ساعة أبويا

قال لي أبي:إنّه قرّرَ هذا العام ليلة السابع والعشرين من رمضان االذّهاب إلى المسجد النّبوي الشّريف حتى يصلّي العيد رغم ضعفه وكبر سنّه ـ حفظه الله ورعاه ـ فما كانَ منه إلا أخذَ معه قليلاً من ثيابٍ وعباءة وشيءٍ من نقود للطوارئ،ودخلَ للحرم قبل مغرب تلك الليلة باحثاً عن محلّ له بين جموع المصلّين والزائرين الغفيرة،التي ملأت

كافّة أرجاء هذه البقعة الطّاهرة بجوار سيّد الخلق عليه أفضل الصّلاة والسّلام ..

يقول أبي:إنّه ما لبثَ أن وجدَ نفسه يسير باتّجاه مكانٍ يعرفُه في المسجد أصرّتْ ذاكرتُه أن تقودُه إليه رغم ذلك الازدحام الشّديد،فسار الهويني متلطّفاً بين النّاس يحملُ عصا يتوكّأ عليها حيناً ويحملُها حيناً أخرى خوفاً من إيذاء المصلّين،ومكثَ في رحلة الوصول إلى ذلك الجزء من المسجد المبارك الذي يقصده خمسة فروضٍ،يصلّي ذلك الفرض ثمّ يتقدّم قليلاً حينَ يخفّ ذلك الزّحام الشديد،ويجدُ متّسعاً من الوقت يحمله إلى ما يريد ..

وصلَ أبي إلى باب الرّحمة ووجدَ أمّة من النّاس يذودون عن أمكنتهم لا يقومون ولا يرتاحون من قراءة قرآن ولا من دعاء ولا من تسبيح وتهليل وصلاة،وكلٌّ يكادُ أن يحمي مكانَه الذي التزمه منذ بداية الشهر الكريم بسلاحه إن استطاع،حاولَ أبي النّظر في وجوه النّاس هناك وعرَفَ كثيراً من أقرانه بسيماهم في وجوههم التي لم تغِبْ عنه كلّما زارَ الرّسول صلى الله عليه وسلّم،وهم الذي يدعونَ الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم،ويصبرونَ أنفسهم مع المصلّين والعاكفين والرّكّع السّجود ..

عندَ ذلك الباب في مواجهة الحجرة الشريفة من الجهة الغربيّة من المسجد القديم ـ البناء العثماني ـ المسجد الأحمر كما كانَ يسمّى قديماً قبل تبييض الدّولة له قبل عقدين من الزّمن تقريباً،هناك وعلى جدار فوق ذلك الباب يوجد ساعةٌ كبيرة قديمة جدّاً،أرقامها مكتوبة كتابة الأرقام الهندية العربيّة،ولا زالت على الوقت تحسبُه حتى هذا الزّمن،مستريحة في ذلك المكان لا تسأم من الإحسان للنّاظرين بإعطائهم صدقَ الحديث في هذا المكان الزكيّ الجميل،خجلةً من مواجهتها لقبر نبيّ الحقّ وخير البشر سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم أن تُخطئ يوماً وتعطيَ النّاس توقيتاً ليس بالدّقيق ..

هذه السّاعة يقول أبي:أنّها ساعةٌ لها في نفسه حبّ الأولياء الصّالحين،وعشقَ النّاس الذين لا يرجون علوّاً في الأرض ولا فساداً،ساعةٌ كانَ والدُه (أحمد بابا) جدّي رحمه الله تعالى لا يجلس وهو في ملازمةٍ للحرم حتّى توفّي إلا تحتَها أو عندَها أو قريباً منها،ينظُرُ إليها لتعلمه بقربِ وقت الصّلاة وما عليه أن يفعل في جدولِ أعمالٍ سطّره لنفسه منذ قدم إلى هذه البلاد مهاجراً لله ورسوله ..

كانّ جدّك يا بُني،يقول أبي:يقبضُ على ساعدي وأنا صغير ذاهباً بي للحرم لا يحدوه سوى الوصول إلى ذلك المكان الذي اختاره ديدنه وعادته،ليصلَ إلى السّاعة ناظراً إليها ليتأكّد بأنّ الوقت الذي قضاه وهو يسير إلى الحرم لم يستغرق سوى المدّة الزّمنيّة التي تعوّد أن يقضيها ما شياً على قديمه،ليطمئنّ أيضاً إلى أنّها تمنحه من طيبتها وكرمها وحسن ضيافتها لمحبّي الرسول صلى الله عليه وسلّم وقتاً يصلّي فيها ركعاتٍ ويتلو فيها أجزاءً من القرآن الكريم قبل أن يحين وقتُ الصّلاة المفروضة ..

وصلَ أبي ـ حفظه الله ـ إلى ذلك المكان،وقال لي:تذكّرتُ يا بُني كلّ تفاصيل الزّمن الجميل،والحياة الرائعة بالدّعاء والعبادة،والنّفوس الصّافية التي لم تكن ترجو من الدّنيا سوى أن يقبضَ الله أرواحها وهو راضٍ عنها غير غضبان،بهديّة منه ورحمة أن يرزقها دفناً في البقيع بجوار الصحابة والتّابعين،وعلى قربٍ من قبر نور الله لخلقه في الدّنيا الهادي البشير النّذير محمد صلى الله عليه وسلّم،تذكّرتُ كيفَ أنّني كنتُ آتي لجدّك بما يحتاجه وهو معتكفٌ عند هذه السّاعة بالذّات،وآتيه لأقرأ عليه القرآن الكريم وأراجعه في هذا المكان بالذات،وكيفَ أنّني كنتُ أضبطُ التأخر وأتوقّع لومَ جدّك أو عتابه لي بمجرّد أن أراقب عقارب هذه السّاعة التقيّة ..

هذه السّاعة يا بُني كنتُ ولا زلتُ أُطلقُ عليها (ساعة أبويا) مستشعراً كم من الحبّ كان يكنّه جدّك رحمه الله تعالى لهذه السّاعة ولهذا المكان،جلستُ يا بُني عندَها في مكانٍ رزقني الله به في هذه الأيام شديدة الازدحام،فمنّ عليّ الله بكثيرٍ من النّاس رغم عدم معرفتهم بي بأن أفسحوا لي أمكنتهم،وحين رأوا كبر سنّي وضعفي تسابقوا لمدّ يد العون لي،طعاماً وشراباً وسعة صدر وحرصٍ على أن يكونَ أعظم الرّاحة لي،وأغلب ما أتوا به من غطاءٍ ومفارش لي،حاولتُ أن لا أكلّف أحداً شيئاً ولكنّي ما استطعتُ والمكانُ يأسرني أن أغادره،ولم أستطع أن أخرج من كرمِ زوّار هذا المسجد الشريف ولا من حسنِ أخلاق هؤلاء المعتكفين ..

فاعلم يا بُني:بأنّ من ماتَ من أوائل النّاس الذين كانوا يصرّونَ على أن تكونَ حياتُهم مفرّغةً للمسجد النّبوي الشريف،كانوا يعتادون ريادة مكانٍ معيّن في هذا المسجد،كلّ واحدٌ منه قضى عمره يصلّي في صفّ معيّن،وآخر قضى عمره يسند ظهره لاسطوانة معيّنة،وثالثٌ لم يبرَح باباً معيّناً يدخل منه،حتى صارت هذه الأشياء بالنّسبة لهم شاهدةً على حالهم الذي لم يكن يخفى على الله تعالى وهو الحفيظ على أعمال عباده الصّالحين،ونحن اليوم يا بني نحنّ لهذه الأماكن التي تشعرنا بعظم تقصيرنا تجاه ملازمة هذا المسجد الذي شرّفه الله وكرّمه بنبيّه صلى الله عليه وسلّم،وفي ذات الوقت تشعرنا بأنّ جمادات هذا المسجد لها من القيمة ما للأحياء فيه،ولك يابنيّ أن تستشهد بجذعٍ حنّ للمصطفى صلى الله عليه وسلّم حتى سمعه النّاس،واعلم بأنّ (ساعة أبويا) هذه لم تكنْ لتكذب ولا لتتغيّرَ على المصلّين وهي لا شكّ تستشعر عظمَ المكان الذي هيَ فيه وعظمَ الخدمة الشريفة التي تقدّمها للنّاظرين،في صمتٍ وتواضع،وعظم الدّلالة التي هي بصددها،وهي تدلّ الخلقَ على وقتِ الصّلاة ..

Advertisements

6 تعليقات

  1. Posted by مها الكردي on 20/08/2012 at 12:54 م

    يا الله . ما اروع الرحلة التي سرتها مع الخال وهو يسير نحو الساعة ,استشعرت كل خطوة فيها وكل مشاعره

    فعلا لذاك المكان روحانية لا يستشعرها الا من صفت قلوبهم , وصدق توحههم الى الله , بارك بك اخ محمد على هذه الروائع التي تعيد صلتنا بالوالد بما عرفناه عنه من سماحة ودماثة وحسن خلق .

    ,اللهم ارحم جدك وبارك لنا في عمر والدك .

    رد

  2. Posted by ahmad on 20/08/2012 at 5:45 م

    لطالما غرفت أناسا تخذون مكانا واحدا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يداومون المكوث به مستطاعو لذلك سبيلا….. يكون شاهدا لهم …… ويعرفون كثير من الناس موقعهم فيه…..وحين تزور المسجد النبوي ولم تجد الرجل مكانه تطوف بك الذاكره سريعا ….يربطك المكان بشخص تفقده و تتذكر صورة و ملامح صاحب المكان و تفتقده…..هنا تدعو …الله أن يكون بخير… اللهم تقبل من كل من الرتبط بتلك الاماكن المباركه و فضلوها على من سوها وجعل لهم فيها حسن المقام .والجوار ومنه والدنا الكريم أيا عبدالجليل و متعه بالصحة و العافيه….. آمين

    رد

  3. اللهم اجعل اوقاتنا عامرة بذكرك
    واجعل القرآن ربيع قلوبنا

    رد

  4. Posted by روان on 10/06/2013 at 11:42 م

    الله يقويه ويحفظو اللهم أجعل لنا الدنيا حفظ و أمان أنا روان يا بابا

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: