة إسلامهم وشرْعهم وديانتهم،فشذّ فريقٌ من المفتتنين بهذا المصطلح البرّاق حتّى رأوا في أحكام الشّرْع الواضحة التي لا خلافَ فيها انتهاكاً لحقوق الإنسان المعلنة في الميثاق،فحبسوا دينَهم في قليل من مساجد ونزْرٍ يسير من صلاة أو صدقة أو نُسُك،وشذّ فريق ثانٍ وحارَبَ الفكرةَ أصلاً باعتبار المصدر الكُفري ـ حسب رأيه ـ فإنّ الكافر لا يأت بخير كما يرى ويبرّر،وبقي فريق ثالث تموجُ به الفتنة الحقوقيّة الإنسانية ذات اليمين وذات الشّمال،يستحي من إظهار بعض أحكام دينه خوفاً من (هيومن رايتس ووتش)،ويتذرّعُ بالدّين أحياناً أخرى في كثير من الانتهاكات لحقوق الإنسان في قرآنه قبل أن تكونَ في ميثاقٍ وقّع عليه،فأصبحَ مُنْبتَّاً،لا أرضاً قطعَ ولا ظَهْراً أبْقى ..

(يُنْجي) النّاس من الحيرة في التعاطي والتّعامل مع (حقوق الإنسان) والسّلامة من فتنةٍ قد توقعهم في أحدِ جانبي طريقٍ أحلاهما مرٌّ وعلقم،أن يعلموا أنّ ربّ النّاس قد قال لملائكته {إنّي جاعلٌ في الأرضِ خليفة} وقاعدة الاستخلاف تقتضي حقوقاً كما تتطلّب واجبات،والملائكة الكرام بما علّمهم ربّهم عرفوا انتهاك الإنسان لحقوق أخيه وأرضه فقالوا {أتجَعْلُ فيها من يُفسدُ فيها ويَسْفك الدّماء} وهل بعد الإفساد والقتل انتهاك؟ لكنّ الخالقَ قال {إنّي أعلمُ ما لا تعْلمُون} ومن ذلك أنّه أرسلَ الرّسل وشرّع الشرائع وأنزلَ الكتب وختم وحيَ سمائه بالقرآن العظيم وختمَ شجرة أنبيائه بالنّبي الكريم محمّد صلى الله عليه وسلّم،ثمّ جعلَ للإنسان كرامةً أصليّة مستمدّة منه لأنّه من خلَقه فقال {ولقَدْ كرّمنا بني آدَم} وجعَلَ له كرامة وحقّاً على أخيه الإنسان أيّاً كانَ معتقده ودينه وقال { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وأيّ دينٍ أو ملّةٍ استوعبت الإنسانَ وحقّه بجميع حالاته وأجناسه وما يطرأ عليه في مراحل عمره وغناه وفقره ومرضه وصحّته ورياستِه وشعوبيّته وحربه وسِلْمه مثل الإسلام!وما على المسلم إلا أن يتّسم بوسمِ الفقيه المتبصّر الذي يدخل معتركات العالم بدينه الذي أعزّه الله به،غير مُصَادرٍ لحقوق الآخرين في تحالفاتهم ومواثيقهم،مقرّاً بصوابهم معرضاً عن خطأ فيهم موضّحاً لهم بعلمه وركيزة برهانه شطَطَهم وحيفَهم،لكنّ العالمَ اليوم قريبٌ من قولِ الربّ المتعال العليم بمن خلق وهو اللطيف الخبير حيثُ يقول {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} فالقادِمُ من آخرينَ عندَ من فُتِنَ صوابٌ ولو خالفَ بعضَ دين،والقادمُ من الدّين خطأ ولو وافقَ بعضَ صوابِ الآخرين،وتلك وربّ الكعبة من معضلاتِ الفِتَن { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} والله أعلم ..

المسألة السابعة 1433/9/7هـ

هِلال رَمضَان

(فُتِنَ) النّاس في دينهم في مسألة رؤية هلال رمضان ابتداءً وهلال شوّال انتهاءً،لأنّ الفتنة في الدّين كلُّ أمر التبسَ قصداً أو تقصيراً في التّحقيق أو تشويشاً من كارهٍ يوقع أغلب المتلقّين في حرجِ المخالفة بانحرافٍ عن جادّة الصّواب الذي لا يبينُ والحالُ حالُ فتنة،وفي كلّ عام مع قرب شهر رمضان تزداد المشاحنات والتهافتات لتأصيل مبدأ يصومُ النّاس به،ويبقى كلّ فريق مستمسكٌ بما هو عليه دونَ حراك منذ أكثر من أربعين سنة،فلا تقاربَ في وجهات النّظر،ولا توصّل لاتّفاق يجعل المسلمين أمّةً واحدة،وإن تأخر بعضها يوماً أو تأخرَ البعض الآخر يوماً،كلٌّ لهُ من دليل شرعيّ نصيب،لكنّ الفتنةَ يقعُ فيها عموم من يصوم بناءً على إعلان الجهةِ المختصّة،وكم من مرّةٍ أعلنَ عن خطأ هنا وخطأ هناك،رغم تقنيةٍ حديثة ودراساتٍ علميّة موثوق بها بناءً على سواطع المرئيّات والمحسوسات،والمشكلةُ بأنّ هذا الأمر البسيط في تطبيقه عظيم في انعكاسِ فتنته على مجموع الأمّة،فأولئك ينظرون لهؤلاء بأنّهم لا يصومون معهم ولا يفطرون حين يفطرون،وهؤلاء ينظرون لأولئك بأنهم مارقين عن سنّة جاريةٍ في البرّ والبحر لا يسعُ المسلم الاستنكافُ عنها،فزرَعَتْ الفتنةُ الشكّ في قلوب الصائمين حتّى رجعوا لحسابِ أيّامهم فخافوا على ليالي وترهم وبداية صومهم فاحتاطوا قبله وتنطّعوا وغلوا وفرّط آخرون وألقوا باللائمة على من أمرهم ووعدوا أن يسائلونهم يومَ الدّين ..

(يُنجي) النّاس من فتنةٍ في صومهم وإفطارهم أن يؤمنوا بأنّ عموم ألفاظ السنّة النبويّة المطهّرة معجزةٌ في رفع الحرج عن المكلّفين،فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته،نصٌّ يتيح للعالم الإسلامي أن يجتمع على أنّ الرؤية في زمان كهذا تختلف عن رؤية في زمان قبله أو بعده،فالآلة المساعدة تتحكّمُ في ذلك،والمقصودُ هو الرؤية لا طلوع الهلال من عدمه،ليجتمع لدى المسلمين العملُ بالسنّة وتوافقٌ مع حقائق العصر،فلو قال النبي صلى الله عليه وسلّم صوموا لطلوع الهلال وأفطروا لطلوعه أو ولادته كما يعبّر الفلكيّون لأسرعنا لأخذ قول من يحسبُ الأمور فلكيّاً، نحنُ لا نكذّب الحقائق،ولكنّنا نحبّ تخفيف ربّنا عنّا،والمُنجي من فتنٍ صغيرة يقود للنجاة من فتنة التفرّق والتشرذم ورمي النّاس بالباطل أنّهم جاهلون أو منشقّون،والقائمُ على حماية النّاس من فتنةِ رؤية الهلال هم المسئولون عن ذلك إداريّاً وشرعيّاً،فالنّاس تبعاً لمن يحرسُ لهم دينهم،لا من يجعله عرضةً للخطأ والصّواب دون استفراغ الوسع في الجمع والتوحّد على طريقٍ بيّنٍ من سنّة واضحة وآية محكمة .. والله أعلم

المسألة الثامنة 1433/9/8هـ

الرّبيعُ العَرَبي

(فُتِنَ) النّاس في سنة ونصف مضَتْ بثوراتٍ في عالمنا العربيّ،راجَ فيها استخدام مصطلحٍ برائحة الفِتْنة ونكهة الانتصار ـ الرّبيع العربي ـ وحيثُ الأمور تسير وفقَ ما يقدّر الله تعالى وإنْ سبّبَ الإنسانُ عكس ما يرجوه من نتائج،أو سارَ في طريقِ تحصيل مقتضى العاقبة المعلومة لمثل هذه الممارسات،تبقى الفِتْنةُ ضاربةً بكلّ قوّتها في قناعات المسلمين وأفكارهم وتوجّهات ثقافاتهم وفتواهم في دينهم وسياستهم مع غيرهم من دول العالم،وما إسراعُ النّاظرين الفرِحين بسقوطُ من ظلَمَهم لنسيانِ أحكامٍ شرعيّة تكليفيّة في بداية ما جرى إلا دليلٌ على أنّ الشرّ الذي يعقبُه خيرٌ ـ يراه النّاس ـ إنّما هو عينُ الافتِتان الذي يسلمُ فيه البعضُ ويبوءُ بوزره وإثمه بعضٌ آخر،وكذلك ما المظاهرُ التي توعَزُ للدّين في خضمّ الحراكِ الثّوري وهي محلّ غرابةٍ واستغراب واستهجان المحقّقين من علماء الأمّة إلا فتنة قائمةٌ بثقلها على ظهور من احتملوا كِبْرَ هذا الأمر،ومن الفتنةِ بمكان ـ في ربيعٍ عربيّ يزعمُه بعضٌ ازدهاراً وتحوّلاً ـ أنْ يَهُبَّ بعضٌ آخر لتقنين ما حصلَ بعدَ أن حصلَ،وتشريع ما وقعَ بعدَ أن وقعَ،وآخرون في فتنتهم في هذا الأمر اتّسموا بالبقاء في جدار الحكم الشّرعيّ الذي جمّدوه في حالةٍ سابقةٍ للثورات،فلا هم راعوا بأنّ النّاس ماتتْ لأجل يومٍ كهذا،ولاهم استطاعوا تكييف الأحكام الشرعيّة المرنة لتُناسبَ حالاً أصبحَ يختلفُ عمّا كانَ عليه،قومٌ ثاروا فسقطتْ أنظمةٌ فسكتَ علماءٌ كانوا يحرّمون الانتحار،وأوجبَ آخرون الخروج على الحكّام بعدَ أن حرّموه،وقالَ آخرون بأنّ ذاتَ الفعل من الجهاد،واستُفِزَّ أقوامٌ فأفزعوا الطّغاة فسقطَ من ضحايا البراءة ما الله به عليم،ولا يَعْرِفُ الحقَّ في كلّ أحداثِ الرّبيع العربي الماضية والحالية إلا ربَّ العالمين ..

(يُنْجي) النّاس من فتنِ الثورات التي أعجَبَ الكفّار تسميتُها الرّبيع العربي ليغيظَ بهم المساكين،أن يعلموا بأنّ مدارَ الحلال والحرام على الحال ما دامت السّموات والأرض،وأنّ لله في خلقِه شئون هو أعلمُ بهم وبها،وأنّ الله يقدّر الخير والشرَّ،وليعلمَ النّاس أيضاً أنّ توالي الدّول وتتابع الممالك سنّةٌ كونية لله في هذه الأرض،وأنّ بداية الخير قد تقومُ على ما شُكَّ فيه،وأنّ استقرار الأمن في بلاد المسلمين أرجى من حصدِ الطّغاة للأرواح،ولكنْ ليعلمَ النّاس مع ذلك بأنّ القوْلَ بالحكمِ الشّرعي زمَنَ الفتن فتنةٌ،شاءَ المُفتونَ أم أبوا،وأنّ القاعد في الفتنة أدعى للسلامة في دينه من القائمِ فيها،وأنّ القائمَ فيها لا يحقُّ لهُ لومُ النّاسِ بعدَ اجتهاده فهو الحاصدُ لخير أو شرّ ما سعى له،وأنّ تشريعَ المظاهرات دينيّاً يحتاجُ لتحقيق أولي الألباب الرّاسخين في العلم الذين يخافون ربّهم واتّقوا وآمنوا ثمّ اتّقوا وأحسنوا،وأنّ سفكَ دمَ المسلمِ بيدِ المُسلمِ أيّاً كانَ غرضُهُ ضلالٌ كبير،فالرسولُ صلى الله عليه وسلّم قال “لا ترجعوا بعدي ضُلالاً يضربُ بعضُكم رقابَ بعض” وعلى الحاذقين من المسلمين أن يعلموا بأنّ الزّمان يعودُ كما تعودُ حالةٌ كانتْ عليها أرضُ الله بعدَ تغيّرها بنصّ ما أخبرنا به الذي لا ينطقُ عن الهوى صلى الله عليه وسلّم،وكيفما كانَ الأمرُ وآلت إليه الرّواسي فيدُ الله مع الجماعة،والمسلمُ أخو المسلم،وصلاحُ الحال في تقليل الخسائر،والقابضُ على دينِه الخاصّ زمَنَ الثورات والفتن هو السّالمُ من شوائبِ تأثيرات من يحبّ أن تشيع الفوضى في الذين آمنوا،ولا ريبَ بأنّ المرجفونَ في العالم العربي إنْ بقوا دون توبةٍ أو حوبةٍ فالسلامة بعيدةُ المنال،فاللهمّ سلّمْ سلّمْ .. والله أعلم

المسألة التّاسعة 1433/9/9هـ

الّليبراليّة

(فُتِنَ) النّاس في حُرّية الفرد وإطلاق الاختيار لهُ فيما يشاءُ حيال فكره وأخلاقه وممارساته ومعتقده وضميره،حتّى أضحَت (الليبراليّة) شأناً من شئون السّياسة والفكر والعمل الاجتماعي بل وشكلاً من أشكال التّوجهات الحكوميّة والانطلاقات الجماهيريّة نحو بيئة يظنّها قومٌ شُحنة التّحفيز نحوَ النّجاح في الحياة الدّنيا،ولا شكّ بأنّ موضع ألمِ النّاس الذي يوجعهم دوماً وهماً أو صدقاً هو (الحرّية) لتكونَ فِتْنتهم في (الليبراليّة) أوسعَ وأشمل لم يسلم منها واقعهم ولا عيْشُهم ولا دينُهم الذي هو مناطُ نجاتهم يوم القيامة،والفتنةُ الواضحةُ الجليّة التي يعشُها كلّ مجتمع عاشَ ردحاً من الزّمن أقرب لوسْمِ المحافظين لا تفتأُ تُذكي فتناً أكبرَ من كلّ نوع تُنافِحُ عن افتتانٍ أعظَمَ من كلّ حدْبٍ وصوب،والفتنةُ تجاهَ (الحرّية الشّخصيّة) عوانٌ على فِتْنَة (القدَريّة) في العصور الإسلاميّة السّابقة وفلسفة التّخيير والتّسيير للإنسان ممّا حدا بقومٍ أنكروا القدر ففتِنوا،وقومٌ ادّعوا على الله ـ ظلماً ـ بمحاسبته لخلق هو مقدّر أعمالهم ففُتِنوا،وقومٌ احتاروا وسكنوا بين التّشويش وعاطفة العبوديّة ففُتنوا،وفئة أبقاها الله منصورةً ناظرةً بعناية الله للحقّ الذي جاءَ في القرآن منثورةً في أرض الله قد لا يعلمهم كثيرٌ من النّاس،وفتنةُ اليومِ زيّنَتْ للنّاس حرّية السلوك بابتداء الفعل لكنّها فتنتهم لتجعل القبيح جميلاً،وحرّضَتْ النّاس على حرّية الاعتقاد ابتداءً وتغييراً لكنّها فتنتْهم حتّى بدّلوا دينَهم،وشجّعَت السّفهاء على الإساءة لكل شيء وأيّ شيء باسم حرّية التّعبير لكنّها فتنتْهم حتّى سبّوا ربّهم وكتابهم ورسولَهم ـ والعياذ بالله ـ ومدارُ الفتنة أنّ مبدأ (الليبراليّة) القائم على حرّية الفرد في نفسه ما لم يؤذِ الآخرين،اختزلوه في الشّطر الأوّل دون الثّاني ..

(يُنْجي) النّاس من فِتْنةٍ في حرّية الفرد والاختيار أن يعلموا بأنّ الله تعالى قال {وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإِنسَ إلا ليعبدون} وقال {وما خَلَقْنا السّمواتِ والأرْضِ وما بينهما باطلاً} وقال {الّذي خلَقَ الموْتَ والحَياةَ ليبلوَكمْ أيُّكمْ أَحْسَنُ عَملاً وهو العزيزُ الغفورُ} وحيثُ فهِمَ هذا فانتفاءُ العبِثِ يلزَمُ منه تنظيمُ الحُرّية وإلا لكانَ التّكليفُ ضرباً إمّا من الظُّلمِ أو اللعب،وحاشا لله أن يكونَ دينُه بإحدى هاتين الصّفتين،ومن المعلومِ بأنّ هذا السّردَ لمن كانَ يؤمنُ بالله واليومِ الآخر،أمّا إنسانٌ آخرُ غير ما نعهده في المسلمين فتنظيماته واعتقاداته وفكره يعنيه ما لم يتجرّأ على ما ندينُ الله به أن يمنعنا من الحقّ في الحياة،والإسلامُ الذي جاءَ بتوجيه الحرّيات مع تركِ الحرّية الأساسيّة بقوله تعالى {لا إِكراهَ في الدّينِ} لم يأتِ لتكونَ الفوضى على المستوى الشّخصي متحكّمة في مصير النّاس،وإلا لركِبَ بعضٌ ظهورَ بعضٍ باسم الحرّية ولم يتجرّأ أحدٌ أن يسألهم “متى استعبدتم النّاس وقد ولدتْهُم أمّهاتهم أحراراً” وعلى النّاس أن يعلموا بأنّ من يدّعي حرّية ليسوّقَ لفاحشة أو يروّجَ لكُفرٍ أو يفجّر فتنةً فهو الظّالمُ لنفسه ولمجتمعه والمغضِبُ لربّه الذي أمَره في قرآنه فقال “وقولوا للنّاسِ حُسْناً” ولن يُنْجيَ النّاس من فتنةِ “الليبراليّة” إلا أن يعودوا لفَهْمِ مبدأ “الليبراليّة” في أساس نشأتِه منذ القرن السادس عشر الميلادي،ويعلموا بأنّ وجوده بناءً على ردّة فعل للحروب الدّينية في أوربا حتى قنِعوا بأنّ رضا المحكوم بالحاكم مبدأ السّلطة أمرٌ يخصّهم وفق واقعهم،فعّلوه ونشروه واستفادوا منه في مجتمعٍ احترمَ فيه واحدُهم حرّية جماعتهم وجماعتهم حرّية واحدهم،فكيفَ بمؤمنٍ كفَلَ له اللهُ حرّيةً وفقَ احتياجاته التي خلَقها فيه إبّانَ خلْقِه ليعبدَه،فليلزَمِ النّاس دينَهم يغنيهم عن تحريفِ مبادئ آخرين ليستسيغ المسلم العربيّ طعمها بعدَ أن استنسَخَ شرُّها فقط .. والله أعلم

المسألةُ العاشرة 1433/9/10هـ

تفسيرُ الأحْلام

(فُتِنَ) النّاسُ في تفسير الأحلام وتأويل الرّؤيا حتّى صارَتْ هذه مهنةُ لأفرادٍ أضحوا بها شخصيّاتٍ اعتباريّة ووجوهاً إعلاميّة مشهورة،ثمّ استفقْنا على عصرٍ رأينا فيه هذا العمل مهنةً لبعضٍ ممّن أعيَتْهم حيلةُ التكسّب بالحلال،ولا يجرءونَ على المجاهرة بالرّبا أو المسائل المختلف في تحريمها،فعمِلوا على أن يكونَ غَزلُ مِعطَفٍ هلاميّ لمن يشعرُ ببرْدٍ متوهّمٍ هو البضاعة الرائجة والفرصة السّانحة،والفِتنةُ في تفسير الأحلام شقّتْ قلبَ المُفسّرِ وجعلتْهُ يكذبُ ويصدّق ما يقول بعدَ حين،وشقّتْ قلبَ الحالمِ وجعلتْهُ يهيّئ نفسَه لأحلامٍ كلّما عزمَ على أمر أو خافَ من مستقبلٍ أو أصَابَه خيرٌ أو شرّ،أعرِفُ أناساً ضربوا أرقاماً قياسيّة في الأحلام بعددٍ أكثرَ من عشرة (أفلامٍ) في اليوم والليلة ما بينَ الطويل والقصير والموحش والمؤنس والعاديّ ـ حسبَ قولِهم ـ وأعرِفُ آخرينَ وصلوا في درجةِ التَّحَلُّمِ أن يروا أحلاماً وهم مستيقظون ـ حسبَ زعمهم ـ وأعرفُ قوماً كلّما رأوا في منامهم أمراً أعلنوا حالةَ الطّوارئ وأثقلوا وسائل اتّصالاتهم بمبالغ لا طاقة لهم بها،وهم يبحثونَ عن تأويل يروق لهم،لا يعجبُهم تفسيرٌ،ولا يتوقفون عندَ تبرير،حتّى خافوا من كلّ طارقٍ يطرقُ عليهم الباب،وأمسوا يحسبون كلَّ صيحةٍ عليهم،أمّا من يفسّر الأحلام أو يستفسِرُها فقد أعمتْهُ الفِتنةُ فيها عن وحيِ الله تعالى وعن سنّة المصطفى صلى الله عليه وسلّم،وزيّنَ لهُ الشيطانُ سوءَ استخراجِه وتوقّعه،زاعماً أنّه يفسّرُ بالقرآن والحديث وهو منها أبعدُ ما بينَ السماء والأرض،فتحكّمَتْ الأحلامُ في العقليّاتِ لدرجةِ أنّ هناكَ أُناساً يحذرُ منهم آخرونَ أن يقصّوا عليهم رؤيا،فقدْ اشتُهِروا بأنّ أحلامهم تقعُ ـ كما يلبّس الشيطان ـ وبؤرةُ الفتنةَ أن المنتقِد لهذه التّصرّفات تصفعُه فوضى من الاستنكار عليه كيفَ ينكرُ أمراً جاءَ في القرآن؟ تخويفاً وترهيباً،ليبقَ المفتونُ حالماً وفاتنُ النّاس مفسّراً،فكيفَ إنْ كانتْ الفتنةُ قائمةٌ في الرّؤيا الحقّ {وما جَعَلنَا الرُّؤيا الّتي أَرَيْناك إلا فِتْنةً للنَّاسِ} أوليسَ أحلامُ مسلمي اليومِ أولى ..

(يُنْجي) النّاسَ من فتنةٍ في تفسير ما يرونه في نومهم وتأويل الرؤيا أن يعلموا بأنّ الله تعالى قد قال عل لسان ملك مصر {أفْتُوني في رُؤْيايَ إنْ كُنتُمْ للرّؤيا تَعْبُرونَ} وقال على لسان الملأ الذين هم علية قومه مكانة وثقافة واستشارةً {أَضْغَاثُ أَحْلامٍ ومَا نَحْنُ بتأويلِ الأَحْلامِ بِعَالمينَ} وإذا فُهِمَ هذا الأمر فإنّ ما ثبَتَ في القرآنِ هو أنّ الإنسان يرى ويحلُم،وأنّ العاقل يعقلُ بأنّ من يعرفُ تأويل الرؤيا هو الذي آتاهُ الله تعبيرها،وقليلٌ ما هم،وليعلمَ النّاسُ بأنّ الذي فسّر وعبّر رؤيا الملك هو نبيُّ مرسلٌ من عند الله اصطفاه الله لرسالته وعلّمه من تأويل الأحاديثِ ما لمْ يُعَلّم أحداً من الخلقِ في زمنه،وقال على لسانه في القرآن {وَعَلَّمْتَني مِنْ تَأْويلِ الأحَاديثِ} وأنّ الذي فسّرَ الرؤيا في عهدٍ نؤمنُ بكلّ ما جاءَ فيه هو الرّسولُ صلى الله عليه وسلّمَ الذي كلّ كلامِه وقولِهُ وحيٌ من السّماء،لا ريبَ في صدْقهِ ولا شكّ،ثمّ النّاسُ بعدَهُ على سنّتِه قائمون،وبأمرهِ وهدْيه متمسّكون وقابضون،فإنْ كانَ تفسيرُ الرؤيا علماً يُكتسَبُ فهو علمٌ شرعي لا يتقِنُه لتعلّقه بصدق الفراسة والتوقّع والإرجاع للمصادر والفهم والاستنباط إلا المتّقون،والله تعالى قال “إنَّما يَخْشى اللهَ مِنْ عِبادِهِ العُلَماءُ” والتّقوى يعرفُها المهتدون،وإنْ كانَ تفسيرُ الرؤيا هبةً ربّانيّة من الله وملكَةً على غير العادةِ فالأصل وفقَ سننِ الله في كونِهِ بأنّ النّادرَ عزيزٌ،وغيرَ المعتاد شاحٌّ،وفي كلا الحالتين ما نراهُ اليوم بعيدٌ عن هذين الطريقين،وأمّا فتنةُ الحالمينِ فلا حولَ ولا قوّة إلا بالله إن لم يفهَمِ المُسْلمُ بأنّ منامه جزءٌ من يقظتِه،فما تكونُ عليه حالَ يقظَتِك هو ما سترى انعكاسه في نومِك،عَلِمْتَ طريقةَ ربْطِ الحالتين ببعضهما أم لم تَعْلمْ،والشيطانُ في الاثنين متربّصٌ ومُسلّط،والله على المُقَدَّرَيْنِ معينٌ وحافظ .. والله أعلم

المسألة الحادية عشرة 1433/9/11هـ

الشّارع والطّريق

(فُتِنَ) النّاس قديماً في الطّريقِ وبهِ،وفُتِنَ النّاس حديثاً بالشّارع وفيه،ورغمَ أنّ فتنة الطّريق قديماً كانتْ واحدةً مُحاطاً بها لوِحدة مفهومِ الطّريق أيامَ كانَ محصوراً في ما يمشي فيه النّاس بين أحياءِ وبيوتاتِ مُدنهم،إلا أنّ تلك الفتنة تضخّمَتْ لتوزّعَ شرّها على مفاهيم عديدة يحملُها مدلول الشّارع في زمننا الذي نعيش فيه،فالفتنةُ في هذا المكان الذي يرتادُه ويمرّ منه النّاس بلا استثناء،حتّى الأمواتُ في ذهابهم لمثواهم الأخير،لا يكادُ ينجو منها إلا من رحِمَ ربّي،وبما أنّ وضعنا في عالمنا العربيّ الإسلامي ضبابيّ الحُكمِ مختلِطُ المعايير والتشخيصات اختلطَتْ الفتنةُ في الشّارع والطّريق على هيئةٍ لا تُعْرفُ من كثيرٍ من الأشخاص،وابتداءً من غضّ البصرِ وانتهاءً بتوجيهِ رأيِ الشارع الممثّل للمصدرِ المموِّل للتوجّهات الثوريّة الحادثة يتنقّلُ النّاس من فتنةٍ لأخرى،يتمنّى صاحبُ القلب الحيّ حينَها أن لا يغادرَ بيتَه إلا إلى قبره،كمْ في الشّارع من حقوق مهضومةٍ قصداً ومن غير قصد،عياناً وفي الخفاء،جهراً وعلى استحياء،رغمَ القوانين والأنظمة التي صاغَها أكثرُ المنظّرينَ شهرةً وطبعها أكثرُ الفارهينَ إخراجاً،وكم من فتنةٍ بين النّاس بدأت من الشّارع وحُسَمَتْ لصالحِ الأقوى على حساب الضّعيف فيه،ثمّ عادِتْ للشارع كرّةً تلو الكرّة،وكم من فتنةٍ دلّسَ فيها من عقِلوا حساسيّة الشّارع فجعلوا الباطلَ حقّاً والفاحشةَ سلوكاً شخصيّاً وحرّضوا على فئةٍ أو دافعوا عن ظالمٍ أو انتهكوا عرضَ ميّتٍ بل وعطّلوا مهمّة الطّريق والشّارع في خدمة المارّين والمتنقّلين،ومن يرى الميادين العربيّة والأزقّة الفقيرة في دولنا والشّوارع المنسيّة في حواضرنا وقُرانا وأولادُ الشارع وبناتِه،وحوادثَ السّيرِ والصدّ عن الحقّ وتسمية الشوارع وغير ذلك من البلاء العظيمِ ظاهراً وباطناً يقفُ على عِظَمِ هذه الفتنةِ التي إن بقيَتْ لسوفَ يأتِ الطّريقُ يومَ القيامة يسألُنا عن حقِّه ..

(يُنْجي) النّاس من فتنةٍ في الشّارعِ ما أنجى أهلَ العصر النّبويّ الشّريف من فتنةٍ في الطّريق،فعلى النّاس أن يعلموا بأنّ الله تعالى قد قال {ولا تَقْعُدوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدونَ وتَصُدُّونَ عنْ سَبيلِ اللهِ منْ آمنَ بهِ وتبْغونهَا عِوَجاً واذْكروا إذْ كُنتمْ قَليلاٍ فَكَثَّركمْ وانْظُروا كيفَ كانَ عَاقِبةُ المفْسدينَ} وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال “إِيّاكم والجلوس في الطُّرقات فقالوا يا رسولَ الله،ما لنا من مجالسِنا بُدّ نتحدّث فيها،فقال فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطّريق حقّه،قالوا وما حقّ الطّريق يا رسول الله ؟ قال غَضُّ البصر،وكفُّ الأذى،وردُّ السّلام،والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر” فإنْ تبصّرَ المؤمنُ الحقّ في هذا وعقِلَهُ علمَ بأنّ نجاتَهُ من فتنةٍ غالبةٍ راجحةٍ في شارعه اليوم كامنةٌ في تطبيق قواعد أربع هدانا إليها سيّدُ الخَلْق أجمعين،ولا مجالَ لأنْ يدّعي مُتغطرسٌ بعلمٍ ظاهرٍ من الحياةٍ الدّنيا أنّ في أية مصيبةٍ أو قارعةٍ أو نازلةٍ ما يخرُجُ عن عمومِ ما سطّرهُ لنا من أُوتيَ جوامعَ الكلِم،إلا إذا كانَ المَفْتُونُ لا يؤمنُ بقوله تعالى {وَمَا آتّاكُمْ الرّسولُ فَخُذوهُ وَمَا نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}وليعلَمِ النّاس بأنّ أنجى ما يُنجي من الفتنةِ أداءُ الحقوقِ لله ولرسوله صلى الله عليه وسلّم وللمسلمين والنّاسِ أجمعين،والطّريق والشّارعُ من خلْقِ الله وتكوينِه وتسخيره،وهو ممّا سارَ فيه الأنبياء والمرسلون {مالِهَذا الرَّسُولِ يِأْكُلُ الطَّعَامَ ويَمْشي في الأسْواقِ} وهوَ من مُشاعاتِ الاستحقاقِ للنّاسِ ودوابّ الأرض ومتعلّقاتِ كلٍّ ممّا سبَق،فمَنْ أعطاهُ حقَّه سلِمَ من فتنةٍ فيه،وسلِمَ النّاسُ من فِتنتِه،وتحييدُ الرأيِ الغالبِ عن الشّارعِ تهميشٌ وظلم،وجعلُ الشارع مصدرَ الرأيِ والمطالبِ والثّقافات جهلٌ واستخفاف،وتسْييسُ الشّارعِ كارثةٌ إنسانيّة مُهلكة،وغيابُ القوامة والرّعاية والمراقبة الشرعيّة الدينيّة للشارع تفريطٌ وإهمال،وفُقدانُ الأمن النّفسي والخُلُقي والاجتماعيّ والاقتصاديّ في الشّارعِ مطيّةُ الفتنةِ فيه فليحذرِ النّاسُ من شارعٍ وطريقٍ بلا حقوق .. والله أعلم

المسألة الثانية عشرة 1433/9/12هـ

إنّ من البيانِ لَفِتْنة

(فُتِنَ) النّاسُ في البلاغة والفصاحة وبديع الكلام ومُقْنِعِ القول وموجزِ التّعبير وسهولة المعاني،حتّى صاروا بأسماعهم وأنظارهم يُفتَنونَ فلا يملكونَ مقاومة كثيرٍ من المهرّجين،ولا التصدّي لعدد غير قليل من مُمتهني الحديث وراكبي موْجةِ التلطّف للقولِ لا في القوْل،والنّاظرُ يرى المُتكلّم فُتِنَ في استماعِ النّاس له وإصغاء الحاضرينَ لكلامه وإطراء المعقّبين على ما يصدر منه،فَشَطّ عن السبيلِ ليزعمَ بأنّه إنْ قالَ لمحبيهِ ثوروا ثاروا،وإن سكتَ عن التعليق على أمرٍ انتظرَ المناهضون له العاصفة التي تعقب السّكوت،وفتنتُه هذه جعَلتْه يقفزُ على الأدبِ ممتطياً قدرتَه على اختيار ما يصرِفُ أنظار السّامعين عن الحقّ إلى الباطل،ويغرّدُ ليقولَ للنّاس ما أُريكمْ إلا ما أرى،ويرى النّاظرُ في حالنا كذلك السّامعَ فُتِنَ في سَجْعِ المدلولات،وتنغيم الملفوظات،وقولٍ لم يتوقّع سماعَه،وحديثٍ لم يتخيّل ابتداعَه،فأصبحَ رهينَ الاستدلال بأنّ فلاناً قد قال وقال،ولو كانَ غيرَ الحقّ لما قالَه،ولو كانَ الحقُّ في غير قولِه لقالَه،والفتنةُ في البيانِ موغلةٌ في توحّشُ أناسٍ باستخدامِ آلتها،حتّى استباحوا دماءَ المسلمين وأموالهم،وعاتيةٌ في أسْرِ أناسٍ بها،حينَ يُصغونَ لما يُقال،منصرفين بقناعةٍ راسخةٍ أنّ القولَ ما قالتْ حذامِ،وكمْ من كلمةٍ قالتْ لصاحبِها دَعْني،وكمْ من تصريحٍ فجّرَ في المؤمنين بهِ بذرةَ الشرّ والعداء والتّحريض،وكمْ من تصنيفٍ وتأليف وحصيلةٍ فكريّة فلسفيّة أشاعتْ الفاحشةَ في الذين آمنوا،ثمّ كمْ من فصيح اللسان،قويّ الإيجاز،بارِعِ التّعبير،جميلِ التّنسيق،استحوذَ على مكانٍ لا تجدي في أدبيّاتِه الحروفُ شيئاً،ولا تنفعُ في مسئوليّاتِه الكلماتُ شيئاً،فأُوكِلَ الأمرُ إلى غيرِ أهلِه بسبِ مقالِ منافقٍ،أو قصيدةِ مادحٍ،وضاعتْ وهُضِمِتْ حقوقُ مساكينَ بسبب ردّ مسئولٍ أُوتيَ فَصْلَ القولِ ..

(يُنْجي) النّاسَ في فتنةِ البيانِ وعبثِهِ بالمصائرِ والثّوابت أن يفهموا ويؤمنوا بأنّ خيرَ الكلامِ كلام الله تعالى،وخيرَ الهديِ والحديثِ هدْيُ سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلّم،وبأنّ المرءَ وإنْ كانَ مخبوءً تحتَ لسانِه،إلا أنّه بما آتاهُ الله من سُلطان التّعبير قادرٌ على قولِ ما لا يعتقِدُه،والتلفّظِ بما لا يؤمنُ به،والنمّ بينَ النّاس بما لا يتنبّه له السّامعون،والإغواءِ حيثُ لا مجالَ للعقل في التثبّتِ والتمحيص { خَلَقَ الإِنْسِانَ عَلَّمَهُ البَيَانَ} وليعلمَ النّاسُ بأنّ الله قد قالَ عن الذي يقولُ فيسمعُ النّاسُ لهُ رغبةً أو رهبةً بما لا يُرضي الربّ {فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} وما الاستخفافُ إلا هندسةٌ لفظيّة تجعلُ البيانَ فتنةً تلبِسُ الحقّ بالباطل،وقال الله أيضاً {وإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} والعدْلُ تسخيرُ النّعمةِ في الحقّ والخير،لا في السّوء والشرّ،وحسبُ النّاس قولُه صلّى الله عليهِ وسلّم {إنّ منَ البيانِ لَسِحراً} وهو كذلك بعضُ القولِ وجزءٌ من التلفّظ،وما مواجهةُ السّحرِ إلا بالتّحصينِ منه،والاعتيادُ على ما هو أحسن منه وأصدق منه {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَديثاً} وليستْ النّجاةُ في مُفَارقةِ اللسان العربيّ المبين،ومُقارفَةِ العِيّ والخطأ والرّكاكة،ومُجانَبَةِ الإيجاز من القول،ومُنَادَمة اللّحن والإسهابِ،ومُلازَمة فَظاظة الأسلوب،ولا النّجاةُ في ذمّ الحسَنِ من كلام العربِ،وعباراتِ البُلغاءِ،وإقصاءِ الشّعراء،بل إنّ النّجاةَ في خوضِ البحرِ بفُلكٍ قدْ بذلَ فيها المؤمن وسعَه،واحتاطَ لغدرِ أمواجه بقواربِ نجاةٍ جرّبها وجعلَها قريبةٍ من استخدامِه،ففي الحصيلة الإيمانيّة،والتربية القرآنية،والتعوّذ المأمور به من الشيطان الرّجيم منجاةٌ من بيانِ السّحر،وسحر البيانِ المذموم .. والله أعلم

المسألةُ الثالثة عشرة 1433/9/13هـ

البَديلُ الإسْلاميّ

(فُتِنَ) النّاس في إسلامهم الذي هو أوّل حالةٍ يتلبّس بها من أرادَ الله شرحَ صدره وإخراجَه من الظّلماتِ إلى النّور بانتقالٍ أو بفطْرةٍ فطَرَ الله النّاس عليها،فلمّا طالَ عليهم الأمَدُ ونسوا حظّاً ممّا ذُكَروا به،ظهرَتْ في غيرِهم دُنيا لم يعرفوها،وحضارةٌ هم أساسُها لكنّهم تخلّوا عن الاشتغالِ بدينٍ يقودُ إلى نضارتِها،فجعَلتْ الفِتْنةُ تلوكُ قلوبَ المسلمين وعقولَهم في زماننا وعصرِنا،وفُتَحَ الجدارُ بينَ الشّرْقِ والغرب،ورأى عامّةُ النّاس منّا بوْناً شاسِعاً بين رغدِ عيشٍ وتسارع رُقيّ يلفّ أهل دياناتٍ غيرنا،وبينَ كثيرٍ من تخلّفٍ عن الرّكب بُلِيَ به قومنا،فسقَطَ في الفتْنةِ فريقٌ رأى بأنّ حقيقةَ الارتقاء بالفكر والحياة الدّنيا هو الانسلاخُ من الدّين حتى لا يبقى منه سوى ذكريات أبٍ أو جدّ،فاستحلّوا الحرامَ وإن لم يفعلوه،وتعفّرَ بالفتنة فريقٌ آخر ردّ الحقّ بزعْمِ الموالاة،ونكصَ عن الجادّة بادّعاء الأصل،فجعلَ دينَه وإسلامَه ظواهرَ يستهجنها القريب والبعيد،وتبرّأ من العلم والفكر والتقدّم،وسكنَ في فتنةِ الشّعور بنظريّة إهلاكِ نفسه وإيرادِ أتباعه حافّة الفقر والجوع والتردّي،وتجمّلَ بعضٌ بالفتنة ذاتِها وظنّوا بأنّ وجْهَ الفِتنة إن تزيّنَ حلّ،وإنْ لُوِّنَ ابْيَضّ،فقالوا لكلّ ما عندَ الغَرْبِ في إسلامنا بديل،فلماذا نحرِمُ النّاس من بديلٍ يفي بغرضِ ما ينشدُه المسلمُ إنْ تاقَتْ نفسُه لما يتمتّعونَ به،فاجتهدوا لكنّهم فُتِنوا وفتَنوا،حتى صارَت غايةُ مرادِ المصلحين أن يكونَ النّشيدُ بديلاً إسلاميّاً عن الأغاني،والمرابحةُ والتورّقُ ـ كما يزعمونَ ـ بديلاً إسلاميّاً عن القرْضِ الرّبوي،والخروجُ مع جماعةٍ في غيرِ برنامجٍ واضحٍ بديلاً إسلاميّاً عن السّياحة والسّفر،والتّوريةُ والاستثناءُ بديلاً إسلاميّاً عن الكذب،والإسراف في الأكل والشّرب والتّفنّن في تطوير التّراث الغذائيّ بديلاً إسلاميّاً عن شربِ الخمر وأكل لحم الخنزير،ومثلُ ذلك كثير في نسَخٍ يدّعونَها ـ إسلاميّة ـ من برامجَ وأفكار وقنوات واتّجاهاتٍ أُتْخِمَ بها الإعلام صارتْ بديلاً إسلاميّاً لمن لم يستطع كبحَ جماحَ نفسه عن (ستار أكاديمي) فهناك (ستار قرآن) أو عن الإعجابِ (بالحزبِ الجمهوري أو الدّيموقراطي) فهناك (حزب العدالة والتنمية وحزب النّهضة وجماعة الإخوان المسلمين) لتجعلَ هذه الفتنةُ دورناَ ـ نحن المسلمين ـ أن نتَابعَ ما يبتدعون،ونصنعَ ما يصنعون بنكهةٍ نزْعُمها إسلاميّة ..

(يُنْجي) النّاسَ من فتنةٍ في إسلامِهم ـ العامرِ بما ينفعُ النّاسَ ويهديهم صراطاً مستقيماً لأعمالِ الآخرة والدّنيا ـ أن يقبِضوا على دينِهم في هذا الزّمانِ،ويتحمّلوا حرارة الجمْرِ فذلك قدَرُهم،وسيجعلُ الله لمن يتّقيه مخرجاً،وتكونُ النّارُ برداً وسلاماً على من ابتغى وجهَ الله في صلاحِ عباده والمسلمين،وليعلموا بأنّ النّبيَ صلى الله عليه وسلّم قدْ قال “أنتمْ أعلمُ بأمورِ دُنْياكُم” موجّهاً القولَ للمسلمينَ لا لغيرِهم،ومستخدماً لفظَ التفضيل (أعلم) بمعنى محاولات الإنسان الطّبيعيّة لاستكشاف الخير في أرضٍ استُخلفَ فيها،والإفادة والاستفادة من أيّ حقّ عندَ آخرين،وهذا عينُ الإسلامِ،لا بديلاً إسلاميّاً عن فعلِ آخرين،فليسَ الإسلامُ ـ الدّين الخاتمُ ـ بعازلٍ النّاس عن آخرينَ من خلق الله يعيشون في أرضِ الله،وإلا لما كان لاقتراحِ الصّحابيّ الجليل سلمان الفارسيّ في غزوة الخندقِ مكانٌ في بيئةٍ إسلاميّة محافظة،وليعلم النّاسُ بأنّ الله تعالى ما جعلَ سعادةَ المسلمين فيما حرَّمَ عليهم،لاتطوّراً ولا شفاءً ولا متعةً ولا خيريّة،وكذلك هو الفرْقُ بين الحلال والحرام بأنّ هذا حلالٌ وهذا حرامٌ وإن تشابهها أو تقاربا،ومن اتّقَ الشبهات فقد استبرأَ لدينِه،ثمّ ليكُن النّاسُ برءوسهم مرتفعين عزّةً بهذا الدّين،قادرينَ على تجنّبِ الفتنة بما لا يضرّهم وينفعُهم ويسمحُ لهم بمخالطةِ غيرهم في مشتركاتِ الدّنيويّات وعموميّات المصالح،فالبديلُ في الأغلبِ الأعمّ تجعلُه التّبعيّة ضعيفَ الإقبالِ وإن كانَ طيّباً ومباحاً،لكنّ المسلمَ القادر على  فهمِ عمارةِ الأرض في هذه الآية {هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} هو المسلمُ السّالم من فتنةِ البديلِ الإسلامي التي شبّهتْ الباطلَ بالحقّ،رغمَ أنّ في بعض البدائل الإسلاميّة التي يدّعيها المُفتتنون أصلاً إسلاميّاً أصيلاً قبل أن يهتدي إليه غربٌ ولا شرقٌ .. والله أعلم

المسألة الرّابعة عشرة 1433/9/14هـ

المعْجزات والكَرامات

(فُتِنَ) النّاس في فهمِ المعجزة والكرامَة على نطاقٍ واسعٍ من البلاء العظيم حتّى تركوا كلّ ما هو مؤصّلٌ وموثّقٌ في مصادر هذا الدّين،وأطلقوا العنانَ لخيالاتهم وأهواء أنفسهم،ليجيءَ اليوم من يُمطِرُنا بكثيرٍ من هوَسٍ لا يُسْمِنُ ولا يُغني من جوع،والفِتْنةُ التي تعلَّقتْ بالمعجزات والكراماتِ بسببِ فسادِ قلوب النّاس لم تكُنْ لتظهَرَ فينا ونحنُ أتباعُ نبيٍّ مُعجزتُه هذا الكتاب المبين الذي لا يأتيه الباطل من بينِ يديه ولا من خلفه،لكنّ الشيطان وهوى الإنسان يعرفانِ طريقَهما للثّابتِ في الملّة فيهُزّانِه في عقيدة النّاس،إذْ أنّ مِن النّاس مَنْ فِتْنتُهُ فيما يعلم أكثرُ من فتنةِ غيره فيما لا يعلم،فعرَفَ أُناسٌ ارتباطَ المُعجزات بأنبياء الله ورسله عليهم السّلام واقترانها برسالاتهم ودعوتهم لأقوامِهم،لكنّ إبليسَ لبّسَ عليهم فتكلّفوا تعجيزَ النّاس بمُعجزاتٍ لا علاقة لها بالدّين لا من قريبٍ ولا من بعيد،فثمرة كالبطاطس يتوهّمُ النّاظر أن فيها اسم الجلالة،أو صاحبُ أوهامٍ يرى في تحليقِ سِرْبٍ من الحمام في الجوّ اسم الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم،أو ذلكَ الذي ذهبَ بعيداً واستخدَم التقنيةَ الحديثَة وظنّ بأنّ تجمّع المسلمين في مكّة المكرّمة ليلة ختم القرآن الكريم مثله مثل عروضِ افتتاحات وختام المونديال وغيره،فرأى في صورتهم التي التقطتْ من علوّ شاهق اسم الله أو كلمة الاسلام،كلّ ذلك في هذا العصر الذي فَتَنَ النّاس في علمهم كما فتَنَهم في جهلهِم،وحينَ تأتي الكراماتُ على مخيّلة من أرادَ الله فتنتَه نحا منحى كتابٍ فُتنّا به ونحنُ سنّ المراهقة يُسمّى (آياتُ الرّحمن في جِهاد الأفغان)،ووجدَ هؤلاء الفاتنون والمفتتَنون ضالّتَهم في أنّ العلماء اصطلحوا على أنّ الكرامة باقيةٌ حتى تقوم السّاعة،فراحوا يدّعونَ كلّ خيرٍ على غير انتظارٍ كرامَةً بالمعنى الاصطلاحي لا بالمعنى الإيماني أنّ الله منحنَا الحياة وتلك كرامة،وأمّا القاصّون والبارعونَ في صياغةِ الحكايات والأخبار التي ما أنزلَ الله بها من سُلطان ففتنتُهم بعدَما نخرَتْ في مكتبة المسلمين القديمة انتقلَتْ للشبكة العنكبوتيّة مدّعيةً بأنّ هذا من أساليب الدّعوة إلى الله،فأساءوا وفتنوا وجهّلوا وتفّهوا ما يعلمه النّاس عن هذا الدّين العظيم،وجعلوا عدَّ الأرقامِ بناتجٍ يروقُ لهم محلّ معجزة القرآن العظيم،بينما مُنزِلُه قال عنه {تَنْزيلٌ مِنْ رَبِّ العَالمينَ}ونسجَ كثيرٌ من الثائرينَ قصصاً لمن يواجهونَ القتلَ والأذى على نسقِ ما جاءَ في صحيح السّنًة عن الصّحابة أيامَ وجود رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليهِ وسلّم بينَ أظهرهم ..

(يُنْجي) النّاس في فتنةِ إدراكِ كُنْهِ المعجزات والكرامات،بأنّ يعلموا بأنّ أهل التّوحيد الخالص لله غير المشوبِ باهتزاز العقيدة فيه أو في رسوله صلى الله عليه وسلّم فهِموا بأنّ الله تعالى في تقديره وما يفعلُه {لا يُسْأَلُ عَمّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْأَلُونَ} والأنبياءُ عليهم السّلام لا يملكونَ تِجاهَ طلبِ أقوامهم إلا أن يقولوا مثلَ قوله تعالى {سُبْحَانِ رَبّي هَلْ كُنْتَ إِلا بَشَراً رَسُولاً} وإنْ أَذِنَ الله تعالى لهُم قالوا مثلَ قولِ الله تعالى {اللّهمَّ رَبَّنَا أَنْزَلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءَ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوِّلِنَا وَ آخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} وما بعدَ المُعْجزة إلا الإيمانُ أو العذاب كما هو في حالِ الأمم قبلنا،وأمّا الله تعالى فقدَ حبانا بأنْ لا يعذّبْنا في الدّنيا كافّةً رغمَ وجود أعظمِ المعجزات وهي القرآن الكريم،وكفى بهِ مُعْجزةً في علوّ شأنٍ ورُقِيّ فهم وسلامة تفسير ورسوخِ تأويل،لا أن يكونَ إعجازه في تحميلِ النّصوص ما لا تحتملْ والقولِ على الله بلا علم،وعلى النّاس أن يعلموا بأنّ الكرامة لا تُطلَبُ ولا تُقصَدْ ولا يتهيّأُ صاحبها لها ولا النّاظرين إليها ليشهدوها،بل هي من لدنْ ربّ يهبُ بلا حساب،ويعطي بلا سؤال،وليسَ في الكرامة لازمةُ تصديق لكنّ فيها لازمُ تحقيق،وما اتّخذَ الأدعياءُ تصويرَ الكرامة مطيّةً إلا لأنّهم يعلمونَ بأنّها فِتنةٌ إنْ لم تكُنْ في الإطار المحدود الذي حدّده الله لها،وليعلمِ النّاسُ بأنّ كلّ أمْرٍ لهُ سبب يعلمُ النّاسُ أنّه يسبّب مثل ذلك ليس بمعجزة،وكلّ أمرٍ ادّعاهُ صاحبُه ومن ينافحُ عنه واستخدمه لهدفٍ معلومٍ أو مجهولٍ فهو فتنةٌ وليس بكرامة .. والله أعلم

المسألةُ الخامسة عشرة 1433/9/15هـ

الاقتصادُ الحُرّ

(فُتِنَ) النّاس في مجال الاقتصاد والمالِ منذُ أن خلقَ الله الأرض ومن عليها،وجعلَ الله تبارك وتعالى المالَ فِتنةً للنّاس،والمسلمونَ هم الأمّة التي أعظمَ الله لها في كتابه العزيز من تنظيمِ التعاملات الماليّة،وتقنينِ ما ينفعهم منه في الدّنيا ويحفظُ آخرتَهم من سوءِ المنقلبِ والمصير،لكنّ النّاسَ فُتُنوا في آثارِ ما يرونَه من مالٍ عندَ أهلِ غير ملّتهم على غرار ما رآهُ موسى عليه السلام وقومُه فقالوا {ربَّنَا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً في الحَيَاةِ الدُّنْيَا}واستحَكَمَتْ فتنةُ المالِ من المسلمين لحرْصِ غيرهم أن يسوّقوا نظريّاتهم الاقتصاديّة عندَهم،مبتعدينَ عن التّصريح بالضّرر الاجتماعيّ أو الدّينيّ،مركّزينَ على نواتجَ مادّية احتاجتْ لها البلادُ الاسلاميّة لبناءِ نهضةٍ يفتقدونَها،واغترّ المسلمونَ بحرّيةٍ ابتدَعها هؤلاء في اقتصادهم ملتمسينَ لأنفسهم العذر بأنّ الإسلام هو أوّلُ داعٍ للحريّة في مجال المالِ والحرصِ في المحافظةِ على الملكيّة الفرديّة الشّخصيّة،وقيلَ للسّوقِ اتّبعي أيّ طريقٍ تشائين،فلا موقفَ لكِ بعدَ اليوم،وأنتِ حرّة طليقة من أيّ قانونٌ أو دينٍ أو أحكامٍ تجعلُ الأرباحَ متوقّعة أو الخسارة مقدّرة،وما الفتنةُ هذه في مبدأ (الاقتصاد الحرّ) إلا تشريعٌ للظّلم بطريقٍ غيرِ مباشر في تفاعله وظاهرٍ في أثره،ولم يرضخ السّوقُ إلا لإلهينِ اثنين من هوى النّفس الأمّارة بالسّوء هما (العرض والطّلب)،ليقبضَ الأغنياءُ بفعلِ هذه الحبْكةِ المحرّمة على أعناقِ الفقراء،ويأسرَ الائتمانُ والأموالُ الهلاميّة البخاريّة الغازيّة غير المرئيّة كلّ مقدّراتِ الأمّة الاسلاميّة في سيطرةِ ديونٍ لا قضاءَ لها ولا انتهاءً،والنّاسُ في فتنةِ الاقتصادِ لم يسلم صغيرُهم ولا كبيرهم منها،حتّى من بقيَ على فقهٍ من أنّ الحرامَ بيّن والحلالَ بيّن،ضاقَ ذرعاً بشحّ الأتقياء فسلكَ مسلكَ الاضطرار،ليشارَك أولئك الذين فُتِنوا فألبسوا ما يرمونَ إليه لباسَ الشّرع وأدلّته،منساقين وراءَ الدّعاية والترويج ..

(يُنْجي) النّاسَ من فتنةٍ في اقتصادهم الذي أوصاهم ربُّهم أن حافظوا على نقائه وطهارتِه،أن يقفوا مع أنفسهم وقفةَ متأمّلٍ ويسألوها عن مصدر الرّزق،فإن كانوا يعتقدونَ حقيقةً بأنّ {اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ} فاللهُ أعلمُ بما يرزقُ به من أمرهم بالعبادة،وهو الذي شرَعَ لهم من الدّينِ ما يحفظُ أموالهم بجانبِ أنفسهم ودينهم وعقولهم وأعراضهم، والله هو الذي جعلَ للكسْبِ أسباباً منها حلالٌ ومنها حرامٌ،ولم ينزَعْ من الحرامِ سببيّة طبيعيّة للكسبِ والرّبح،لكنّه نزَعَ منه بركةً معنويّة تمحقُ كلّ تلك التّضخّمات الماليّة،وكلّ ذلك ابتلاءً لعباده المؤمنين،أيصبرون ويمتثلون؟ أم يخالفون فيُفتَنون؟ والله  هو الذي أجابَ بالقوْلِ الفصلِ في الفرقِ بين البيع والرّبا وقال {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} فالحكمةُ في الامتثال الذي يقودُ لرؤية الحكمة والعاقبة الحسنة في الدّنيا قبلَ الآخرة،والنّبيّ صلى الله عليه وسلّم هو الذي قال “رحِمَ اللهُ رجلاً سمْحاً إذا باعَ وإذا اشْترى وإذا اقْتضَى” وما السّماحةُ إلا مُكيّفةً للحرّيّة الإنسانيّة المفرطة،لتجعلَها تحومُ في حمى من خلَقها وأعطاها وبسطَ آخرها حتى حدودِ ما حرّمَ الله فلا يتعدّاها إلا من خالفَ دينَه،فأيُّ رحمةٍ ينشدُها من واهبِ الرّحمات الرحمن الرّحيم،وإن كانَ النّاس لا يعترفونُ ولا يدينونَ الله بأنّه الرزّاق المشرّع الحكَمُ العدْلُ،فذلكَ شأنُهم،سيعلمونَ منقلبَهم في الدّنيا،وعندَ الله مصيرُهم،لكنّ العاقلَ منهم قائمٌ على اعتقاده المادّي بالدَليل والبرهانِ الذي آتاهُ الله إيّاه ـ رغم كُفره ـ بأنّ شريعة الإسلام في الأسواقِ والاقتصادِ هي الحرّيةُ التي يطمحُ لها العالمُ بأسره،حتى ينجو من سندانِ القروض ومطرقة الاستغلال،والأصل في المعيار الأخلاقيّ السليم عندَ جميعِ النّاس أنّ الإنسانَ هو المتحكّمُ في سوقِه ليجعله في خدمة أخلاقه ومجتمعه،لا أن يكونَ السّوقُ هو المتحكّمُ في أناسه يحرمُ ضعيفهم البائس،ويغدقُ على غنيّهم المجرم .. والله أعلم

المسألةُ السّادسة عشرة 1433/9/16هـ

الحُكومة

(فُتِنَ) النّاس أجمعين في بلاد المسلمين كلّها في العلاقة بين الرّاعي والرّعيّة،حتّى أصابَهُم الكِبْرُ والغطرسَةُ والاستنكافُ عن الاعتراف بمواءَمَةِ وصْفِ الصّادقِ المصدوقِ صلّى الله عليه وسلّم للمسئول عن إدارة شئون المسلمين (بالرّاعي) ووصفِ الشعوبِ أو المواطنين (بالرّعيّة) ورأى بعضُهم في ذلك الوصف تشبيهاً برعْيِ الماشية ونحوِها،معتمدينِ على حصيلةٍ ضئيلةٍ في لغة عربيّة اختارها الله لساناً لكتابه المبارك،وحيثُ أكلَتْ الفتنةُ هذه من كمالِ إيمانهم ومصداقيّة اعتقادِ بعضِهم في الرسول الخاتم عليه الصلاة والسّلام،انكفأتِ الأنظارُ والأنفسُ نحوَ الصّدودِ الغالب أو الكامل أو الأعمّ عن هديِ الدّين الإسلامي في علاقةٍ منظّمةٍ منضبطةٍ راقيةٍ عادلةٍ بين والي المسلمين ومن وَلِيَ أمرَهم،فشرّقوا وغرّبوا وجرّبوا وخنعوا ثمّ ثاروا ثمّ استكانوا ورضوا ثمّ لاموا ودافعوا ثمّ استيقظوا فثاروا حتّى استمرأتْ أنفُسَهم الفتنةُ فلا هم أصلحوا ولا هم صلحوا،إنْ قيلَ عن الرّاعي أنّهُ حاكمٌ قالَ مفتونٌ {إِنِ الحُكْمُ إلا لله} وإنْ انتُخبَ رئيسٌ قال مفتونٌ كلّ النّاسِ رءوسٌ والرّياسةُ تمنعُ التّواضع،وإن نادى آخرونَ بالخلافة الإسلاميّة في فتنةٍ باطنُها شرٌّ وضرر اشتطّ مفتونٌ غضَباً في إباءٍ أن يكونَ العالمُ نسخةً مكرّرة للماضي،وإن تأمّرَ أحدُهم على المؤمنين،صدَحَ واعظٌ مفتونٌ بقوله تعالى {لا تَقُولُوا آمَنَّا ولَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ في قُلوبِكُمْ} ومَنْ هو مثلَ عمر بن الخطّابِ رضي الله عنهُ ليكونَ أميراً لأناسٍ أينَ هُمْ من صحابةِ الرسول صلى الله عليه وسلّم،وتستمرُّ الفتنةُ ليقبِضَ قادرونَ على زمامِ الأمور عنوةً،ويفوزَ مستهترون بأصواتِ النّاخبينَ خلسةً،ويعتلي عرشَ السيادة طغاةٌ وارثونَ سطوةً،ويتفرّقَ مطمئنّون آمنون في حبالِ التشرذم فتنةً،وتتعاقبَ حكوماتٌ دونَ خيارٍ للأفضل،وتتوالى جمهوريّاتٌ وممالكُ دونَ تذكّرٍ للمستفيد،وليسَ في النّاسِ واحدٌ إلا وهوَ يرى في نفسه سيّدَ قومه،وأولى بالملكِ من صاحبِ دولتِه،وإنْ أُوتيَ سعةً من المالِ لاشترى الكرسيَّ ببيعِ دينه وخلُقه،فإنْ رشَدَت الحكومة فُتِنَ النّاس لحدّ التقديس،وبجّلوا لدرجة التملّق،فقيلَ إنّما الملكُ لله وحدَه،فاحذروا من فسادِ عقيدتكم،وإنْ فسدَت الحكومة فُتِنَ النّاسُ وتقطّعوا شيعاً كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون ..

(يُنْجي) النّاسَ في فتنة الحكومة والدّولة والسّلطان أنْ يعلموا بأنّ ما شادَّ أحدٌ هذا الدّين إلا غَلَبه،ولا نازَعَ الإنسانُ هديَ ربّه إلا فَتَنه،وليعلمَ النّاسُ بأنّ أبلغَ ما وُصِفَتْ به عمليّة إدارة شئون العباد في الإسلام هو ما قاله صلى الله عليه وسلّم “كُلُّكم راعٍ وكلّكم مسئولٌ عن رعيّته” لكنّ النّاس أغواهم الشّيطانِ عن تذوّق معنى الرّعاية،وليعلمَ النّاس بأنّ الله تعالى سمّى الرّاعي فقال {إنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لكُمْ طَالوتَ مَلِكاً} وسمّاهُ فقال {يَا أَيُّهَا العَزِيزُ مَسَّنَا وأَهْلَنَا الضُّرُّ} وسمَّاهُ فقال {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} وَوَصَفَ ما أوتيهِ فقال {إِنَّا مَكَنَّا لهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلَّ شَيْءٍ سَبَباً} وسمّاهُ في مكانٍ آخر فقال {يَا دَاوودُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَليفَةً في الأرضْ فاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بالْحَقِّ}وسمّاهُ أيضاً فقال {إنِّي جَاعِلَكَ للنَّاسِ إِمَاماً} وسمّى المعاونَ فقال {اجَعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلي} وجعَلَ في بعضِ الأحيانِ قَتْلَ المفسدينَ طريقاً للرئاسة فقال {وَقَتَلَ داوودُ جالوتَ وآتاهُ اللهُ المُلكَ} وإذا فُهِمَ هذا فالرّسولُ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ بعَثَ السُّفراء،وأَمّرَ الأمراء،ونصّبَ الولاة،وعقدَ للشورى مجلساً،وخصَّ أهلَ الرأيِ ببعضِ الأمرَ،وانفرَدَ بالقرار حينِ المصلحة،والصّديقُ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ استوزَرَ عمر،ورضيَ بلقبِ الخليفة،والفاروقُ رضيَ اللهُ عنهُ أجابَ لمنْ ناداهُ أميرَ المؤمنين،وكلّفَ القضاة،ومن استوعَبَ هذا التّاريخ الشّرعي استفاقَ من غفلةِ التّسميات إلى مدلول صدقِ عبارات الهادي محمدٍ صلى الله عليه وسلّم بأنّ الجميعَ (راعٍ) في موقعه،والكلّ (مَرْعيٌ) في تبعيّته،ولا نجاةَ للنّاس من لغَطٍ في صراعِ الشعوبِ والحكومات،وفتنةِ المواطنين والدّول،إلا بإحسانِ الظنّ مع النّصحِ لله ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم،واستلهامِ العروة الوثقى بين الحاكم والمحكوم في السنّة والكتاب .. والله أعلم

المسألة السّابعة عشرة 1433/9/17هـ

قِراءة التّاريخ

(فُتِنَ) النّاسُ في تاريخِ من سبَقَهم من أسلافهم أو من أسلاف غيرِهم،وقرأوا التّاريخ تصديقاً وتكذيباً وترفيهاً واستدلالاً وإعجاباً وسُخطاً وحُزناً وفخراً،وقليلٌ منهم من قرأ التاريخَ تنقيةً وتدبّراً وتمحيصاً وتفرقةً بينَ الحقّ والكذب،وبين غالبِ الظنّ والإمكان،وبينَ المعقول والغريب،وبينَ الحجّة والدّليل ومجرّد الحكاية والإيراد،والفتنةُ القائمةُ في قراءة التّاريخ مبنيّة على فتنةٍ في ذات تدوينِ التّاريخ وكتابته وتوثيقه،حيثُ لا يُمكنُ ـ إلا في القليل ـ التثبّتُ من الصّدق،حتى يتّفق النّاس على صلاحيّة الذكر أو الاستشهاد،فكيفَ إذا كانَ النّاسُ تجاه التّاريخ تاركينَ لأنفسهم وهواهم العَنان ليكونَ التّاريخُ مأزقاً يوقعهم في وحْلِ البقاء في ملاحمِ الماضي ومفاخِرِه،وطينِ الأسى والمقْتِ والإحباطِ من نكساتِ التّاريخ وفضائحه،ونارِ الهدْمِ والتّغييب لكلّ ما قد فاتَ وحدَثْ صدقِه وكذبِه،ومِنْ ثمّ فتنةُ الافتراق بوسائل مختلفة للنّيل من ثوابتِ التّاريخ مهما كانت،والسّخريةِ من حوادثِ الآباء والأجداد أيّاً كانت بيئتهم وظروفُ عيشهم،والإتيانُ بالفهم الغريبِ والاستيعابِ المقلوب للتوثيقِ أو التّلفيق،فمَنْ أعجبَهُ التّاريخُ ضاعَ وقتُه في الاقتياتِ بزواهِره،فَفُتِنَ عن حاضره،ومن أغضبَهُ التّاريخ التمسَ غيرَه،فَفُتِنَ عن أصلِه،ومنْ كذّبَ تاريخاً افترى ضدّه،فَفُتِنَ عن منهجيّتِه،ومن راقَتْ لهُ قصّة منفردة في التّاريخ أو حدَثٌ منفصل زوَّرَ مثلَه وكرّرَ زمنَه،فَفُتِنَ عن دينه،ومن آمنَ بالتّاريخ مؤثّراً في تسلسل ثقافة الشعوب وأحوالهم،جعلَ منهُ أعذاراً لمعصية الله ورسوله،فَفُتِنَ في تبريره،وكم من قومٍ قرأوا التّاريخ فقدَّسوا سفّاحاً أو سفَّحوا مُجاهداً أو أنكروا دليلاً أو استشهدوا ببهتانٍ أو يئسوا فانتحروا أو انْتَشوا فرَكنوا وأهملوا أو اختاروا فدَرَّسوا وحَرِصوا فغيَّبوا،أو فُجِعوا فزَنْدَقوا وأَلحدُوا ..

(يُنْجي) النّاسَ في فتنةِ الاطلاع على ما بينَ أيديهم من تاريخٍ كتبَهُ ونقلَهُ إليهم أناسٌ أمثالُهم،أن يفهموا بأنّ اعتمادَ الحُجّية والتصديق والتعاطي قائمٌ على النّاقلين لمن ملَكَ آلةَ التّمييز،وللمسلمين في التفتيش عن دُررِ الصّادقين سبقٌ واستحقاق،ثمّ ليعلم النّاس أنّ أعظمَ مقياسٍ على قراءة التّاريخ هو الكتبُ السّماوية،والقرآن يثبِتُ بأنّ في التاريخ الذي لهُ من الواقع شاهدٌ عبرة {قُلْ سِيرُوا في الأَرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبةُ المُجْرِمينَ} وفي التاريخ كذِبٌ وافتراء {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكتَتَبَهَا فَهِيَ تُملَى عَلَيهِ بُكرَةً وَأَصِيلًا} وفي التّاريخ تزويرٌ وتحريف {فَبِمَا نَقضِهِم مِّيثَاقَهُم لَعنَّاهُم وَجَعَلنَا قُلُوبَهُم قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} وفي التّاريخ استمرارٌ واتّصال {كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} وفي التّاريخ ما هو أفضلُ من الحاضر {‏فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا‏} وفي التّاريخ ما هو أسوأ ممّا نحن فيه {قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} وفي التّاريخ مثلُ اللحظة الحاليّة {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ} ومن التّاريخ ما هو حجّة {وما آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} ومن التّاريخ ما ليسَ بالفرْض للتقليد {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} وللنّاسِ إن رغِبوا في نجاةٍ من سيطرة التّاريخ على فِتَنِهم أنْ يقرأوا التّاريخ بعين المتبصّر،وأُذنِ المُصغي،وقلبِ المؤمن،وعقلِ المستدرِك،ومنهجيّة الدّين،وسلوكِ الأديب،وأمانة المسلم،وسلاحِ المتعلّم،وليتيقّنوا بأنّ من التاريخ ما قتَل .. واللهُ أعلم

المسألةُ الثّامنةُ عشرة 1433/9/18هـ

عالم الرّياضة

(فُتِنَ) النّاسُ فيما أسموه الرّياضة،وجعلوا من تسميتِهم هذه حرزاً وحجاباً دونَ المساسِ بما يريدون استيعابَه فيها،فلا يُخضِعونَها لأيّ مناخٍ من مناخاتهم المتأزّمة ـ في الظاهر ـ هرَباً من واقعٍ أوقعَهم في تناقضٍ وحرَجٍ مع أنفسِهم ومع الآخرين،واستلقَفَ قومُنا شيئاً من هذا المفهوم مفتونين مثل فتنةِ من أعجَبَهم،ولكنّهم انتحلوا بذلك شخصيّة الحياديّ في تحيّز،ومظاهرَ المنصِفِ في ظلم،ونمطَ التطوّر في تخلّف،فما استطاعوا مقارَعةَ اللّهو بالّلهو،ولا ملاقاة البحْتِ بمثلِه،فكانوا كمنْ استخدَمَ دواءً بإفراطٍ حتّى قتَلَه،ومن الفتنةِ أن جعلوا غاياتٍ لاتّجاهاتهم الرّياضيّة تبهَرُ السّامعين بدعوتها “للعقل السّليم في الجسم السّليم” وترويجها “لشغلِ أوقاتِ الفراغ” وإعلانها “أنّ الرّياضة أداة لاختلاط الشّعوب وتصالح المجتمعات” في الوقتِ الذي تصدّى من قومِنا أهلُ فتنةٍ آخرون وربطوا كلّ الرّياضة بالعبَث،وجميعَ الرّياضات بتقليدِ الكفّار،وزعموا بأنّ أساسَ الأمر غزوٌ فكريّ،وتقديس آلهةٍ خفيّ،فشُغلوا عن أجسادهم بما لم يطيقوا الصّبر عليه فعادوا وقدْ فُتِنوا أكثرَ من ذي قبل بابتداعِ رياضات إسلاميّة لمْ تجذب روّاداً ولم تحظَ بتأييد،ولكنّ الأعظم والأخطر أنّ الرّياضة في زماننا هذا فتنةٌ على كلّ الأصعدة،استعبدَتْ اللاعبينَ فباعتهم واشترتْهم،وأشغلت الحكومات فألهتهم عن صحّة مريضهم،وأخذَتْ بقلوب الجماهير فأماتتْهم في تجمّعاتهم فطيساً،وأوغرَتْ صدور قومٍ على قومٍ فزرعت بينهم الفتنة وسخّرتهم للحرب،ومزّقَتْ في الشّبابِ عضلاتِ أطرافِهم حتّى أضحوا يقضونَ باقي أعمارهم في ذكريات الزّمنِ الجميل دونَ دورٍ كما هو لغيرهم ممّن هم مثلهم في الغرب،ومن الفتنةِ أن يكونَ للرياضة العالميّة بروتوكولات ومواثيقٌ وقوانين وأنظمة يصعُبُ اختراقها وتندُرُ مخالفتُها،ليتدرّبَ الضّعفاءُ من المسلمين على الاستكانة لنظامٍ من غيرهم ومواثيقَ ظالمة تُفْرَضُ عليهم،وغايةُ الفِتنةِ أن تكونَ الرّياضةُ حقٌّ للجميع أمامَ أعينِ الجميع،في كلمةِ حقّ أُريدَ بهِ باطل ..

(يُنْجي) النّاس من فتنة الرّياضة أن يعلموا بأنّ الانتهاءَ لمشروعيّة أيّ فعلٍ من أفعالِ المسلمينَ بدليلٍ على أنّ أصلَهُ حلالٌ لا يُنجيهم من تبِعَةِ إفساده بما يدخُلُ عليه من مخالفاتٍ تُغيّرُ أصلَه،وتنسِفُ فائدتَه،وليعلموا بأنّ إقناعَ النّفس بأنّ في السّبقِ والتّسابق والتّنافسِ على ما لا فائدة من ورائه إلا أموراً تُرجى فائدتُها في غير الرّياضة أمرٌ في غايةِ السّخف والتّضليل،وليفهَمَ النّاسُ بأنّ مقاصد الشّريعة تقومُ على “أنّ الأمورَ تُقدّرُ بقدَرِها” وأنّ الحلالَ والحرامَ في عالم الرّياضة ليسَ متوجّهاً لأصلِ المفهومَ حتّى يثورَ الفاسقين ضدّنا،وإنّما من حقّ ربّنا علينا أن نقولَ عن الحرامِ حراماً ولو كانَ في بعضِ أفعال الصّلاة أو أعمال الحجّ،فما بالك بالرّياضة،ولا ينسَ النّاسُ بأنّ من علاماتِ آخر الزّمان اجتماعُ الخلقِ على التّافهِ من الأمر،والفاحشِ من القول والفعل،وغيرِ المهمّ من القضايا،ثمّ إنّ النّجاةَ في عالمٍ تحكَمَت الرّياضةُ في أركانِ رفعةِ دُوَلِه أو ذلّتهم هي العزّةُ بالدّينِ في النّفوس والسّلوك قبلَ أن تكونَ في السّجود شكراً بعدَ تسجيل الأهداف،أوتغطيةِ المرأة رأسَها وهي تتفنّنُ في استعراضِ جسدِها،أو في التوقّفِ لأداء الصّلاة في أثناءِ لُعبةٍ بُنَيَتْ على الحرام،والله تعالى يقول {أئنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَ تَقْطعُونَ السبِيلَ وَ تَأْتُونَ فى نَادِيكُمُ الْمُنكرَ فَمَا كانَ جَوَاب قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كنت مِنَ الصدِقِينَ} وما المنكُرُ المذكورُ في الآية إلا غير الفاحشة التي وصِفَ بها هؤلاء،وما النّادي إلا مثلَ أمكنةِ اجتماعاتِ قومٍ للّهو دونَ شرعٍ من كتابٍ وسنّة،وليعلمَ القائمون على شئون النّاسِ بأنّ ما ينفقونَه من مالٍ على الرّياضة ولو كانت حلالاً فهو في غير الأولى وفي خلاف الأجدى للإسلام والمسلمين{فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} ولا يسعُ النّاسَ في فتنتِهم في الرّياضة إلا أن يعوا خيرَها فيلتقطوه،ويعوا شرّها فيقطعوه،ولا يتخطفنّهم لاعتباراتٍ زائفة بريقُ ما فيهِ غيرُهم فيهلكوا .. والله أعلم

المسألة التّاسعة عشرة 1433/9/19هـ
الشّائعات
(فُتِنَ) النّاس فيما يُطلِقونَه هم من أخبارٍ ويروونَه من أحداث،ورأسُ فتنتِهم أنّهم راموا التبشير أو الإنذار فجانبوا الصّدقَ أو بعضَه،ومن فعلهم أنّهم تجرّأوا على الكذب فلم يحذروا من طريقِه،واستهانوا بعدمِ التّحرّي فسُجِنَتْ أفئدتهم في الشأئعات إرجافاً أو تخويناً وجُبناً،وجعَلتُهم هذه الفتنة الآخذة بحبالِ فتنٍ من فوقها ومن تحتها يسعونَ لتحقيق المتوقّع،وتكذيب الواقع،وتكرار المثلِ من القول دونَ أن يكون في القومِ رجلٌ رشيد،فلا حدودَ للشائعات أن تسري في النّاس كما تسري النّارُ في الهشيم،تقتلُ منافقَهم،وتعينُ طاغيتَهم على جبروتِه،وتهدمُ أواصر ذوي القربى،وتُجبِرُ نفسيّات بعض المرضى على التّصديق فيوهمهم الأمر المشيع بما لم يحدث ولن يحدث،والعائدُ بغتنة الشّائعات لأصلِها يقفُ على هشاشة الدّينِ فتنةً وانحرافاً عندَ من يستخدمُها لأغراضٍ أو مراميَ يصلُ فيها لمآربه،والمساكينُ من النّاسُ في ضعفِ عقولهم وتردّي فهومهم هم الذين يظنّونَ بأنه بإشاعةَ المكذوبِ يصدُق،وبترويجَ المتوقّع يقع،حتى ولو صادَفَ ذلكَ قدراً،فالاستجابة للشائعات ضعفٌ في البناء،وبناءُ القرار على الشّائعات إيهامٌ بالعطاء،وفِتنتهم في صناعةِ الشّائعات جعلتْ بعضهم ينظرُ لدراسات أجنبيّة بحتة في السّلوك الإنساني من هذه النّاحية نظرةً تصبّ في إناءَ ينضحُ بما فيه،لا يعنيه ما هدِفَ إليه الدّارسون أنّ ذلكَ طريقٌ للإقناع بالحقّ لا سبيلٌ للتّهييج مع كلّ ريحٍ يميلُ قومي حيثُ مالَتْ،كيفَ والشّائعات وجَدَت المناخ المناسب في سهولة الطّيران في كلّ حدْبٍ وصوب بما منحتْهُ التقنية الحديثه لها من خاصّية استثمرَ فيها العرب وقتَهم وجهدَهم فخسروهما ولم تسلمْ أموالهم ولا أعراضهم من آلاممها،فتنة الشّائعات أودَتْ بالعقل العربي المسلم أن يتقلّبَ في متناقضات الدّين،وغرائبِ الأخلاق،وسلبيّات الأمراض الاجتماعيّة،والعوق النّفسي المُحْزِن،حتّى جاءَ أناسٌ اليوم يحلفونَ على الكذب وهم يعلمون،ويثقونَ بالغريب قبل استنطاقِه،ويحسبونَ كلّ صيحةٍ عليهم ..
(يُنْجي) النّاسَ من فتنةِ الشّائعات والمشهورات من الأمور والأخبار أن يعودوا للتأكّد من أنفسهم هل هم أسوياءُ الخِلْقةِ الفِكريّة أم نالَهم ما نالَ آخرينَ قتلَهم حُمْقُهم،وأن يفهموا بأنّ أغربَ الأخبار لا يمكُنُ تصديقُّها وانطلاؤها على السّامعين إلا بهذه الطريقيّة في معرفة أكبر عدد منها فيصبحُ التّصديق في الشّعور أكثر منه في الفكر،وليعلمَ النّاس بأنّ الله تعالى قد قال في القاعدة التي يتعاملُ بها المسلمُ مع الأخبار {إِنْ جاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأً فَتَبَيّنوا} ومن أفسقُ ممّن يروّجُ لكلّ شيءٍ يسمعه أو يسعى للاستماع إليه،وقال أيضاً في العاقبة المريرة للشّائعات إنْ أصبَحت مناطَ التصرّفات والاعتقادات والثّقافات {أَنْ تُصِيبُوا قَوْمَاً بِجَهَالَةٍ} ومن هو أكثرُ جهلاً من غالب أقوامنا الذينَ يقولون ويسمعون وينشرون في إصابةٍ لأنفسهم وإخوانهم دونَ رأيٍ سديد ولا قولٍ فصل،وقال أيضاً عن الحالِ الذي تصنعُه الشّائعات بعد حين،حيثُ لا تلبث أن تتكشّف الحقائق ويأخذُ الهون بتلابيب الأنفس من أثرِ تعاقب شائعات استهلكَتْ فرحاً أو حزناً أو غضباً أو مواقف دونَ داعٍ ولا ناتج {فَتُصْبِحوا عَلى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} وأيّ ندامةٍ أقسى من وطننا العربي وعالمنا الإسلامي الذي ما استطاعَ مقاومةً للكافرين بسبب كثرة شائعات المسلمين،وحسبُ الإنسانِ في نجاةٍ من فتنة الشّائعات قوله صلى الله عليه وسلّم “كفى بالمرءِ إثماً أن يحدّثَ بكلّ ما سمعَ” لكي لا يكونَ داعياً إلى فتنةٍ يثقلُ كاهله بوزرها،وحسبُ النّاس في نجاةٍ محقّقة من شائعات أقوامهم وأعدائهم أن يقرأوا قول الله تعالى {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} ثمّ يطبّقوه .. والله أعلم

المسألة العشرون 1433/9/20هـ

الابتعاث للخارج

(فُتِنَ) النّاس في وطني بما اهتمّ به وليّ الأمر حينَ أمرَ بإنشاء برنامج يحمل اسمه الغالي والكريم لتنظيم وتخطيط ابتعاث الطلاب والطّالبات للدراسة خارج وطنهم،وعمّتْ الفتنةُ النّاس في بيوتهم وأماكن عملهم،وطَغَتْ على نفوسهم وتفكيرهم وسلوكيّاتهم تجاه من هم أوصياءُ عليه،ورغمَ أنّ ما سعَتْ لهُ الدّولة ممثّلةً في وليّ الأمر هو التعليم ولا شيءَ غير التّعليم،وجاهدَتْ لتكونَ راعيةً لهذا الكم الهائل من الشباب والشابات في أماكن غربتِهم،إلا أنّ الفتنةَ قائمة بدعم فوضويّة الفهم،وفساد التّطبيق،وهمجيّة الاختيار،تقليدٍ أعمى لم يُبْقِ ولم يَذر،فلا قِبَلَ لكثيرٍ ممّن هو موجود خارج الوطن خاصّة في بلادٍ لا تدينُ بالإسلام بشرورٍ كانَ وهو في وطنه يرنو إليها وتَعَباً يجدُها أو تتسنّى له،والافتتانُ في الابتعاث وتغيير بيئة العيش والدّراسة ليست منحصرة في أفقٍ ضيّقٍ يظنّ قارئ هذه السّطور أنّها سببُ الحديث،لتكونَ منصبّة على كثيرٍ من المحرّمات قد يرتكبُها الطالب أو الطّالبة هناك في غيابِ رقيبٍ تعوّدَ عليه هنا،أبداً،فالأمر فتنةٌ أعظمُ من ذلك،حيثُ القابضُ على دينه في بلاد المسلمين في زماننا هذا كالقابض على لهَبٍ يشتعل،فكيفَ هو حالُ من كانَ في غيرها؟ وما فتِنَ به هذا الجيل الشاب بأولاده وبناتِه هو أن لا تكونَ لديهم الحراسة الكافية ليأخذوا ما ذهبوا من أجله فقط،دونَ أن يكونَ الوقت الذي يمضونَه هناك سبباً لازدرائهم أهلَ ملّتهم،وجيرانِ قريتِهم،ومساكين وطنهم،ويكونَ المناخ العام الذي عاشوا فيه سبباً لأنْ يفقدوا الثّقة في أنظمتهم وقوانينهم وسلوكيّات أفراد بلادهم ودولهم،وتكون الطّبيعة العامّة لكلّ بلدٍ مكثوا فيه سنينَ عديدة مؤثّرة في نفوسهم لدرجة أنّهم أدمنوا الابتعاث ليبحثوا بعدَ إكمال دراستهم عن الإيفاد،ثمّ الانتداب،ثمّ الإعارة،ولو وجدوا ملجئأً أو مغاراتٍ أو مُدّخلاً يبقيهم في تلك البلاد لأسرعوا إليه وهم يجمحون،فلا يعنيهم بعد ذلك وطنٌ احتاجَ لهم ولا تسلسل دراسةٍ ابتدائية ومتوسطة وثانويّة أوصلتْهم للتأهّل لهذا الأمر،فلا نعمةَ محمودة،ولا خيراً يُذكَر،ومن الفتنة في الابتعاث أن يعيشَ الآباء والأمهاتُ في أجواءَ تعصفُ بها المفاخرة،وتسدّ أفقها خيبةُ الأمل،وتُفرِغُ عواطفها طولُ الغياب وفقدان شهيّة اللقاء،وكذلك ما يلحقُ بالبعض من صدَماتٍ في فلذاتِ أكبادهم جعلتِ العقوق علامةً فارقةً للمجتمع العربي،واحتقار الأقارب والأرحام مرضاً تفشّى في كلّ البيوت،ولعلّ الفتنةَ هذه لم تُغفِل التّعليم حتّى رسّخت في أذهان كلّ العالم المستضيف لأبنائنا وبناتنا أنّهم قومٌ لا يفقهون،وإن فقِهَ بعضُهم فهم في غيّهم يعمهون،وإن سلّمَ الله بعضهم مع فتْحٍ في تعليمه فذلك بالعالم الذي استضافَهُ أولى من بلده،ومن يسأل عن هذه الفتنة فلهُ أن يزورَ أيّ مركزٍ إسلاميّ في أيّ دولةٍ من الدول الصناعية الكبرى التي تعجّ بالمبتعثين والمبتعثات،ثمّ لينظُر هل هم هناك؟

(يُنْجي) النّاس من فتنةٍ في الابتعاث أن لا ينسوا كثيراً من الفتاوى لعلماء كنّا نحسبهم راسخين في العلم،وماذا قالوا في سكنِ المسلم في بلاد غير المسلمين،وماذا وضعوا من ضوابط لذلك،وماذا سطّروا من ضروريّات تحملُ المسلمَ على ذلك،ثمّ ليعلموا بأنّ الله تعالى قد قال {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ومن يعرف معنى السّير يفقه معنى السّفر،ومن يدرك أفق النّظر والاعتبار يعصمُ نفسه ومن يعنيه أمره من فساد قومٍ آخرين،وعلى النّاس أن يتذكّروا بأنّ تعليماً ظاهراً من الحياة الدّنيا بلا دين أفضل منه إبطاءُ معرفة مع رسوخِ سلوك،وفي الابتعاث المتعقّل مندوحةٍ عن جعل الأمر حقّاً للجميع،وفي قوله تعالى {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} جرسُ إنذارٍ لكلّ أبٍ أو أم يخشيان مساءلة الباري عن ذريّتهما،ثمّ لينظر النّاس لهذه الفتنة بعين الاعتبار أنّ المقصود ليسَ المكوث في آخر الرّكب،ولا تحريمَ الدراسة هناك،ولا الحثّ على الجهل،إنّما المقصودُ أن يعي النّاس ضريبةَ ما هم مقدمون عليه فيسعوا لأن يكونَ ما يقومون به من احتياطاتٍ استثنائيّة كفيلاً للحدّ من فتنةٍ تودي بعصبِ هذه الأمة لهاويةٍ تقضي على الدّين في قلوبهم،وعلى الدّين في قلوب من يغارُ منهم،ولعلّ هذه الآية القرآنية تشيرُ من بعيدِ استيعابٍ أنّ على الغافلين أن يكونَ قدر استفادتهم ممّن يخالفهم الدّين قدرَ من يحتاجُ إجابةً على سؤالٍ محدّد،وحينَ تكونُ الأمور عائدةً على قدسيّة الأديان وتمسّك أهله به بالزّعزعة والضّرر فذلك خطّ أحمر لمن يفهم لغة الألوان،والآية تقول {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} ومن النجاة أن يقوّمَ القائمون على برنامج الابتعاث هذا التجربة تقويم الحريص على مصالح المسلمين ودينهم وشبابهم،ثمّ ليعالجوا الخلل ويتداركوا المصيبة قبل أن تفتك بالأخضر واليابس،ويخلفَ خلفٌ يجعلون الابتعاثَ تجنيداً إجباريّاً .. والله أعلم

المسألة الحادية والعشرون 1433/9/21هـ
السّحر والشّعوذة والجنّ ومعرفة الطّالع
(فُتِنَ) النّاس فيما يزعمونَه عالماً سُفْليّاً أو علماً خاصّاً أو معرفةً روحيّة حتّى شُغِلَ كثيرٌ منهم بهذه الأشياءَ زاعماً أنّها تعينه على خير أو تحميه من شرّ،وليس الّسحر وحقيقته والجنّ وصدق وجودهم والدّجل والشّعوذة وانتشارها والتّنجيم والأبراج إلا أدواتِ تخدير ومعاول تزوير وعوامل أسرٍ للنفوس لتنصرفَ عن الحقّ وتتركَ الالتجاءَ لربًّ خلقها وملكَ إنشاءها وعاقبتَها،والفتنةُ في مثل هذه الأمور لم تُصِبْ المقتنعين بها والراغبين في تسويقها،بل أصابت المحاربينَ لها،والسّاكيتن عنها،والجاهلينَ بها،ففتنةٌ مثل السّحر إنْ هيَ لم تفتك بدين السّاحر والمسحور له فتكَتْ إن سخّر الله لها النّفاذ بالمسحور وأضرّت به وأشغلتْ أهله إمّا بضرره والحزن عليه أو بالعودة ليوسوس لهم الشّيطان أنْ داوِها بالتي كانت هي الدّاء،وفتنةٌ مثل العراكِ مع الجنّ والسّجال في كنههم ووجودهم وتأثيرهم جعلَتْ الجنّ يسخرون من بني آدم أن لا يلتفتوا لبارئهم الذي خلقَ الإنس والجنّ وشرَعَ للاثنين من الدّين ما يقيه شرّ الآخر،ومهّدَتْ فتنةُ الجنّ للكذّابين أن يكذبوا كلٌّ حسبَ تخصّصه حتى فتَنَت من يحفظُ القرآن وجعلتْه يتخصّصُ في تمهيدِ طرقٍ لخروج الجنّ من أجساد النّاس دونَ حوادثَ مروريّة،وفتَنَتْ أهل الوسوسة والتّخريف أن يستخفّهم الشيطان فيزعمونَ رؤية الجانّ الفلاني والجنّية الفلانيّة،وأوقعتْ العقلاء في فتنة إنْ كذّبوا اهؤلاء بأنّهم ينكرونَ القرآن الكريم ممّا سيسمحُ لمخالفيهم بوسْمهم بالكفر،ولا ريبَ بأنّ السّحر والشعوذة ومعرفة الطّالع والتنبّؤات كلّها من خاصّية من لا يدينُ بالإسلامِ أًصلاً،حتى لو تبجّحوا بتقدّم علمي ورُقيّ حضاريّ معتمدٍ على المحسوس والمادّي من الأمور والدلائل،ففي كواليس السّياسة والتّجارة والاقتصاد والطّبّ والحرب والسّلم والرّياضة والاختراع أحياناً تعاملاتٌ بمليارات الدولارات بين السّحرة والكذّابين وبينَ من لا نصدّق اتّجاههم هكذا اتّجاه من مشاهير العلم أو الفكر أو الاقتصاد،ونجوم الرّياضة الذين يحبّهم المشجّعون،ومن لا يصدّق هذه الفتنة فيهم فليقرأ في تقارير هم كتبوها وهم نشروها،أمّا قومنا وبنو جلدتنا وإخواننا في الدّين فقد فتَنَهم السّحر بين الركونِ إليه خلسة وفي الخفاء وبين شنّ حملةٍ شرسةٍ عليه دونَ علم ولا هدى ولا كتابٍ منير،وجعلوا من الإعجاب بالمنجّمين ومن يتوقّعون لهم الخير أو المكسب أو السيطرة بل وحتى الزواج والذّريّة جعلو من ذلك هوايةً زاعمينَ عدم التّصديق وهم له راكنون مستهيمون،وفتحتْ الفتنةُ هذه باباً واسعاً لما يسمّى بغسيل الأموال لتختلط كلّ المحظورات مع بعضها البعض بداية من الكذب والافتراء حتى وصلتْ لتغيير الدّين ومحاربة الملّة،مروراً لا محالة بالمجون والسّكر والغرائز الحيوانيّة والاتّجار بالبشر،فقُتِلَ الإنسانُ ما أكفَرَه ..

(يُنْجي) النّاسَ من فتنةٍ في مثل هذه الطّلاسم والخزعبلات والحقائق المحشوّة تخويفاً وتزييفاً أن يعلموا بأنّ ربَاً خلقَ الإنس والجنّ قال {خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ صَلْصَالٍ كالفَخَّار وخلَقَ الجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نارٍ} فلا قائل بعدم الوجود إلا من خفّ عقلُه وقلّ دينه،وأنّ الله أنزلَ لنا سوراً وآياتٍ في القرآن العظيم تقينا كلّ شرّ حتى ولو كانَ من عوالم لا نعلم حقيقةَ تعاملها معنا،وأنّه سبحانَه قال بصريح العبارة {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} فإذا كانَ السحر تعليمٌ فليكن النّاس على حذرٍ من تعليمه ونشره وبثّه بأية طريقة كانت،وليعلموا بأنّ مواجهة مثل هذه المخالفة الشّرعيّة لن تكونَ بنفي التأثير وزرعِ تناقضِ الحقّ بين النّصوص والنّصح،بل تكون في توجيه النّاس للأفضل والدّين القويم في هذا المجال،ولن يغنيَ بعض النّاس عن أسحارٍ وشبه أسحارٍ دأبوا عليها طبيعةً وتعويداً إلا أن تمتلأ قلوبهم بالإيمان الذي لا يجتمع في قلب مسلم مع الخوف من كائنٍ من كان غير الله الواحد الدّيّان،ويُنجي النّاس من استجابتهم للانبهار بصدق تبؤات الكاذبين حينَ يتحقّق ما تكلّموا به بأن يعلموا عن صدق وإخلاص بأنّ الله تعالى قال {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} ومقتضى هذا النّص بأنّ من علِمَ أمراً بحدْسٍ أو توقّعٌ أو إخبارٍ من أحدٍ ما فلم يعلم الغيب،إذْ أنّ الغيب ينحرفُ عن كونه غيباً طالما علمه مخلوق،ثمّ ليدركَ النّاس أنّ لله في كونه ترتيباً وله في خلقه طبيعة سائرة وفق نظام،سمحَ ربّ العزة والجلال للإنسانِ إن أعمل فكره أن يكتشفَ تسلسل أداء بعض المخلوقات قياساً بماضٍ معيّن أو متابعة وملاحظةٍ معيّنة،ومن علِمَ ذلك توقّع،ومن توقّع قد يصدق توقّعه،وكلّ ذلك لا يغيرّ من قدر الله شيئاً،ولا من صدق قوله وحديثه بأنّه المستأثر بالغيب وحده،ومن أرادَ النّجاة في دينِ الله من فتنة في السحر والشعوذة والجنّ ومعرفة الطّالع فليتعوّذ بالله من الشيطان الرّجيم،وليسأل الله الخير في حاضره وعاقبة أمره،وليجعلَ من الأمور المستقرّة في قلبه أنّ شياطينَ الإنس والجنّ يوحي بعضهم إلى بعض زُخرفَ القول غروراً،وليكن في قلبه من الإيمان ما لا يدع مجالاً ليزاحمه فيه قلقٌ من هذه الأمور .. والله أعلم

المسألة الثانية والعشرون 1433/9/22هـ
السّلاح

(فُتِنَ) النّاس في أسلحةٍ يدفعونَ بها باغياً،أو يُرهبونَ بها عدوّاً،أو يعتدونَ بها على ضعيف،أو يفرحونَ بها حينَ فخْر،وغلبَت النّاس شقوتُهم لمّا جعلوا من السّلاح علامةً للقوّة ولو كانَ ما يدفعونَ به عنه خاوياً من كلّ ما تعتدُّ به الأمم من موروث وموجود وحضَريّ،وللفتنةِ في السّلاح أشكالٌ وألوان حظِيَ كلٌّ مفتونٍ بنصيبِه منها مارقاً من توجيهات الدّين حيال هذه السّنة الإنسانيّة لله في كونِه،وما الجاهليّة الأولى إلا دليلٌ على أنّ ما من قبيلةٍ أقوى من قبيلةٍ إلا هي أكثرُ منها قوّة في السّلاح المتزامن مع أكثريةٍ في العدد،واستطاعَ الإنسانُ ببطشِه وجبروتِه أن يراقبَ ما يزهقُ حياةَ أخيه الإنسان فيجتهِدَ في اختراعِ وسائل وأدواتَ أكثرُ فتكاً وأسرعُ قضاءً على الخصم،وما زال إنسان هذه الأيّام يسخّر علمه وأبحاثه واختراعاته ليكونَ القتلُ الجماعي والإبادة العامّة هي الأملُ في أسلحة تشابكت أسماؤها بين الكيميائي والبيولوجيّ والنووي وغير ذلك كثير،وما يفتنُ النّاس في السّلاح ليسَ هو استثارة النّزعة الشرسة في النفوس من حبّ السيطرة ومُلكِ مصير الآدمييّن فقط،بل ليكونَ السّلاحُ هو آلةُ فرضِ العقائد والأديان،والإقناع يالثقافات والرؤى،ونشر الأساليب والأولويّات،بل ليكونَ السّلاحُ وسيلةُ الضّغط الأولى على ضعافِ العوالم ومساكينِ الدّول،من جهةِ احتكارِ تصنيعه وإنتاجه،ومن جهة الهيمنة والسّيطرة التي تُرهبُ كلّ من رامَ نقاشاً أو اعتراضاً،وقومُنا اليوم بأسلحتهم التقليديّة التي لا زالَ كافرونَ يصنّعونها لهم ويصدّرونها إليهم مفتونون في اقتناءِ أسلحةٍ يطلقونها في الهواء الذي لا يستطيعونَ غيره ابتهاجاً كاذباً وتقليداً فارغاً،حتى جاءَ من نسلهم وأحفادهم من لا يُتْقِنُ هذا الفنّ الخبيث فأصابَ بناره إخوانه وأبناءَه وجيرانه وضيوفَه،إنّها فتنةٌ جعلتْ السلاحَ الأبيض سبيلَ الباحثينَ عن العيْش،والسّلاحَ الفسفوري سبيلَ الكارهين لحقّ النّاس في العيش،والسّلاحَ الكيميائي وسيلة إرضاخِ أيّ صاحبِ رؤية تختلف،والسّلاح النووي وسيلةَ حوارٍ بينِ فئة تدّعي الإسلام ودولٍ صناعيّة كبرى،وفتنةُ السّلاحِ في سباقِ التّسلّح في بلاد المسلمين جعلَت كلّ من يراقبها يغضبُ أن سلاحاً صدأَ وانتهت صلاحيّته ولمّا يُستخدَم إلا في صدور المعارضين،ورءوس الثوّار،ومن يعرِفُ علاماتِ الفتنةِ ومصيبة ابتلاء الله بها في النّاس يرى في تلك الخناجر والسّيوف الغالية في أثمانِها فتنةً من نوعٍ آخر للعربِ بالأخص والمسلمين بالذّات،وكأنّهم يُسلّونَ أنفسهم بها غِيرةً ممّا لدى آخرين ..

(يُنْجي) النّاسَ من فتنة السّلاح وفلسفةِ وجوده واقتنائه واستخدامِه أن يعلموا بأنّ الله تعالى قال {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} والإعدادُ يجبُ أن يكونَ لمن يتربّص،ومن علمَ من الكافرينَ تربّصاً وتحيُّناً وجبَ عليه أن يمتثلَ للإعداد الذي يقتضي سلاحاً يُناسب الحال والمقام إرهاباً وتخويفاً،لتجعلَ الآية مبدأ السلامة أولى من إراقة الدّماء،ومبدأ القوّة المعنويّة أجدى من جيوشٍ جرارة انهزمتْ أمام غطرسة الكافرين في يومٍ أو بضع يوم،وليكنِ السّلاح في تجهيزه وتهيئَتهِ من خصوصيّات أمّة تسعى لهزيمة من اعتدى عليها وأرهب أهل قبلتِها،فليسَ من المعقولِ أن يعطيكَ عدوّكَ سيفاً لتقتله به بعدَ حين وهو يعلمُ حنقك وكرهك له،وأجدى من الاغترار بالسّلاح والقوّة المفرطة المنفصلة عن قوّة إيمانٍ بالله تبارك وتعالى أن يكونَ المسلمينَ يداً واحدة في أسلحتهم وجدواها ومزاياها وتصنيعها وطريقة استخدامها وتوجيه رءوسها وفوّهات نيرانِها،فالبنيانُ المرصوص أقوى الأسلحة ضدّ أعتى الأسلحة،وينجي النّاسَ أيضاً من فتنةِ إرهاب المسلمين وترويع الآمنين وإشهار السّلاح في وجوه المؤمنين أن يعلموا بأنّ الرسول صلى الله عليه وسلّم قال “مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا” ونفيِ الحاملِ للسلاح في وجهِ المسلم والمؤمن من دائرة الدّين أقوى دليلٍ بأنّ هذه الفتنة كافية أن تجعل السلاح فاصلاً بينَ الحلال والحرام وبين الحّق والباطل،وليقرأ النّاس قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الْدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} والقتلُ فتنةٌ كما السّلاحُ المؤّدي لذلك فتنة،لكنّ فتنةَ إشهارِ السّلاح في الصدّ عن سبيل الله وإرهابِ المسلمين ولو لم يُقتل منهم أحدٌ أشدّ وأعظم،وللنّاس أن يعودوا لأسلحتِهم ويروا هلْ هي أهدى سبيلاً من دينٍ نظّم علاقة الإنسانِ مع كلّ شيء،ولم يتركِ السّلاحَ فوضى يقتلُ به بعضَ المسلمينَ بعضاً،وليعلم النّاس بأنّ تذكير أهل القبلة والملّة والأخوّة والمواطنين بالسّلاح في أفراحهم وتفاخرهم واقتناءِ قصورهم وزينة بطونهم قمّة السّفَهِ والتبذير والإسراف الذي يجعلُ الإنسان والشّيطانَ إخوةً في الأخلاق والشرور .. والله أعلم

المسألة الثالثة والعشرون 1433/9/23هـ

الفَتْوى

(فُتِنَ) النّاسُ منذُ انتقل صلى الله عليه وسلّم إلى الرفيق الأعلى وجوار ربّه في الإفتاءِ،وعنَتَ بعضُهم حتّى لا يكادُ يؤمنُ بقولٍ غير كلامٍ يخُصّه من النّبي صلى الله عليه وسلّم،وهيهات،واشتدّ بعضُهم ممّن جاءَ بعدَهم حتى لا يعيرُ اهتماماً لحُكمٍ غير ما وردَ صراحةً تفصيليّة في القرآن الكريم،فعطّل الشّريعة،وتفرّقَ الناس بعد ذلك إلى مسالك وطرائق متعدّدة في استنباط أحكام الشّرع من الأدلّة التفصيليّة،حتى فتَنَ الفقه النّاس وأضحى شاغلهم حتى عن دعاءِ ربّهم،ورغمَ فتنةٍ قديمةٍ ليست بالحديثة في حقيقة الفتوى وصدق تنزيلها على الحكم الشرعي المؤهل بحجّية الدليل ـ عندَ من يعتبرهُ دليلاً ـ إلا أنه تلك كانت السبيل الدّاعي لأن يعجَبَ أهل الزّمان هذا بعمل الأقدمين،ويقعَ جهدهم في نفوسهم موقع التقديس حتى لا يكادُ أن يكذّب ولا يُنَازَع،أمّا أن يكونَ خطأً أو منزلقاً فذلك من المستحيل والمتعسّر،ففتنوا في مذاهبهم،وقدّسوا القول حتى ألهاهم عن النّص،وزهّدهم في المشرب والمأخذ،ثمّ سارت الفتنة حتى انقلبَتْ انتقاماً من الأحكام والأقوال،وتظاهراً على المرجّح والمُنتقى،وزانَ لألسنة النّاس أن تقول هم رجالٌ ونحنُ رجال،وظهَرَ من الأقوال ما لا يحكمه ضابط ولا تحيط به قاعدة،وأمّا اليوم فنحنُ في فتنةٍ متأصّلة في الفتَن،ومؤسّسة على مجموعة من الأمور الفاتنة المُفتنة في الدّين،لتكونَ فتنة الفتوى من قواصم الظّهر وخوارمِ طهارة القول في الحلال والحرام بالذّات،فالحكم الشّرعي للأسف باتَ كرةً يتقاذفها الجميع استقلالاً بالقول والمعرفة،لا عملاً يشتركُ فيه الجميع تطبيقاً وامتثالاً كما هو الأصل،وراحَ كلٌّ يفتي،وكلٌّ يفسّر،وكلٌّ يستنبط ويستخرج،وكلٌّ يدلي بدلوه ويقولُ رأيه،وكأنّ المسألة استطلاع للرأي من صحيفة استشراقيّة لأحوال المسلمين،واستكانَ بعضُ من علِمَ وتعلّم لهذا المنحنى الخطير،ووافقَ هواه ما جاءَ به هؤلاء،ورفعَ الحرج عن الحرام،وقلّل من شأن الواجب،وغيّبَ المندوب،وأنكر المكروه،وجعلَ المباحَ أصلاً في الحريّة الشخصيّة بمنظور الملحدين،في حين أن مفتونين آخرين أفتوا ولمّا يُستفتوا،وجعلوا من تخبّطهم وصايةً على الدّين،وكفّروا غيرهم،وجعل بعضهم غير أهل الملّة إخواناً،وخرجَتْ الفتوى عن الأحكام العملية فتنةً حتى طالت أصل الإسلام وبيضتَه،ومن الفتنة أن جعلَ النّاس للفتوى مواسم يكرّرون فيها ذات السؤال في كلّ موسم لعلّ أن ينالوا في موسمٍ ما فتوى تُجيزُ لهم أن يصوموا عن الشراب دونَ الطّعام،فيذيبون الأكل ويجعلونه سائغاً مائعاً ويشربونه استحلالاً بعدَ استحلال،واستفتى النّاس فتنةً حتى عن بقايا بعض قطع السّواك هل تجب فيها الزّكاة أم لا تجب ..

(يُنْجي) النّاس من فتنةٍ في الفتوى والإبانة والتّوضيح لأحكام هذا الدّين ومقاصده والفصل في الحلال والحرام والواجب وغيرها أن يقفوا على خطورة تضليل النّاس ولا يكونوا كمن قصّ الله قصته في القرآن الكريم وقال {وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ} فإنّ من استغلّ الثقة أو الغفلة أو عدمَ التثبّتِ من المجتمع والسّائلين فقد استخفّ بدينه وشرع ربّه استحقّ عليها عقابَ من يقول على الله بلا علم يوم القيامة،ثمّ إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم جعل الإفتاءَ قبل الاستفتاءِ من علامات المنكر آخر الزّمان،ممّا يجعلنا نعرفُ بأنّ هذا الزّمن زمنَ فتنٍ كما أخبر هو صلّى الله عليه وسلّم أنها كقطع الليل المُظلم،وليتحرَّ النّاس عمّن يأخذونَ دينَهم،والله تعالى جعلَ التقوى سبباً للعلم الذي من أجله نستفتي بعضاً منّا،وليحذر النّاس من التشبّه باليهود الذين كفّرهم الله حينَ ابتلاهم فلم يصبروا وعتوا عمّا نهوا عنه وتحايلوا على أحكام فقههم وجعلوا كثرةَ سؤالهم واختلافَهم على أنبيائهم طبيعةً شرسة في الصّراع بين استجداءِ الرُّخص والاعتراض على الله ورسوله،أمّا الأقوال والمذاهب وكيفيّة التعامل معها،ومن هو المفتي،وكيفَ يكونُ الدّليل،وما قوّة الحُجّية ونحو ذلك من أمور وتساؤلات تدور في خلد أو تصريح كثيرٍ من المسلمين فليحذروا الانزلاق بها لهاوية الفتنة المعترضة النّاكصة قبل معرفة الجواب الشّافي الكافي،وليكونوا عادلين مع دينهم كما هم عادلين مع علومٍ أخرى يزعمونها تخصّصيّة لا يُسألُ  فيها إلا أهل الفنّ ونُخبة أهل العلم منهم،ومن درَس وجد،ومن رغبَ في تجنّب الفتنة اجتنب،ومن بحثَ عن الطريق استنار بأضواء العلماء الربّانيين حقّاً .. والله أعلم

المسألة الرابعة والعشرون 1433/9/24هـ

الحبّ

(فُتِنَ) النّاس في الشّعور الوجداني والعمل القلبي الذي يسوقُهم لأن يتعلّقوا بشيءٍ من الأشياء معنويّاً فتستجيبَ حواسّهم لهذا الأمر فيملكُ المحبوبُ غالبَ أفعال المُحبّ أو جميعها،فما كانَ من النّاس إلا أن تفرّقوا شيعاً في مثل هذه المشاعر وتجسيدِها والعملِ بمُقتضاها،وسببُ تمكّن هذه الفتنة من نفوس النّاس إن هيَ رامَتْ أساساً للحبّ غيرَ حبّ الله تعالى ورسوله المصطفى صلى الله عليه وسلّم أنّها تكمُنُ في مضغةٍ إن هي صلحتْ صلح الجسد كلّه وإنْ هي فسدتْ فسد الجسدُ كلّه،وعندَ قيامِ هذه الفتنةِ في هذا المكانِ الرئيس من تكوين الإنسان المسلم تتجّهُ حياتُه نحوَ ما تسوقه إليه فتنتُه،فمنْ زعَمَ الحبّ ولم يكن له من الأدلّة إلا الكلام فُتِنَ حتى كرِهَ نفسه وحديثه يومَ يحصدُ النّاس عوائدَ أحبابهم،ومن اجتمَعَ في قلبه حبّ الدّنيا وحبّ يدّعيه اجتمَعَ لهُ من المخالفات والمساوءِ ما الله به عليم،والحبُّ قائدٌ للطّاعة في المجالِ الذي يحبّ فيه الإنسان محبوبه،ومن الطّاعة ما هو استجابة للأوامر وتجنّباً للمكروهات،ومنها ما هو عملٌ بما يقتضيه الحبّ ممّا يحبُّه المحبوب،ومنها ما هو استفراغُ الوسع في وهبِ الحياة كاملةً للمحبوب فناءً وتخليةً،والحبّ فتنةٌ حينَ تركنُ الأنفس لمحبّة المغشوشات من الأمور،والمذموم من الأناسيّ،والسيّء من المناهج،لأنّ تلك المحبّة تشركُ غيرَ الله فيما هو لله،وما أعظمَ الفتنة في الحبّ حينَ يتوهّمُ الإنسانُ حبّاً ويصدّقه بينما هو مبتلى بوسوسة الشيطان وتضليل الجهل،والحبّ فتنةٌ حينَ اختلف كثيرٌ من أهل فلسفة العقيدة في الغاية من عبادة ربّ العالمين،فقالَ بعضُهم بالامتثال رغبةً ورهبة،وجنحَ آخرون بأنّها الاعتراف بالاستحقاق،وفرّقَ آخرون بين من يعبدِ الله على حرْفٍ وبين من يعبدُه على أساسٍ من يقين صادق قائدٍ للحبّ،وقال بعضُهم عبادةُ الله حبّاً هي الأصل،في حينِ شذّ البعض ليقول بأنّ ما في القلبِ يكفي،أمّا القدرُ من الحبّ الذي أرادَ الله تعالى أن يتحابّ النّاس به فيما بينَهم فلقدْ فتنهم حتّى أحبوا من يسيءُ لأصلِ دينهم،واستماتوا حبّاً في الذي يسوّقُ للكفر بزيفِ الحرّية،وأحبّوا من الأعمال ما نُهوا عنهُ فأثموا ولو لم يقترفوا،وفتنَهمُ الحبُّ الذي يجمع الرّجال بالنّساء وهنّ بهم فأفسدوه حتّى نظروا لكلّ غريزةٍ أنّها الحبّ ..

(يُنْجي) الناس من فتنةٍ في الحبّ أن يعلموا بأنّ القلبَ إذا فسدَ أحبّ ما يضرّه ولا ينفعه،ويعلموا بأنّ استبدالَ الحبيبِ الأصليّ بحبيبٍ سُعِيَ إليه بالهوى والشّيطان مذلّةٌ ومهانة وخسرانٌ مبين،وليعلموا بأنّ الحبّ يُستجلَبُ بمداومة الاتّصال،ومنادمة المحبوب بالرّغبة،والتجمّل للحبيب بما يرغب،وليتيقّنَ النّاسُ بأنّ المرءَ ليس في الإيمانِ بالرّاسخ القدم إلا إذا كانَ الله ورسوله صلى الله عليه وسلّمَ أحبّ إليه من نفسه وولده ووالده والنّاس أجمعين،وأنّ أعظمَ الشّرك حبُّ نِدٍّ كحبّ الله،وليكن النّاس على فقهٍ في الدّين يجعلُ حبّهم يؤتي أكُلَه حينَ يتقرّبون لربّهم،وعليهم أن يديموا الصلاة والسلام على الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلّم فإنّ ذلك من آلاتِ استشعارِ الحبّ الواجب لهذا النبيّ الخاتم عليه من ربّه أفضل صلاة وأتمّ تسليم،ثمّ ليعلمَ النّاسُ بأنّ تمرينَ القلب وتدريبه على تحريك الشّعور نحوَ الحبيب بالحبّ وامتثال الجوارح لذلك والتلذّذ به يهبُ الإنسان سعادةً غامرةً فيمن يحبّ،وليقرأ المسلم قوله تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} والاتّباع في الحبّ مظنّة زيادته وشدّته وصدقه،والمجازاة على الحبّ عظيمةٌ بعظمة من نُحِبّ،فلينظرْ كلّ راغبٍ من يحبّ ليفرح أو ليرضى بالعاقبة الآتية لا محالة،أمّا الحبّ الذي أشغلَ النّاسَ فدنّسوه،وأغرى خليّ القلبَ فتخيّلَه في المرأة جسداً وإغراءً،وظنّتْهُ هيَ فيهِ تخلّياً عن ذوي القربى والدّين وحسن الرأي،فلا يُنجي النّاسَ فيه إلا أن يستوعبوا ويفهموا ويدركوا معنى ما جاءَ عنه صلى الله عليه وسلّم حين سئلَ عن أحبّ النّاس إليه فقال “عائِشة،قيلَ له ومن الرّجال قالَ أبوها” ففي هذا النصّ من الإشارات نحوَ تزكيةِ النّفوس لتستكشفَ في داخلها حبّ النّفوس قبلَ الصّور،وحبّ الأرواح والقلوب قبلَ الإعجاب والفتنة ما يستحقّ أن يُدْرَسَ ويُعلّم .. والله أعلم

المسألة الخامسة والعشرون 1433/9/25هـ

الوهّابية

(فُتِنَ) النّاسُ فيما اصطلحوا على أن يُطلقوا عليه “الوهّابيّة” وبُنِيَ هذا الافتتانُ على نجاحٍ كبيرٍ لمن سُمّي باسمه هذا المنحى في زمنٍ احتاجَ النّاس فيه لمثل تلك الدّعوة،وحيثُ إن الفتنةَ إنّما تنشأ على أنقاضِ انبهارٍ من جهة،وشديد حُنقٍ وكرهٍ من جهة أخرى،أخذَ كلّ قسمٍ من النّاسِ قسطه من فتنةٍ في الدّعوة الوهّابية ظاهراً أو باطناً،وبقيَ على الحيادِ مفتوناً أيضاً من لم يستطع تحديد المسألة في أيّ مفاصل هذا الدّين تكمُن،وعظيمُ الفتنة بالوهّابية بزَغَ حينَ وقعَ من يسعى لجعلها منهجَ حياة لا بديلَ له في ملازمةِ الدّين لليوميّات والاعتقادات والشرعيّات والمباحات في تقديسٍ فرّ منه مؤسّسُ هذا المنهج بدعوته للتوحيد الخالص لله دونَ إفراطٍ في إجلال البشر أيّاً كانوا،وكبيرُ الفتنةِ في الوهّابية ظهَرَ حين استعدى كثيرٌ ممّن ينسبونَ أنفسهم للشيخ محمد بن عبد الوهّاب كافّة أطياف المناهج السلوكيّة الدّينية الأخرى،وجميع فئات المذاهب غيرَ ذلك المذهب الذي كان عليه الشيخ رحمه الله،وأغلبَ الأقطار والأماكن التي ترى في دعوة الشّيخ انقلاباً على المألوف والمعروف والمعتاد،وفتنةٌ مثل التي نراها في أمر الوهّابية ـ كما تُسمّى ـ جعلَتْ حساسيّة التعامل مع الرأي فيها يأخذ من السياسة شكلاً،ومن الخروج على الحكامِ شكلاً آخر،ومن سوء الأدب باعاً،ومن الوقوع في الحرام سبيلاً،ومن الصدّ عن دين الله قدراً،ومن الولوج في خلاف واختلافٍ لا طائل من ورائه وقتاً وجُهداً،ومن يعرفُ زمناً سابقاً يُدركُ بأنّ الوهّابية أضحت شغلَ انتقادِ العالم الشّاغل،وديدَن إعجابِ بعضٍ ممّن يتمسّحُ لأهلها دونَ بصيرة،وهي فتنةٌ لمنْ صبرْ،وفتنةٌ لمن عرَفَ الحقّ فيها،وفتنةٌ لمن ظهَرَ لهُ بعدَ تمحيص قصورَ بعض مراميها وتعاطيها مع الواقع،وهي فتنةٌ جَعَلَتْ بعضَ محبّيها يخُفي انتماءه لها،وخلط بعضهم بين الدّعوة نفسها وبين فكر نشأ فتسمى باسم مؤسّسها ..

(يُنْجي) النّاس من فتنة في الوهّابية ويقيهم شرّ الانتقاصِ من المجتهدين في الدّين بأنْ يقولوا القسطَ من القول،وأن يحكموا بالعدْل والإنصاف على الأمور،وأن يجعلوا من الكتاب والسنّة فيصلاً لكلّ رأيٍ وكلّ حُكم،ولا يجرمنّهم شنآن قومٍ على أن يكرهوا الحقّ ولو جاءَ من الذين لا يُعجبونهم،وعلى النّاس أن يكونَ منهجُهم في كافّة الطرائق والاتّجاهات السّلوكليّة والفكريّة في دينِ الله مثلَ هذا العدل وتلك المساواة حتى لا يحيفوا ويفتروا ثمّ يستيقظوا فيندموا،ولا يصرفهم عن البحث والتدقيق تسميةٌ معيّنة ولا لمْزٌ بالسّوء من بعيد،ويُنجي النّاس من فتنةٍ بالوهّابية أن يقولوا في منهجهم ما يقولونَه في مناهجَ سبقتْهم،وأن يبيّنوا للنّاس بأنّ قولهم هو الغالب على ظنّهم بعدَ دليل رأوا فيه ما قالوه،لا أن يوهموا النّاس بأنّ ما جاءوا به هو الحقّ وما تصوّره علماء سبقوهم هو الباطل وتُغيّبَ المصادر والرؤى غير ما يرون،ليظهرَ جيلٌ لم يسمع بالتوحيدِ إلا ما قالَه الشيخ رحمه الله تعالى،وليقرأ النّاسُ القرآن ويقفوا عندَ قوله تعالى {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ}فكم في هذه الآية من تنوّع وتوجيه وضمانٍ للحقّ الواحد الذي لا ريبَ فيه،والنّاسُ في إدراكه أجناسٌ ومشاربُ،لا حَجْرَ على رؤاهم،ولا إجبارَ على طريقٍ يوصلهم للدّين الخالص المقبول عندَ من غيّبَ النتائج حتى يبعثَ من في القبور،وليكن النّاس هنا وهناك على درايةٍ بأنّ من نهتمُّ بكلّ مناحي حياتِه وقوله وفعله وفكره وبيته وجيرانه ومقصده وتوجيهه وحكمه هو واحدٌ فقط لا غيره وهو المعصوم النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسّلام،أمّا غيره من النّاس فميزانُ ذلك القربُ ممّن أُمِرْنا الأخذ عنهم أو البعد منهم،وفي كلّ بشرٍ جانبٌ مشرقٌ نأنسُ به وجوانب عفى الله عنها ونحنُ أضعفُ من أن نُحاسبَ خلق الله جميعاً،فلا يُكرهْنا أحدٌ على ما يرى مصادراً كلّ ما رأيناه عندَ غيره،فإنا جميعاً لله نعبد،ولهُ نصلّي ونسجد،وإليه نسعى ونحفِد .. والله أعلم

المسألة السادسة والعشرون 1433/9/26هـ
الخير والشرّ
(فتِنَ) النّاس في الخير من الأمور والمستجدّات،وجاءَتْ فتنتُهم تعملُ على مبدأ التّناقض حيناً وعلى منطلقِ المرغوب حيناً آخر،فكلٌّ يظنّ بأنّ ما يأمله هو الخير،حتى رأى بعضُهم الخيرَ في الانتحار،وحسِبَ بعضُهم الخيرَ أن يُصابَ بمصيبةٍ تُشرِكُهُ مع من يعشقُه في همّه،وأصبَحَ بعضُهم يدعو على نفسِهِ إن قالَ لهُ من يهواه أنّه مريض ليقولَ لهُ “ليتَ الدّاءَ فيّ وليس فيك” وصارَ من الخيرِ أن ترتاحَ من معاناتك بالإعدام،وعزّ الخير على أناسٍ فرأوه في تركِ الأمور كيفما جاءَتْ وكيفما اتّفق،وفُتِنَ النّاس في خيرٍ جاءهم من غير تعبٍ ولا همّ ولا مجهود فقالوا مثلَ قولِ قارون بأنّهم أوتوه لميزةٍ فيهم،وفشلَ كثيرٌ في اختبار وابتلاء الفتنة في الخيرِ فلم يحمدوا ولم يشكروا بل بطروا وتكبّروا وتجبّروا،وكلّ أمرٍ هو خيرٌ بمنظور الشّرع فتَنَ الله به عبادَه ممحّصاً أعمالهم ليحيى من حيّ عن بيّنة ويهلك من هلَكَ عن بيّنة،فالعلمُ فتنة والمال فتنةٌ والجاه فتنة والملك فتنة والحكمُ فتنة والذريّة فتنة،(وفُتِنَ) النّاسُ في الشّر من الأمور على نفس ما فُتِنوا فيه في الخير،فلم يستطيعوا وهم راغبونَ عن توجيه خالقهم أن يحدّدوا الشّرّ الظّاهر،وظلّ الشرّ الخفيّ فاتناً لهم كغيرهم من البشر،وبعضُ النّاس إن حفّ به الشرّ سخِطَ وانصرف عن منهجٍ كان فيه راضياً بالقضاء والقدر،وبعضهم في يوميّات الشرّ منافق وذو وجيهين،وبعضُهم في الشرّ العام أنانيُّ الطّبع سلبيّ التأثير،يحبّ نفسَه ويكرهُ جيرانَه،وآخرون في الشرّ يتكسّبون ويربحون،بل يسوّقون ويروّجون،وهناك من النّاس من فتنَهُ الشرّ في غيره ففرِحَ بشرورٍ قدّرها الله على من يكره أو يحسُد،وفصيلةٌ من النّاسُ يعيشونَ في الشرّ ويتكاثرون في فتنتِه ..

(يُنِجي) النّاس من عاقبةٍ سيّئة في الافتتان في الخير والشرّ وبهما أن يعلموا بأنّ كونَ الخير خيراً وكونَ الشرّ شرّاً في الأغلبِ الأعمّ عائدٌ لمن يقدّر الخير ويقدّر الشرّ،فمن أعرضَ عن ذكر الله فإن له معيشةً ضنكاً في الخير وفي الشرّ على حدٍّ سواء،وليعلموا بأنّ للبارئ جلّ في علاه حكمة في القدَرَيْن،وهو العليمُ بمن يؤتيَه ومن يمنعه،ومن يبسُطُ له ومن يقدر عليه،وليقرأ النّاس قول الله تعالى {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} فإذا آمنوا بذلك سعوا للخلاص من افتتانٍ في العرَضَيْن بما شرَعَ الله تعالى،وليعلموا بأنّ من الأمور في حوادث الدّنيا ما ليسَ على ظاهره من رؤية النّاس ولكنّه في حقيقة الأمر محسوبٌ بالعاقبة والمصير،فالآية الكريمة التي تقول {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} تثبِتُ بأنّ الرؤية الإنسانية في ماهيّة الخير والشرّ قد لا تصدُق اطّراداً،فليحذرِ النّاس من انفراديّة الرأي بعيداً عن الإيمان بأن الخيرَ عندَ الله،وعلى النّاس أن يتيقّنوا بأنّ الله قدْ يجعلُ كرهُ الشرّ الظاهر والخوف منه مع مطلبه الشّرعي لهدف أسمى خيراً بامتياز،ولا يجدُ هذه النّتيجة إلا المؤمنون،قال تعالى {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} ثمّ إن النّاس إن أرادوا النّجاة من تبِعاتِ الشرّ في النّفوس وبقايا الحزن والتأثير فعليهم أن ينتظروا بإيمانهم الخيرَ في الشرّ،وأن يتّقوا بحمدهم وشكرهم الشرّ في الخير،يقول الله {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} فمن نجا في فتنةٍ عامّة هي الخير والشرّ نجا بإذن الله من خزيِ الدّنيا وعذاب الآخرة .. والله أعلم

المسألة السّابعة والعشرون 1433/9/27هـ

المُسكراتُ والمخدّراتُ والمنشّطاتُ

(فُتِنَ) النّاسُ في الحلال والحرام من الاستعمالات،وأكبرُ فتْنَتِهم فيما حُرّمَ عليهم بوصْفِه وأصبحَ يحتمل بقوّة اندراجَ غيره من أصنافِه تحته،وقامتْ الفتنةُ في بعضِ المحرّمات ظاهرةً للجميع حينَ يكون التّحريم متعلّقاً بما ترغبُه النّفوس الرّاكنة للهوى،وما تشتهيه الأهواءُ لما يخيّله لها الشّيطان من المُتَع أو الرّاحة،وهكذا أتتْ الخمرُ وقصّتُها المشهورة في القرآن للكريم لتشيرَ إلى رحمة الله بعباده حينَ تحريمها تدريجيّاً بالمعنيّين في وقتها خاصّة،وإلى رحمتِه بكافّة عباده المؤمنين أن لا يفتنَنّهم الشّيطانُ ليوسوسَ لهم في السّكرِ خيراً،فُفُتِنَ النّاس بعدَ تغيّر الأزمان وتبدّل الأسماء وظهور الجديد من المؤثّرات على العقول والشّعور والقوّة،واستحلّوا الخمرَ حينَ راقَ لهم أن يتحايلوا على دين الله بإطلاق مسمّيات اخرى عليها،وأباحوا المخدّرات لعدم انطباق الإسكار وذهاب العقل عليها،ورخّصوا في المنشّطات لأنّها لا تدخلُ في هذا ولا ذاك،ورمَتْ بهم الفتنة في هذا الثلاثيّ الخطير حيثُ البحث عن كلّ ما يغيبونَ به عن الواقع وما يسبقونَ به غيرهم زوراً وبهتاناً وما يدّعونَ أنّه يجلبُ لهم السعادة المتوهّمة بعد أن شَقُوا بمخالفتهم لدينهم،وفتَنَ الفقهُ في هذه الأمور أناساً فوجدوا انفسهم مأسورين لشيءٍ من هذه العادة فقلبوا الاستدلال،ونكّسوا الاستنباط،وادّعوا بأنّ شيئاً من هذه الأوساخ حلالٌ بحكمِ الأصل أو بمغايرتها لنصوص التّحريم،أضاعَتْ الفتنةُ في المسكرات والمخدّرات والمنشّطات الشباب المسلم إلى طريقٍ لا رَجْعةَ فيه،وأسلمتْهُم إلى عدوّ لا رحمة عندَه،ورغمَ اتّفاقِ العالم ـ على الأقلّ ـ على محاربة أحد رءوس هذا الثالوث ـ المخدّرات ـ لم يستطع المسلمون في فتنتِهم هذه انتشالَ أبنائهم ولا بناتِهم من الضّياع وهم واهمونَ بأنّ ما يبذلونَه هو العلاج،وفُتِنَ النّاسُ في “الكحول” ومادّته الكيميائيّة الأصليّة فروّجَ بعضُهم الإرجاف والإجحافَ وجعَلَ حلال المشروبات عسيراً،وكلّفَ نفسه ما لا يطيق،وغيرَه ما ليس مطلوباً منه،وزعَمَ آخرون “الحشيش” و “الأفيون” معيناً على التفكّر في خلق الله والتدبّر في القرآن والانفصال عن زيف الدّنيا،فزيّنَ لهم الشيطانَ المنكرَ فرأوه حسناً،واستعجَلَ فئاتٌ من الباحثين عن القوّة الجسمانية الشيءَ قبل أوانِه،وبفقدِ آلتِه والطريق الموصل له،فعبدَ القومُ أجسامَهم،وقدّسوا عضلاتِهم،فعاقبَهم الله بالحِرمان ..

(يُنْجي) النّاسَ من فتنتِهم بالمسكرات والمخدّرات والمنشّطات بأن يعلموا أنّ ربّاً رحيماً بعباده هو من شرَعَ لهم من الدّين ما يحفظ لهم صحّتهم وعقولَهم،وأنّ ربّاً حكيماً هو الذي لم يجعَل الخير ولا الشفاء ولا الحلّ فيما حرّمه عليهم،وليتبيّنَ النّاسَ فتنتَهم في أمّ الخبائث وجاراتها حينَ يدركوا بأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلّم أخبرَ عن هذه الفتنة الحاصلة اليوم وقال “ليَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمّتي الخَمْرَ،يُسَمّونها بِغَيْرِ اسْمهَا” وما ذلك إلا سبيلُ الفتنةِ وعلامتُها،وجاءَ في حديثٍ مرفوع “مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي فِتْنَةً أَخْوَفَ عَلَيْهَا مِنَ النِّسَاءِ وَالْخَمْر” فليتّقِ النّاسَ ربّهم في أجسادهم وأنفسِهم بعدما تبيّنَ لهم بأنّ الله حرّمَ هذا،وساقَ لهم الحكمةَ فيه،وقال جلّ جلاله {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} وما بعدَ فتنةِ العداوة والبغضاء فتنةٌ يتّقيها مسلمٌ في دينِه،وأمّا المخدّرات،فيكفي المسلمَ سبيلاً للنّجاة من افتتانٍ فيها وبها أن يقتنعَ بأنّ العالمَ لا يتّفقُ على أمرٍ بأسره ويكونُ كذباً وافتراءً،فما بالك إذا كانَ لهُ من الدّين شاهد،وليسعَ المسلمونَ للنّجاة من فتنة المنشّطات التي لم تعُدْ مقتصرةً على ميادين الرّياضة ومواسم البطولات،بل دخَلَتْ في فلسفة الشابّ المسلم والفتاة المسلمة أنّها من بدَهيّات البحثِ عن الأفضل في هذه الحياة الدّنيا،ولا نجاةَ بغير دينٍ يحلّ الطيّبات ويحرّم الخبائث،وينهى النّاس أن يقتلوا أنفسَهم،وطوْقُ النّجاة هم الفقهاءُ الرّبّانيون الذين ألزَمَهم الله النّصح لهذا الدّين والاجتهاد لتبيين الحلال والحرامِ في دقّة وتبصير،في غير عموميّات لا تُنجي من حقّ العامّة على العلماء .. واللهُ أعلم

المسألة الثّامنة والعشرون 1433/9/28هـ

الدّيانة:مسلم

(فُتِنَ) النّاس بأن ظنّوا بأنّ ميلادَهم مسلمين تبعاً لآبائهم وأمّهاتهم وبلادهم يحميهم من ملاحقة التكليف الشّرعيّ لهم أينما كانوا،وفُتِنوا حين أهملوا أن يكونَ إسلامُهم الفِطريّ تبعاً لما جاءَ به المصطفى صلى الله عليهم وسلّم،وفُتِنوا وزُلزلوا زلزالاً شديداً حينَ صدّعَ الشكّ قلوبهم التي حمَلَتْ من الإسلام طبيعةً موروثة،فقالوا لأنفسِهم إنْ كانَ ما نحنُ عليهِ هو الحقّ والهدى فما بالُ الأكثريّة في الكونِ للحقّ كارهين؟ وحدّثوا أنفسّهم بالرّدّة خُفيةً وجهراً،وبعضُهم فُتِنَ في مواطنِ الفتنة ومظنّة الابتلاء حينَ أوذيَ في دينِه فما لبَثَ أن انتكسَ وأعرَض،وقال لنفسه الأمّارة بالسّوء إن كانَ الإيذاء على الإسلامِ قدراً فما لي ودينٍ يسبّبُ الضّيق والبلاء،وجعلَ بعضُهم فتنتَهم في ديانتِهم الإسلاميّة بطاقةَ هويّة يحملونَها ليضمنوا دخولَ الأراضي المقدّسة عندما يكبروا في السنّ أو يتردّى بهم الزّمن،فلا هم مسلمون إلا بما يتذكّرونَه من ذكرياتِ سًجّادة جدّتهم أو سُبحة جدّهم العتيقة،وآخرون خجلوا من دينِهم وأخفوا أصلَهم وهدموا ملامحَ سحنِتهم أن يُقالَ عنهم مسلمين فيُسخَرُ منهم أو يُمنعونَ حقّاً أو تسهيلاً،وفُتِنَ في غيرِ ما بأسٍ ضعافُ الأنفس منّا فرأوا في صلاتِهم تضييعاً لمواعيد تجمعهم مع رؤساء شركاتٍ لا ملّة لهم ولا دين فأخّروها ثمّ جمعوها ثمّ نسوها حتىّ أضاعوها بحجّة أنّ الله غفور رحيم،وما الفتنةُ في تمييز نوعيّة الدّيانة بالإسلاميّة بالمقتصرة على الجانب اليساريّ من المهملين،بل فُتِنَ أصحابُ اليمينِ (فدَرْوشوا) الدّين (وكنّسوا) العبادَة وعزلوا أنفسَهم في بؤسٍ ليسو مجبوربنَ عليه فضلّوا وأضلّوا،وآخرونَ اعْتدَوا وظهروا في ثيابِ شُهرْةٍ،واستعبدوا أتباعهم في نمطِ سُخْرَةٍ، وهم يرفعون للإسلامِ شعارَ كذبٍ ومبادئ ظُلمٍ ففُتِنوا حتى انحسر الدّين وصُدّ عنه من أحبّ الدّخول فيه ..

(يُنْجي) النّاس في إسلامهم أن يكونوا في المسئوليّة على قدْرِ الشّهادة التي شهِدوا بها،ومن عاهدَ اللهَ ونكَثَ فإنّما ينكثُ على نفسه،وليعلم النّاس للنّجاة طريقاً هو الأوحدُ بينَ السّبل،والآمنُ بينَ المسارات،وهو أنْ يكونَ في أعمالهم دليلُ إيمانِهم،وفي أفعالِهم توجيهاتُ إسلامِهم،فما الإسلامُ بكتابة نوعيّة الدّيانة في الأوراق الرّسميّة بمنجي في الدّنيا ولا في الآخرة ولا عندَ الكافرين ولا عندَ المسلمين،والله تعالى قال {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ففي الآية ما يدعونا للمعرفة بأنّ الإسلامَ طريقٌ للإيمان المُنجي بما يعملُه المسلم من أعمال ظاهرة وباطنة متوافقة مع ما أمر به الله ورسوله،وليتَنا كالأعرابِ حينَ شهدَ الله لهم بالإسلامِ وحثّهم على المجاهدة في طلبِ الإيمان بالعمل الصّالح والطاعة لله ولرسوله،وعلى النّاس أن يعلموا بأنّ هذا الدّين عظيمٌ لا يُلقّاهُ إلا الذين صبروا على الفتنة فيه والابتلاء قال الله {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} فليحذرِ الذين يحملونَ إسلاميّاً رسميّاً في بطاقاتَهم من وعيدِ الله حينَ قال {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} وما أشدّ كذِبنا حينَ ندّعي الإسلام ونحنُ فيه ظالمين،والنّاسُ مدعوّون لأن يكونَ الإسلامُ عزيزاً في نفوسهم يستحقّ الصّبر على إيذاءِ النّاس الآخرين لهم،فلسْنا بأفضلَ ولا أحسنَ من رعيلٍ ماجدٍ فاضلٍ صبروا فظفروا حتى وصلَنا الدّينُ زُلالاً صافياً،فِفِتنةُ النّاس عن الدّين باقيةٌ حتى يرثَ الله الأرض ومن عليها {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} وليسَ الدّين بالقولِ فقط .. والله أعلم

المسألة التّاسعة والعشرون 1433/9/29هـ

السّجن

(فُتِنَ) النّاس في سجونِهم على قدر فهمهم واستيعابهم لهذا الأمر الذي هدى الله النّاس إليه ليجعلونَه عقوبةُ أو انتقاماً أو اعتداءً،وفي السّجن ـ إدراكاً واستيعاباً وحقيقةً ـ من الفتنةِ ما لا يُحيطُ به قلمُ كاتب ولا حديثٌ متكلّم،لكنّ الفتنةَ في هذا الأمر باعتباره مكاناً هي القصدُ هنا،فالنّاسُ في السّجن متعرّضون للفتنة أينما اتّجهوا،فمن سُجنَ ظُلْماً فتنَهُ الضّيم وهضْم الحقوق وبلاءٌ يصيبُه،فلم يعرف كيفَ يكونُ المسلم حالَ البلايا،وأشغلتْهُ نفسُه عن ربّه الموجود في كلّ مكان،ومن سُجِنَ عقوبة تأرجح في الفتنة بين شيطانٍ يسوّلُ له بأنّه مظلومٍ تأثّراً بشكوى كاذبة من كثيرٍ دخلوا هذا المكان،وبينَ خذلانٍ لنفسه وتفكيره حينَ تركَ الأمور تسير كيفما جاءت،فلا يعنيه سُجنَ أم أُطلِق،وكم من مسجونٍ دخلَ السّجنَ حزيناً وعاشَ فيه مفتوناً سلّمَ نفسه فيه للرذائل والجرائم والموبقات أكثرَ ممّا هو موجود في خارجه،وكم من فتّانٍ دخلَ السّجن لا يحدوه إلا أن يستقطبَ الفتية والشّباب ويبني في السّجن مملكةً وإمارة وسيطرة لم يستطع فرضها في الخارج،ومن النّاس من سُجنَ لأمرٍ يعتقده،أو قضية هو من تبنّاها ففُتِنَ فيه ولم يستطع السلامة في الحقّ الذي يظنّه وخرجَ من السّجن صاحبَ نقضٍ،وراعيَ إنكار،ومنهم من فُتِنَ في السّجن فحزِنَ وتأزّمَ وسيطرت عليه الوساوس والهموم والأكدار ليخرجَ من السّجن خائفاً يترقّب،أو ذليلاً فاقداً لكثير من عقله،وفتنةُ السّجن دعت البعض للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر داخله من غير بصيرة ولا تأسيس فكان في النّاس قاضيَ الجهّال،ومفتيَ الأعراب،ومنهم من جعلَ فتنتَه أن يصلَ للحرّية بأيّ طريقٍ ولو كانَ ما يروّجه البعض من حفظٍ للقرآن وحفّاظه لا يصلّون،وفتنتْ سجوننا النّاس حتى انتظروا مرض الأمراء وولاة الأمر ومن ثمّ شفاءهم لعلّ أن يكونَ العفو عن المساجين مداعباً لآمالهم،وما أكثرَ الفتنةَ في السّجن حينَ يكونُ السّجين قادراً على سماع قصص المساجين،والإنصات لحكايات المجرمين،فأيّ فتنةٍ سيسلكها السّامع أو المتكلّم؟ ومن فتنةِ السّجن أن كثيراً سعى إليه بعملِ ما لا يقتنع به أصلاً رغبةً في أن يكونَ سجينَ رأيٍ يُدافع عنه الكافرون،واستحى بعضٌ من أقدار الله فزعمَ غيابه في السّجن دورةً خارج البلاد،فجمعَ لنفسه بين الكذب والتسخّط،وآخرون خرجوا من السّجن ففتنوا حتى اقترفوا من عظائم الأمور خارجه أكبر ممّا أدخلَهم السّجن للمرّة الأولى،وفهِمَ بعضهم السّجنَ حقوقاً للإنسان فلمّا رأى إنسانيّته تحت أحذية السّجانين فُتِنَ وخرجَ ناقماً على أمّه وأبيه،وفتَنَتْ الرّؤى والأحلام المساجين ففسّروا كلّ رؤية أنّها الإفراج،وتحلّموا بما لم يحلموا ..

(يُنْجي) النّاس في فتنة السّجن أن يعلموا بأنّ الله تعالى جعلَ الحريّة ألذّ النّعم وأغلاها،ومن فهِمَ ذلك علمَ بأنّ القدَرَ إن رمى به هناك فهو في ذلك إمّا مستحقّ أو مظلوم،وكلا الاثنين مطلوبٌ منهما أن يجعلوا الفرار لربّ العالمين هو الملجأ والمشتكى،وليعلمَ النّاس بأنّ في السّجن فتنةٌ،وفيه وقاية من الفتنة كذلك،والله تعالى قد قال على لسان نبيّه يوسف عليه السّلام {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ‏} ومن النّجاة أن يعلمَ النّاس بأنّهم إن سُجِنوا فقد اقتربوا من بارئهم بكثيرٍ ممّا لو فطِنوا لهُ لقالوا مثلما قال يوسف عليه السلام في النصّ السابق،والفتنةُ في السّجن تختبرُ الأنفس،وتمحّص القلوب،وتفرزُ الإنسان بين عارفٍ بالله وساخطٍ على قدرِه،وليكن النّاس في مفهوم السّجن قابضينَ على أنّ الذي يُخرجُ من السّجن هو الله والله فقط،وأنّ من أعظم النّعم التي لا يعرفها إلا من سُجِن أن تدخلَ هذا المكان الأليم وتخرجَ منه {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} وأمّا المُعاقبون فليحمدوا الله تعالى أن جعلَ الدّنيا محلّاً لتطهير النّفس،لمن تابَ وأخلصَ دينه لله،وليشكروا الله أن لم يدّخر لهم عقوبةً في الآخرة تهوي بهم في مكانٍ سحيق،ولا نجاة من فتنةٍ في السّجن الذي يُسعى إليه لغرضِ الشّهرة إلا أن يعلمّ النّاس بأنّ امتلاكَ الإنسان لنفسه رهينَ الحكم الشرعي والحلال والحرام،وعلى النّاس أن يعلموا بأن كذباً وافتراءً في السّجن كخارجِه،وليس للمسجون عذرٌ عندَ الله أن يعصيه أو يتركَ أوامره،ومن المنجيات دعاءٌ أثِرَ بأنّ المسلم يقول “اللّهمّ إنّي أعوذُ بكَ من السّجن والقيْدِ والسّوط” .. والله أعلم

المسألة الثلاثون 1433/9/30هـ

الوطنية

(فُتِنَ) النّاس في انتمائهم لأوطانهم قديماً،فرأى بعضُهم الوطنَ ذلك المكانُ الذي يعيشُ فيه ولادةً وقَطْناً،وصارت تلك الرّوابي أو الصحاري أو المدن والقرى المحيطة ببيئته ومحلّ سكناه تعني لهُ الكثير شعوراً وحبّاً،ودافعَ النّاسُ قديماً عن مكانٍ وُجدوا فيه بما يملكون وما لا يملكون،وما الفتنةُ في هذا المفهوم بالواقعةِ إلا حينَ يكونُ الانتماءُ هذا جالبٌ لويلات العنصريّة والقبليّة والتحزّب الظّالم ضدّ الآخرين،ورأى بعضٌ في حبّ النّبي صلى الله عليه وسلّم لمكّة رغمَ هجرته للمدينة المنوّرة دليلاً لما يزعمونَه حبّاً للوطن،ففُتِنوا حتّى جاءَ أقوامٌ من بعدهم منعهم حبّهم هذا أن يلتمسوا خيراً دينيّاً أو مادّياً في غير وطنهم الأصلي،وفُتِنَ آخرون وجعلوا حبّ الوطن فيه شيءٌ من صرفِ الحبّ الواجب لله لغير الله،ورأت فتنتُهم في حبّه صلى الله عليه وسلّم لمكّة أنّ ذلك حبٌّ لبيت الله الحرام،وجرّت الفتنةُ في الوطنيّة روّاد التثقيف الدّيني حقبةً من الزّمن إلى أن يجعلوا هذا المجال من الحبّ ملغيّاً،بل وحتى الشعور بالانتماء مخفيّاً،زاعمينَ بأنّ الأعياد الوطنيّة نوعٌ من تقليد الكفّار،وبأن الانتماءَ للوطن تناقض أن يكونَ أكرمَ النّاس عندَ الله أتقاهم،ولمّا فٌتِنَ أولئكَ إلى إقصاءِ هذا الشعور الإنساني البحت،ولم يستطع آخرون مفتونين أيضاً أن يفرّقوا بينَ الشّعور والحبّ وبينَ ما تطلبُه المؤسسة السياسيّة،فُتِنَ آخرون فجعلوا الوطنَ درجات،والأوطان دوائر تكبُر وتصغر وفق المعطيات،فخرجوا على كون الوطن دولة،بل العالم العربي وطنٌ،والجزيرة العربيّة وطن،والشرق الأوسط وطن،والعالم الإسلاميّ وطن،فتفرّقوا زبراً كلّ حزبٍ بما لديهم فرحون،وحينَ استمرّت الفتنة وتسلسلت وصلَ المفتونون في الوطنية سابقاً إلى فتنةٍ حديثة،لا هم أحسنوا إدارتها،ولا هم تركوها على سابقها وارتاحوا وأرَاحوا،ومن فتنتِهم أنّهم وقعوا في مأزق توجّههم قبل المشكلات،وأنّهم ظنّوا الوطنيّة مادّة للدراسة والتعليم،ورضوا أن تكونَ الوطنيّة قصيدةً أو علَماً وراية،بل جعلوا الوطنيّة تشجيعاً وهتافاً للعبث واللّهو،وذهبَتْ بهم الفتنةُ في الوطن حتى اختلطت العصبيّة بالمناطقيّة،وتشابهت العنصريّة بالفئويّة،وتداخلت الفاعليّة مع الهمجيّة ..

(يُنْجي) النّاس من فتنتهم في مسألة الأوطان أن يعلموا بأنّ الله خلقَ الإنسان من تراب،وأنّه عائدٌ بعد حينٍ للتراب،وأنّه من طبيعته وفطرته يحبّ تراباً نشأ فيه،ومكاناً اعتاد عليه،وبلاداً سعى في أكنافها،بل إنّ الإنسان يحنّ لأوّل منزلٍ ولو لم يرجع إليه،وليعلم النّاس بأنّ القلب آلةٌ ملّكَها الله الحبّ بكافّة متّجهاته،فلا حجرَ على حبّ لا يتعارض مع آخر،وليكنِ النّاس في حبّ البلاد والأمكنة كبقاعٍ بحتةٍ مقتدينَ بالنّبي صلى الله عليه وسلّم الذي أحبّ مكّة مولده،وأحبّ المدينة مهجره،ولا يختلط على النّاس حبّ المكان ذاتيّاً وحبّ جماعةٍ وبيئة يأنس بها وهم أهله وجيرانه وأقاربه وشبيهي سحنتِه وأخلاقه،كما يجبُ على النّاس إن أرادوا النّجاة من الوقوع في المحذور الدّيني،أو الوقوع في التفكّك الجماعيّ لأي فئة أو جماعة بشريّة،أن يتعاملوا مع الوطن الحرَكيّ تعاملاً وفقَ كتاب الله وسنّة رسوله بأنّ المؤمنين إخوة،وأن يتعاملوا مع الوطن الجامد تعاملاً إنسانيّاً لا يحجر على محبّ أيّ البقاع أحبّ،ولا يكونوا كالمنافقين الذين قال عنهم الله {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا} ثمّ إنّ المعنى المفقود للوطنيّة والذي يرغبُه المجتمع حفاظاً على اللّحمة والجماعة لا يأتي والنّاسُ يتفاخرُ بعضهم على بعض،ويسبّ بعضهم بعضاً،والمسئولون منهم من ينحاز لأهل مكانٍ فيدعوه حبّه للتقصير مع أهل مكانٍ في ناحيةٍ أخرى،وما الوطنيّة التي تُنجي من التشرذم والتفرّق بالانتماءِ لما يقوله من يؤخذ من كلامه ويرد،ولكنّها تعني السّمع والطّاعة لوليّ الأمر وتقديم المصلحة العامّة على القناعات الخاصّة،وليقرأ النّاس قصص الأنبياء جميعهم ليروا كيفَ أنّ المهجرَ من نواميس الله في رسله عليه السّلام،حتى صارَ وطناً،وأصبحَ المهاجرون في الوطنيّة المرتبطة بشهادة الحقّ في منزلة واحدة مع أهل المهجر الأصليّين،وعلى النّاس أن لا يُقحموا الرأيَ الدّينيّ المنفصل عن الواقع العمليّ في وطنيّة شكليّة لا تسمن ولا تُغني من جوع .. والله أعلم

Advertisements

6 تعليقات

  1. Posted by غير معروف on 21/07/2012 at 10:45 ص

    جزاك الله خير على المكتوب . وأنار المولى قلوبنا جميعاً للخير .

    رد

  2. Posted by ابو عمار on 22/07/2012 at 5:39 م

    جزاك الله خير الجزاء على الطرح المميز
    والفكر النير والعقلية المتقدة .
    استمر بارك الله فيك ونفع بقلمك
    والله ما تسطره من اروع ما قرأت
    فلا حرمك الله الاجر

    رد

  3. Posted by أبو أنس on 28/07/2012 at 10:06 ص

    ما شاء الله عليك يا شيخ محمد … كلمات عليها نور
    نسأل المولى أن يبارك في علمك وعملك

    رد

  4. Posted by الراجية عفو ربها on 14/08/2012 at 8:16 ص

    بارك الله في كلمات نيرات تضيء الفكر كلمات سلمت يمناك يأستاذ محمد وبارك الله في علمك ونفع بك

    رد

  5. Posted by محمد يب on 19/08/2012 at 5:37 ص

    بارك الله فيك اخي محمد
    فقد أفدتنا كثيرا
    وشكرا لك على ما اتحفتنا به من الحكم
    ولا تنسي ملا حظتى السابقة

    رد

  6. شكرا لكم سادتي ..

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: