سلسلة حٌقوقٌ ومُستحقّات ـ رمضان 1434هـ

images

مقدّمة

لقد أعانني الله تعالى في شهر رمضان للعام قبل الماضي 1432هـ لاستكمال (29) حلقة من سلسلة بعنوان (في الفقهِ شَواردُ ونَادِرات) .. ووفّقني في شهر رمضان للعام الماضي 1433هـ لتسطير (30) حلقة من سلسلة بعنوان (فِتَنٌ ومُنْجِيات) .. وما ذلك إلا بنعمة ربًّ كريم متفضّل حنّان منّان دعتني أن أواصل اللقاء معكم للعام الثالث مستغلاً نفحات ربًّ كريم في هذا شهر رمضان العظيم لهذا العام 1434هـ،الذي أسأل الله أن يبلّغني وإياكم إيّاه،أن أشرع في سلسلة جديدة بعنوان (حُقوقٌ ومُستحقّات) وأحاول أن أقدّم في كلّ يومٍ من أيامه عند الساعة3،30 صباحاً سطوراً معدودة في (حَقٍّ ومُستَحقّ) من مضامين المفهوم العام لثقافة الحقوق لكافّة الشرائح والموجودات التي ملأت الدّنيا وشغَلَت النّاس،وسأكون بإذن الله حريصاً حسب جهدي المتواضع وقليل من تعليم مكتسب على الاعتماد على مقصدٍ شرعي ودليل أصليّ كي يكونَ (الحَقُّ) واضح المعالم للقارئ،ويظهَر (المُسْتَحَقُّ) لازماً له ظاهرَ اللزوم والاحتياج،وسأبيّن في تمهيدٍ ليلة رمضان ما قصدتُه من الفرق بين (الحقّ والمستحقّ) وما تربطهما من علاقة،وأوضّح سببَ نكوصي عمّا درجَ عليه التعبير من ملاصقة الواجبات للحقوق وارتباطها بها،سائلاً ربي أن يعينَ،ومبتهلاً لهُ أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه،وأن يقينا وإياكم الشر،مع شديد سعادتي لمتابعتكم وقراءتكم ونقدكم ومشاركتكم .. والله أعلم

تمهيد

تفصيل بموضوع السلسلة/ أوّلاً/ ما قصدته بالحقوق هي جمع حق وهو الأمر اللازم لمن هو واجب له  بحيث لا يكون بعدم وجوده كما هو مكتمل في الماهية .. ثانياً/ ما قصدته بالمستخقات هي جمع مستحق وهو يلزم الحق ليكون حقاً من تبعات في التطبيق والإعطاء والوجوب .. ثالثاً/ اعتاد الكتاب والمصنفون والمتكلمون ذكر الحقوق والواجبات سوية من باب ما يلزم الفرد ويستحقه وهو حصر للأمر في الإنسان المدرك ،وموضوع السلسة أشمل من ذلك فقد تكون الحقوق لمن لا واجبات عليه إنساناً كان أو غيره ..

المسألة الأولى 1434/9/1هـ

حُرّية التّعبير

(الحَقُّ) أنّ الكلام والتكلّم نعمة من البارئ عزّ وجل أذِنَ لها أن تكون هي آلة التّخاطب بين النّاس ليفهم بعضُهم بعضاً ويسمع بعضهم من بعض فينتُج عن ذلك تعامل بشري ضبطَه الشّارع بتعليمات وتوجيهات وقوانين هي من ذات اللفظ والكلام وأعمال اللسان التي يستخدمها البشر،والله تعالى جعل الحقّ الثابت للمسلم أن يتحدّث ابتداءً،ولم يحاسبه على ما يجول في خاطره ولا ما يدور بينه وبين نفسه ما لم يتحدّث به ليدخل حينها في طائلة المسائلة والمسئولية والحكم بالخير أو الشرّ،فحقٌّ للإنسان أن يتحدّث بما يريد وما يرى وحقٌّ للشارع أن يجعلَ ما يتحدّث به الإنسان إجمالاً من فئة الخير أو الشرّ حسب القواعد والتنظيم الذي جاء من ربّ العالمين ولم يدع صغيرة ولا كبيرة إلا وبيّن طلبها أو منعها ..

و(المستحقّ) بأنّ انضباط اللسان بمدلول الهداية الرّبانية مطلبٌ شرعي ملحّ،من خالفه وقع في الحرام الذي يأثم عليه ويحاسبه عليه المولى يوم القيامة،والعموم يغلمون بأنّ الكلام ابتداءً داخلٌ في الحلال من الأمور،ولكنّه يدور مع أحكام التكليف الأربعة الباقية من حرام وواجب ومندوب ومكروه وفق ما يُتَكلَمُ به،وكلّ ذلك من بدهيّات الدّين التي لا يسعُ المسلم تركُها إلا إذا نكص عن الصراط السوّي وابتغى غير الإسلام ديناً،ومن هو مُنصفٌ يٌدرك بأنّ حرّيةً مزعومة مرتبطة بأذيّة الخلق أو النّيل منهم أو من أعراضهم أو إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا أو القول على الله بلا علم أو احتمال الكذب الذي لا يطيقه من آمن بالله واليوم الآخر جزاءً وعقوبةً وغير ذلك من مخالفة واضحة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلّم هي آفة العصر ومادّة اختلاط الحابل بالنّابل وفوضى الحياة والدّين والسّياسة حتى لبّس على الغالب الأعمّ إبليس وصدّق عليهم ظنّه فزيّن لهم سوء عملهم فهلكوا وأهلكوا .. والله أعلم

المسألة الثانية  1434/9/2هـ

مظهرُك (الحقُّ) أنّ ما يرتديه الإنسان وما يهتمّ به تجاه بدنه ومظهره فذلك من أساسيّات إرادة نفسه وتوجّهات ما يراه مناسباً له،والحقّ أنّه في مساحةٍ وفُسحة من أمره بين حينٍ وحين ووقتٍ وآخر،والابتداءُ في ذلك لا حدود له غير ضابطٍ إلهي عظيم واسع مشرق حين ألهم أبوينا لباساً يواري سواءاتهما ثمّ مكّن لهما ولذرّيتهما من بعد ذلك في موادّ الأرض ما يلبسون ويرتدون ويتّقون به حرّاً أو برداً،ومن الحقّ بأنّ الزينة تبعٌ لذلك حين ترتبط بالتصرّف الشخصي الانفراديّ،كما الحقّ إنصاتُ المسلم حينَ دانَ ربّه بشهادة الإسلام لتعاليمٍ واضحة جليّة فيما يخصّ غطاءً يحجب بعض أجزاء جسده،أو زينة لباس ومظهر لها من تنظيم الفقه حظّ ونصيب .. و(المستحقّ) بأنّ العُرف الذي لا يخالف أصل الحلال والحرام لا يمنعُهُ إلا ظالم لنفسه ولغيره،ومن استحقّ حريةً في ذات نفسه يفعل فيها ما أمره الله بها خالق تلك النفس وموجدها،فلا الأمر بالزينة عند المساجد ولا أمور الفطرة ولا آيات الحلال والحرام في زينة النساء ولا النّهي عن ثوب الشّهرة ولا الخيلاء بجرّ الرداء ولا خلافٌ في التعامل مع اللحية ولا فقهٌ رائع مفصّل في منهيات مذمومة تخصّ وجه امرأة أو رجل ولا ممارسات فيها ما يتنافر مع أساسيّات جمال الإنسان المسلم في حلاقة شعره أو وَشْمٍ على الظاهر من جسده كلّ ذلك وإن ضاق عن الحصر لا ينفي الحقّ في اختيار الأنسب بين كثيرٍ تبقّى وبقي على أصل الحلّ،كلُّ مسلم ومسلمة حريتُه مطلقة فيما عدا ما نهاه عنه ربّه الذي لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون .. وما يريد إلهٌ ممّن خلقَ إلا خيراً وظُهوراً على العالمين بدينٍ أساسه الجمال ُفي الروح والنورُ في الوجه وملامحُ النّعمة في الامتثال .. والله أعلم ..

المسألة الثالثة 1434/9/3هـ

الصّحابةُ رضوانُ الله عليهم

(الحقّ) أنّ هناك فئة من النّاس رأوا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم وآمنوا به في حالات مختلفة وأوقاتٍ شاءَ الله تعالى ان تكون ميعاداً لإسلام كلّ منهم،وتبعوه وعزّروه ونصروه،وانتقل هو صلى الله عليه وسلّم وهم على ذلك العهد الإيماني باقون مستمرّون،وشهدَ لهم جميعاً بالرّضا عنهم والاطمئنان لصّنعهم،واوصانا بهم خيراً وتوقيراً وكفاية أذى وإحجام شرّ،ثمّ الحقّ الذي لا مرية فيه أنّهم منّا وممّن جاء بعدهم أفضل وأعظم عند الله ورسوله،كما الحقّ بأنّ من صحِبَ حين الضّيق ونصرَ حينَ الضّيم وأنفقَ حينَ العُسرة ورأى حينَ ظهور النبيّ الخاتم وجهاً هو أفضل وأكرم ما خلق الله في هذه البسيطة هو خيرٌ ممّن لم يفُز بذلك قدَراً وترتيباً من ربّ العالمين،والحقّ بأنّهم جميعاً عدولٌ طالما استمرّ فيهم ما اشترطه تقصّي واقع حالهم رضوان الله عليهم،لا يسعُ المسلم إلا الرضا عن الذين رضيَ الله عنهم ورسوله صلى الله عليه وسلّم،والعاقلُ في العلم الرّاسخ في قراءة سنّة الله في خلقه المتبصّر في مبعث النبيّين وقصص المرسلين يُحِقُّ الحقّ بأنّ صُحبةَ الأنبياء مع الإيمان موجبةٌ للتوقير والانفراد بحدود هي من ذات حدود ما لا يمكن لمسلمٍ أن يتخطّاها،فلا يدري أيّ هاويةٍ تأخذُه،والحقّ أنّه لاعصمة إلا للنّبي صلى الله عليه وسلّم وليسو هم بالمعصومين،ولكنّ دين الله معصوم،والمحترمات من الأمور في كلّ نظام اجتماعيّ أو سياسيّ أوثقافيّ مُنَاطٌ بها ظهور الحقّ لها،فكيفَ بنظامٍ ربّانيّ امتدحَ هؤلاء القوم بالعموم،وجلّى مواقف بعضهم بالخصوص ..

و(المُستحقٌّ) أنْ ينشغلَ المسلمون بكافّة مستويات علمهم وثقافتهم بما يرفعُ من شأن أشخاصهم إذْ هم مسلمون،أمّا هؤلاء الصحاية الكرام فهم أمّة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت،ما ارتباطنا بهم إلا كرامةً وهبها لهم من هو عالمٌ بحالنا وحالهم أن جعلهم واسطة وصول هذا الدّين القويم لنا،فهم في بداية السّند أعظمه،وعند استحقاق التبيلغ أتقى من أدّى ونصَح،وقد استحقّوا في النفوس عنايةً تجلب الأمان أنّ شريعة ربّنا محفوظة،وكتاب خالقنا متحقّق الصّدق يقينيّ الورود،وليس بالمستحقّ أن تأخذ بأنفسنا تبعيّةُ اللامبالاة،وانهزامية التشكيك،فنزعمُ جُزافاً أنهم رجال ونحن رجال،في كلمة حقّ أريدَ بها باطل،فالفارق عظيم بالوصف والحال والزّمان والمكان وشهادة الصّادق المصدوق صلى الله عليه وسلّم،ويستحقّ منّا هذا الأمر أن نعلم بأنّ ما جرى بينهم وما حدث في تاريخهم وقصص معيشتهم وحياتهم ــ في الذي صحّ منها ــ فهو في الحقّ أنّه كما نحنُ،نختلفُ ونتّفق،ونرى ونغضب ونتعسّف وندافع عن قضيّة ونهاجر مخالفين،لكنّ استحقاقهم للسّكوت منّا عمّا لا يليق واضحُ البيان،ظاهر البرهان،فأولى المسلمين بحُسن الظنّ وسلامة الذّكر هم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم،في قاعدةٍ اجتماعيّة تحفظ ترتيب الأولويّات ومنطقيّة التصرّفات .. والله أعلم

المسألة الرابعة 1434/9/4هـ

البيئَة

(الحقُّ) أنّ الله وهو الخالق والمبدئ والمسخّر استخلف الإنسان في الأرض ممكّناً له فيها ما يعينه على ذلك الاستخلاف بالحقّ والقسط والعدل والصّواب،والحقّ الذي عليه كلّ من يهتمّ بالطّبيعة والكون أنّ إبداع الله فيه وتنظيمه وإنشائه على غير مثالٍ سابق مُعجزٌ للقاصي والدّاني،والعقل والمنطقُ السليم يقود الإنسان أن يحترمَ موجوداتٍ وجدها من غير نصبٍ ولا تعبٍ في غاية الصّلاحية والنّفع والاستقرار،وأنْ يعرفَ بأنّ غيرَ ما هيّأه الله له من قوانين هذا الكون هو شاقٌّ له يُعسّرُ عليه حياته،وليُنظَر لقوله تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ،قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ) وفي ذلك نمَطٌ من التّذكير العميق بأنّ (البيئة) استئمانٌ من الله عندَ مستخلَفين فيها،إن هم أحسنوا وحافظوا واتّقوا،فهم في الاستخلاف مؤدّون حقّ ربّهم وحقّ نعمه وحقّ عباده المشتركين معهم في الإفادة من مناحيها،وإن هم خالفوا وضيّعوا وأنهكوا وأهلكوا وتجاوزوا فهم لا محالةَ من خلق الله الذين قال عنهم (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) والفَطِنُ يعلمُ بأنّ فسادَ الأطعمة عدم صلاحيتها للأكل إمراضاً وذائقة،وفسادَ البيئة عملُ الإنسان بما يعكّرُ صفوَ ماءٍ أو هواءٍ أو نباتٍ أو راحةٍ أو هدوءٍ أو سكنٍ أو طريقٍ أو مخلوقات وغيرها،ذرأَ الله ذلك كلّه بحكمةٍ وفائدةٍ وقدْرٍ هو الصّالح للآدمي إنْ عرَفَ أنّه لا يسكنُ في هذا الكونِ وحدَه،وقد ــ والله ــ ذاقَ المسلمَ نتيجة عمله وعمل غيره في اشتراكٍ أو استبدادٍ في أفعالٍ جعلت المهتمّين العقلاء يعرفون ما معنى تهديد البيئة ..

و(المُستَحقُّ) أنّ الإنسان في أوّل مأمورات الاستخلاف مرعيٌّ منه إعمار الأرض بسلوك العلم الذي علّمه الله وفق ما يكفُل حصول المطلوب مع بقاءِ الأصل تبعاً لجريان الحياة واستمرارها ووجود آخرين هم في هذا الحقّ سويّة مع الجميع،ويستحقّ هذا الكون من المسلم عنايةً ظاهريّة طلبها منه الله تعالى حين استدعى منه القصْدَ في القول والعمل،وحينَ نهاه عن الإفساد في الأرض،وحينَ أعطاه من تعليمات التشريع والفقه العمليّ ما يفيده حين التعامل مع جميع المخلوقات الحيّة وغير الحيّة في هذا الكون،وحينَ امتنّ عليه بالليل والنهار والشمس والقمر والحرّ والبرد والزرع والثمر واللبن والعسل والجبال والدّواب والأنعام والقمر والبحر وما فيه والنّار وشجرها وكثيرٌ من نعمٍ في هذا المجال لا تعدُّ ولا تُحصى،فاستحقاق البيئة حولنا ومعنا للمحافظة واجبُ الأداء ابتداءً قبل الشروع في العمل،وواجبُ المراعاة استطراداً حين العمل،وواجبُ الكفّ انتهاءً حينَ ظهور النتيجة السلبيّة بيقين العارفين العالمين بهذا الصّدد والنّوع من العلوم،وهذا الاستحقاق العظيم لمن يغفلُ عنه مؤذنٌ بتعكير الحياة ومشقّتِها وعنتِها بعد حين،فكيفَ بمن أسلمَ نفسه لشهوات ربح وذريعة تقدّم وتطوّر دونما نظرٍ لأذيّة خلْقٍ أو مرض أناسِ أو قحطِ أرضٍ أو بوار زرعٍ أو فقدان اطمئنان،إنّ استحقاق البيئة لما هو فرْضٌ لها مرتبطُ باستحقاق عباد الله لما هو واجبُ الأداء لهم من إخوانهم،فلا يستكثرنّ المسلم على النشطاء في مجال حماية البيئة بشتى صورها عملَهم وجُهدَهم،ولا يظنّنّ المسلم بأنّ عملاً كهذا من نافلة الفعل ولا من زوائد القول ولا كماليّات التحضّر،بل هو فيما أعتقد جهادٌ لمن استحضرَ النيّة .. والله أعلم

المسألة الخامسة 1434/9/5هـ

احترامُ الأديان السّماوية

(الحقُّ) أنّ ربّنا تبارك وتعالى بعثَ في العالمين رسلاً،واصطفى من الملائكة رسلاً ومن النّاس،واجتبى نبيّين وجعلهم للنّاس هداية ومرشدين،وأنذر وبشّر على ألسنة من بعثهم وأرسلهم ليعبدَ الإنسان إلهاً واحداً لا شريك له،ومن الحقّ أن نعزوَ الحقّ للقرآن الكريم الذي بينَ أيدينا أنّه قصّ علينا من أخبار الأمم السابقة ما يفيدنا بأنّ الله جلّ شأنه أرسل الرّسل وأنزل الكتب بالحقّ الذي لا يتغيّر ولا يحول ولا يزول (أَنِ اعْبُدوا اللهَ ولا تُشْرِكوا بهِ شيْئاً)،فما نزلَ من السّماءِ واحدٌ لا ثانيَ له،ومحْضُ حقٍّ لا انقشاعَ له،ومن غيّرِ وبدّل هم النّاس والأتباع بعدَ أن استعملَ فيهم الشيطان قواهُ وأسلحتَهُ التي قدّرَ الله أن تكونَ له،ومن عرَفَ من الحقِّ هذا القدْر علمَ بأنّ مفهوم الدّين من العلوّ بمكان ليعرِفَ النّاظرون أنّ إطلاقه على أصل الدّيانة لربّ العالمين واحد دون غيره،وهو أنّ المعبود بحقٍّ هو الله وحده،وأنّ الشرك منذ خلقَ الله الأرض ومن عليها ظلمٌ عظيم،وسيظلّ كذلك،ولكنّ مفهوم الدّين إن استخدمه المتكلّمون في شرائع وفقهيّات تخصّ كلّ أهل زمنٍ وأمّة نبيّ بخصوصهم فذلك لهم ثابتٌ وواضحٌ في الكتاب العظيم الذي جاء مصدّقاً لما بين يديه وما قبله من الكتب والأديان،فالحقُّ أنّ إبراهيم عليه السلام جاءَ بالحقّ وكذلك إسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وأيوب وموسى وعيسى وسائر من جاء ذكرهم في القرآن عليهم السّلام،وآخرين لم يقصُصهم الله علينا أدّوا وبلّغوا،منهمْ من كُذّب ومنهم من قًتِل،حتى جاءَ نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم بالحقّ الثابت إلى يومِ القيامة،مؤكّداً بأنّ كلّ دين قبله دعا إلى ما يدعو إليه هو،وأنّ كلّ نبي ورسولٍ قبله مؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلّم قبل مبعثه بوحيٍ وإلهام ممّن بعثهم أجميعين،فالحقّ أنّ ديننا دينُ التّقدير والاحترام لكلّ دين وكلّ رسولٍ ونبيّ بعثه الله في قومه لا يتمّ إيماننا إلا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه ..

و(المستحقُّ) أن تعلمَ أمّة الإسلام بأنّ المفصلَ العظيم،والموقف الدّقيق،والفارق الرّقيق،فيما يًروّج له من ثقافة احترام الأديان وتبادل الثّقافات ومسالمة الاعتبار في قدسيّات ما يقدّس آخرون،أنّ ذلك مرجعُ استحقاق الحقّ منه لكتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلّم لا غير،ومن بغى وشطّ أو حافَ وانحرفَ أو تغاضى ونسيَ فهو من هوى نفسه قريب،ومن وسوسة شيطانه دانٍ،فما تستحقّه الأديان السّماوية الثابتة بعينها في كتاب الله تعالى ممّا نصّ عليه القرآن الكريم هو ذات ما يستحقّه دين الله تعالى الذي ندين الله به وهو الإسلام على اعتبار أنّ الدعوة متماثلة متوحّدة منذ بعث الله رسوله الأول حتى أرسل رسوله الخاتم صلى الله عليه وسلّم،وما ذلك إلا عبادة الله وحده لا شريك له،ومن هذا المنطلق كان المفهوم الكبير أنّ الدّين عند الله الإسلام،ولا يعفينا ذلك الاستحقاق من استحقاق شرائع النبيّن قبلنا وأممهم وفروع دينهم وفقهيّات ما أمرهم الله به وما نهاهم عنه وما وضع عليهم من أغلال وما عاملهم به من جرّاء صُنعم أنّ كلّ ذلك في عقيدة المسلم محترمُ التبجيل حينَ ارتباطه بأنّ الآمر الله والنّاهي هو الله،في ذات الوقت الذي ندين الله أنّه هو من نسخَ ذلك بشريعة الإسلام وفقهيّات هذا الدّين العظيم،وأمّا ممارسة أتباع الأديان السّابقة في أثناء وجود أنبيائهم وبعد موتهم وحتى يومنا هذا من تحريف وتغيير وتبديل فتلك أمّة قد خلت،نؤمن بأنّ ما أثبت الله تحريفه بأنّه كما قال الله ونسكتُ عن غير ذلك،مُعْمِلين توجيهَ ديننا في مسالمة أهل الكتاب من غير خوض في تفصيل ما يفعلون ما لم يرتبط بنا،فالمستحقّ للأديان السّماويّة السابقة من حيث الأصل والباعث والعموم هو من أصل الدّين الذي نحنُ عليه فيما ذكره الدّليل،ولكنّ الذين يزعمون أخوّة بين الصّليب والقرآن مثلاً،فيما شاعَ من رفْعِهِ كشعارٍ للمسالمة يفترون على الله الكذب ويقولون على الله ما لا يعلمون،فلستُ أنا ولا غيري ولا بشرٌ هو من قال (لَقَدْ كَفَرَ الَذينَ قَالُوا إنَّ اللهَ هُوَ المسيحُ ابنُ مَرْيَم …. لَقَدْ كَفَرَ الّذينَ قَالُوا إنًّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ) ولكنّ القائل هو ربّهم وربّنا وربّ ا

المسألة السادسة  1434/9/6هـ

نَفْسُك

(الحقُّ) أنّ الله مستودِعٌ نفسَ الإنسان دينَه ويقينه وإيمانه أنّ مالك النّفوس ومجري نفسَها هو وحده دون غيره،وحين قال تعالى (ولا تَقْتلوا أَنفسَكم) فالاسترعاءُ للسَامعين أن يعوا حقّ هذه النّفس بمعنى كبير شامل عام يحذّرنا منه التعبير بقتل النّفس، ليقودنا ذلك إلى مدلولات كثيرة ضارّة بذات الإنسان تصبُّ في مُحيط الإلغاء أو التّهميش أو الإهمال والتّقصير،والحقُّ أنّ أولى الموجودات بالصّحبة والاعتناء والعناية بما هو مطلوب أو مُلِحّ أو مستساغ هي النّفس الإنسانية من صاحبها وراعيها،فالمولى عزّ وجل زادنا تبياناً لهذا الحقّ العظيم فقال (ولا تُلقوا بأيدِيكُمْ إلى التّهلُكةِ) ليعرف المسلم بأنّ السّير بالنّفس نحو ما يهلكها أو يقترب من ذلك تضييعاً أو لا مبالاة أنّه من منهيّات الشّرع بل وسعيٌ لإفساد نفس سويّة اختيرت لتحمل رسالة ربّها في كلّ ما تعمل وتقول وتشعر وتتعايش،فما من حقٍّ أجدر بالالتفات من حقّ نفس على ذاتها وتعامل سلوكيّاتها معها،وثابتٌ في كلّ التنظيرات والتأطيرات أن رضا النّفس عن النّفس مطلبٌ إنسانيّ يرقى بالفرد ليكون عامل إنتاج عبقريّ على الصعيدين الذّاتي والمجتمعيّ،مع احترامٍ لها مقترنٍ بمحاسبة هي للنّفس ضرورةٌ إنْ أُجيدَتْ ..

و(المستحقُّ) اشتغالُ النّفس بما يصلحها أولاً من دُربة وحبْسٍ على التعليم مستكينةً لوجوب تلقّي المعرفة التي بها تؤدّى المأمورات من مصادرها الأصيلة في استصحاب لحُسن التربية والتأديب،وتستحقّ النّفس كافّة ما يستحقّه الآخرون منّا عناية ورعاية ودَلالاً وتلمّس حاجات،إنْ لم تكن هي بذلك القدر المحيط من النّظر الحاني أولى وأحقّ،فمكافأة على نجاحٍ أو حسن صنيع أو حصول مطلوب ترتاحُ له النّفس كما لو كانَ من قريبٍ أو صاحبٍ وجدَ منك معروفاً استحقاقٌ عظيمٌ فوْريّ،ووقتُ راحة ورواحٍ وارتياحٍ بعد عناء جُهد ومشقّة عملٍ من أولى أولويات عدم هضم حقّ النّفس فيه،وبسمةٌ وابتسامة وترويحٌ ولعبُ قلبٍ وتزيينُ خاطرٍ بما يحلّ فيه من غذاء النّفوس ما تموتُ وتمرض إن مُنَعتْه أو فاتَ وقتُه،ونفوسنا صغاراً وكباراً لنا محتاجة باستحقاق فرْض العينِ أن تكون مسرحاً لاعتيادٍ بالطّيب من القول والفعل والأكل والشّرب والمعرفة والرّياضة وفعل المحبوب والمرغوب،ولا ينفي هذا الاستحقاق ما يعرفه القاصدون من مخالفة الهوى والركون للكسل وفقدان حيويّة المنشط فليس ذلك للنفس المسلمة بسلوك،كما أنَ جدّيّة تعذيب النّفس ومنعها مستحقّها من بهجة حياة أنعم ربي بها عليها مصادرة لحقّ كلّ نفس مسئولة عنه،وما نَفْسٌ محترمَةٌ لم تحترم هي نفسَها حالَ خلوة .. والله أعلم

المسألة السّابعة 1434/9/7هـ

السّياسَة

(الحقٌّ) أنّ سنّة الله في خلقِه وأرضِه مضَت بأنّ أمّةً من النّاس يحكمون آخرين ويقومون على شئونهم وإدارة دولهم ومجتمعاتهم لأنّه تعالى قال (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً) وهذا قوْل نبيّ لقومٍ هم بوحيِ الله مؤتمرين،والحقُّ كذلك بأنّ سنّة الله في خلقِه وأرضِه ماضيةٌ بوجود معارضين ومخالفين غير راضين عن قائدٍ أو كبير لأنّه تعالى قال (قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ) ولم يُنكَر عليهم هذا القول ابتداءً ولا هذا الاعتراضُ وجوداً،لأنّ ذلك من طبيعة بشرٍ،ربّهم هو أعلم بهم،والحقُّ أيضاً أنّ للمُلكِ والقيادة وكونِ فرْدٍ أو جماعةٍ هُم رأس الأمر في مجتمعٍ أو حُكمٍ أسبابٌ وعِلًلٌ ومُرَشّحات يقتنعُ بها الذين يدينون بدين الله العامَ الشّامل،لأنّه تعالى قال (قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) فلا غرابَةَ من تولّي سدّة الحُكم بظروفٍ من الظّروف التي بثّها الخالق في عباده وجعلها بينهم من طبائع الدّول وتتالي الحقَب،لكنّ الحقَّ في ضبْطِ ذلك مردّه لله ورسوله حيثُ كفانا دستورنا القرآني وبياننا النّبوي مؤنة البحث والتنقيب عن سياسة غير سياسة نبيّ خاتم صلى الله عليه وسلّم وخلفاء راشدين ساروا على نهجه واهتدوا بهُداه،فالحقّ الجامع للسّياسة هو العدْل الذي هو رأس الأمر وغِراسُ الاستقرار وثمرة الممارسة والتنفيذ،ومن الحقّ أن ارتباط السّياسة بالمفهوم الكبير الذي منه يأخذ كلّ فرد من أفراد المجتمع بنصيبٍ منها يُحَقُّ في حالة كلّ صغيرٍ وكبيرٍ حسْبَ حاله وعلمه ومكانته وتقاه وورعه ورضاه ونظره وتقديم مصلحة الجماعة على الواحد وأمورٍ كثيرةِ من واجبِ كلّ مسلمٍ أن يحتاطَ لنفسه بالنّظر فيها ومراقبتها تفصيلاً وتمحيصاً قبل خطوات اللسان ومُخرجات العمل والقول،وكلّ الحقّ في السياسة أنّ للمستفيد حظُّ من الرأي،وللقائم حظٌّ من الإقرار،والأمر شورى في أهله،ورضا النّاس غاية لا تُدرك،ومن لم يهتمّ بأمر المسلمين فليس منهم،وحسب امرئ من الإثم أن يسعى لسلْبِ أمنٍ من آمنين ..

و(المستحَقُّ) مقرونٌ بحالتين،الأولى: في أمّة من النّاس يحكمون ويُحسنون ويعدلون ويبذلون الوسع في سياسة الأمر وقيادة المجتمع للخير الذي هو غالبٌ على الظنّ من غير منكرٍ واضح العيان شديد البرهان تُنقَضُ على أثره عُرى الإيمان،ففي حالةٍ كهذه ينالُ الفرد من السّياسة ما لفتَ إليه شرعنا الحكيم من أصلٍ عظيم هو الاحتساب في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ورعاية بيعةٍ بايع فيها كلّ واحدٍ أصالةً أو ضِمناً حاكماً مسلماً في رقبته ما يعملُ من خيرٍ أو شرّ،ومستحقٌّ للفرد ما جعلهُ الحاكم من الحقوق له دون منازعةٍ أو اختلاف سائقٍ للفتنة والتشرذم،الثانية: في مجتمع وقومٍ لهم من تنظيمات أنفسهم وثقافة حالهم أساس مشاركة وترتيب تنويعٍ ضبطوا به حال من يحكمهم وما يحكمهم،ورضوه وساروا عليه زمناً فجرّبوه وانتفعوا به وصلُحَ لهم ولأفرادهم وما هم عليه،ففي حالةٍ كهذه فالمستحقّ من السّياسة ما ترمي إليه أنظمتهم وقوانينهم التي نظّموها وارتضوها بكلّ آلة هم عليها قائمون ومطمئنّون،والمستحقّ العام أن لا مُشاحّة في سياسة النّاس بما يوافق أصلَ تكوينهم ومردّ طبائع شعوبهم،فالرأي والحكمة والعدّل والحلم والتّقى والقوّة والحصافة من كلّ سياسةٍ نحاولها أو نتجاذبها أصلٌ وميزان،ولا يصلُحُ النّاسُ فوضى لا سُراةَ لهم .. واللهُ أعلم

المسألة الثامنة 1434/9/8هـ

مكة والمدينة

(الحقُّ) أنّ للمدينتين قُدسيّة مَنْ حرَمهما ومن حفِظَ لهما مكانتهما وقَدْرهما بين النّاس على مرّ العصور،فالحقُّ لهما ممتدّ ما دامت السّموات والأرض وما دام الليل والنّهار،اختارهما رب البلاد والعباد ليكونا منارة الهُدى واليقين والنّور والبركة والدّين،وجعلَ الإيمان منهما يبدأ وإليهما يأرِز وينتهي،فمن الحقّ أن يكون حقّهما متعلّق بقلوب كلّ المسلمين الذين يؤمنون بالله ورسوله ويشهدون شهادة الحقّ،فالحقُّ الثابتُ لهما يجعلُ من أعمال الإيمان في القلوب أن تكون لهما مُحقّة الحقّ بحقّهما،وأن تكونَ خاشعة التّعظيم والتّقديس لهما،فهما بحقّ من شعائر الله إن لم يكونا أمّ الشّعائر،فالبركةُ لهما حقّ،والنّور لهما حقّ،والإيمان لهما حقّ،واختيار الله لهما حقّ،وجَبْلُ الأفئدة على حبّهما حقّ،والحجّ لبيت الله الحرام وحده دون غيره حقّ،وزيارة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلّم من أعظم الحقّ،وحينَ يستقرّ هذا الحقّ الكبير لمنطقتين من هذا العالم بأمر ربّانيّ واجب الخضوع والإيمان ترقى النّفوس بالحقّ الذي من أجله هما بالحقّ أولى،فليس في المدينتين إلا كلّ الخير الذي ينشدُه المؤمنون،وكلّ النّور الذي يتلمّسه القاصدون،وكلّ الحِفظ الذي يسعى إليه العائذون بربّهم،فلترابهما حقّ ولهوائهما حقّ ولمن يسكنُها حقّ،ولمدافنهما حقّ،ولحرمهما حقّ،ولمساجدهما حقّ،وللكعبة حقّ،وللمسجد الحرام أعظم الحقّ،وللنبي صلى الله عليه وسلّم كلّ الحقّ تماماً وكمالاً حيّاً وميّتاً على وفقِ الدّين الخالص من الشّوائب،ولمسجده الحقّ كما أراد،وللمدينة التّحريم كما قال،ولأهل المدينة الخصوصيّة كما أخبر،والحقُّ أحقٌّ أن يُتّبع ..

و(المستحَقُّ) استشعارٌ يقودُ للتّفكّر،وتصديقٌ يدعو للإذعان،وتعظيمٌ يتّبعُ خُطى النّبيّين في مسئوليّة حملوها وهم في أماكن مقدّسة من ربّهم الذي نَبّأهم،وتستحقّ مكّة والمدينة أن يُعْمِلَ المسلمُ عقله ونيّتَه في الفقه الخاصّ بما حرّم ربي منهما فيقف عندَ حدود الله التي حدّ ولا يعتدي ولا يحيف،فما حرّمَ الله واجب الاجتناب،وما نهى الله عنه مُلزِمٌ للتّرك والبُعد،ومن علت همّتُه استشعر مقصداً من مقاصد الشّرع في تحريم مدينتين عن باقي الأمكنة والبقاع،ليقفَ على أنّ القدْرَ المحفوظ لهما يضمنُ استمراريّة معالم دينٍ ارتضاه الله للنّاس جميعاً،لا يتغيّر مكانه ولا تنتقلُ بركتُه ولا يخفٌت نوره،وهو بذاك يستطيع اختبار نفسه هل هو عندَ ما خطّ الله من حلالٍ وحرامٍ في هاتين المدينتين بالذّات حابسٌ نفسَهُ فمُعتقُها،أو مُطلقٌ لها زمامها فموبقُها،والهالكون السّاهون المارقون لا يرقبون فيما عظّم الله من أمكنة حراماً ولا ممنوعاً،فجمعوا لوزر معاصيهم أضعافَ ما هي عليه،ومستحقّ التعظيم لمكة والمدينة بالعمل والفعل حتى يصبح استشعاراً وديدناً،ومستحقّ الحبُّ طبيعيّ إن التزم المسلم حدود دينه وواجبات شرعه المبتدئ من هذه البقاع على وجه التّحديد،فلا تقوى للقلوب بغير أداء الحقّ الواجب لمكّة والمدينة لأنّ ربي قد قال (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) ولا يُنقِصُ من قدرهما ــ وحاشاهما ــ قلّة وعيٍ ونُدرة إيمانٍ يخصّهما من جاهلٍ أو فاسقٍ,فلله شهودٌ من عباده وأرضه على ما يُقام فيهما مما لا يليق بهما في زمنٍ نسي النّاس كثيراً ممّا ذُكّروا به،ولعلّ من مستحقّات هاتين المدينتين أنْ يكون التّعامل مع أرضهما وعمارتهما وأهلهما وكلّ ما يخصّهما دائرٌ مع دائرة تعظيم الله لهما وتحريمه لهما ليتّقِ الله منْ في هِمّتِه شططٌ أو في ممارستِه عدوان .. والله أعلم

المسألة التاسعة 1434/9/9هـ

الطّبّ

(الحقُّ) يدعُ للاستطباب وطلب العلاج والاشتغال به وسبْر أغوار البحث عن دواءٍ لكلّ داءٍ من ماهرٍ أو محتاج مجالاً وحظّاً ونصيباً،فخَلْق الله إذْ تَدُبّ فيهم الحياة يمرضون ويتوعكّون،ومن مخلوقاته من يشفى ويعود لحالِ صحّة وقوّة،ومن مخلوقاته الذي بداءٍ كتبه الله عليه يقضي حتفه ويحين أجلُه،والحقّ الثابت في ميدان الطبّ امتدادُ فحوى الحديث الشريف (أنّ الله ما أنزل داءً إلا وأنزل له دواءً) لتزخر عقول العارفين وتجاربهم وتنقيبهم بما يعين مريضاً على تخطّي محنته أو يسهم في تخفيف ألمه أو يقي صحيحاً بعد مشيئة الله احتمال إمراضٍ ومظنّة إصابة،فحقٌّ لمن طلب العلاج أن يسعى ويبحث ويفتّش ويتخيّر ويطالب ويهتمّ ويشكو وينتقد ويسأل ويعرف،وحقّ لمن اشتغل بطبّ وما يتّصل به أن يستمرّ ويحاول ويجرّب في نطاق أمانٍ ويتلمّس الأحسن والأسرع والنّاجع ويجد ضالته في علوم آخرين وسبْقِهم،وحقّ للمريض أو من يحتمل مرضه أن يكون هذا الأمر في العموم من أولويات مصالح المسلمين التي يرعاها وليّ الأمر ومن يستعمله على النّاس في الأقطار بوجوب الأداء والعمل والتّحرّي والوقوف على مسار خدمةٍ هي بحياة العباد متعلّقة،وحقٌّ لمن سلك طريقاً يبتغي به علم طبّ وما يساعد فيه أن تكون له في العطاءات حظوة،وفي التشجيعات صولة وجولة،وفي توفير السبل الكفيلة براحة النّفس التي تؤدّي لحسن الإنتاج ودقّة النّظر أكبر ما يُهيّئ ويُبذَل،وحقّ للنّاس جاهلهم ومتعلَمهم أن يعرفوا معرفة حواسٍّ ما يُعمَل في أبدانهم من عقاقير يصفها أطباء أو تدخّلات حراحيّة يرون ضرورتها لأن العلم المسبق للإجراء حقّ عند الابتداء من كلّ آدمي تجاه آخر أو ما يملكه من كائناتٍ حيّة لها في الطبّ والاستطباب شطر ..

و(المستحَقُّ) للطبِّ أولاً أن يكون مجالاً ناصع البياض كاختيار العُرف لباساً أبيضَ للعاملين في مضماره،وأن يكون مثمراً ذا خضرة نضرة التقدّم والعطاء بدون حدود كاختيار الجرّاحين لذلك الهندام الأخضر المغدق في بذْل الاستقصاء وإفراغ في الوسع في الممكن،ثم المستحقُّ ثانياً للمجتمعات والشعوب المسلمة أن تسعى دولُها وحكوماتها لجعل جسد الإنسان وروحه ونفسيّته من جانِبِ الصّحة آمنة بأمان الله تعالى وما شرّع من أدوات ومعطياتٍ يلزمُ الأخذ بها،ويتبع ذلك استحقاق الإنسان المسلم للاستطباب مكفولاً ومضموناً دونَ منٍّ ولا أذى ولا مُقابلٍ سوى كونه واحداً من رعيّة،دولتُه وحكومتُه مسئولةق عنه،مع الحقّ الذي لا تأخير فيه أن تكون كافّة أنواع سدّ الاحتياج الطّبي هي من الحقّ المُشاعِ،ينالُه من احتاجه في مدينةٍ أو قريةٍ أو ناصيةٍ طريق،والمستحقُّ ثالثاً لفئة امتهنت هذا الشأن من التّعامل مع ثغرة من ثغور الحاجة الإنسانيّة المٌلحّة أن ينظر لها المجتمع والأفراد بعين الاعتبار الفقهيّ (أنّ الطبيب الحاذق المُجرَّب له من هامش الخطأ وعدم التّوفيق ما يحميه من ملاحقة مسئوليّة الإهمال والتّفريط ما لم يثبت العكس) ثمّ يتبع ذلك استحقاق هؤلاء من جانب المختصّين تحرّي القصد الواضح والتعليم الذي لا زور فيه ولا بُهتان،الخالص من الشّفاعة والمحسوبيّة حينَ تعلُّقِ ذلك بحياة الإنسان وبقاء أعضائه تعمل،وبعد ذلك فالمستحقّ رابعاً للمريض والمستفيد خصوصيّة التّعامل مع حفظ السرّ وستر العورات وأمانة الاطلاع والكشف ومحْض النّصح وصدقُ القول ولين الجانب والدّعاء بالشّفاء،وجامع الاستحقاقات موفورة الوجود في شرْع ربّنا وسنّة نبيّنا صلى الله عليه وسلّم ومواثيق وعهود ارتضتها البشريّة للمهنيّة الطبّية والحقوقيّة المرضيّة لا يختلف فيها مسلمٌ ولا كافر ولا أبيض ولا أسود لأنّ العالمين إذا ارتبط الأمر ببقائهم على قيد الحياة معافين أظهروا ما جحدتهٌ أنفسُهم ظلماً وعلوّا .. والله أعلم

المسألة العاشرة 1434/9/10هـ

السّائل

(الحقُّ) لمن يسأل النّاس مالاً أو متاعاً ونحو ذلك ظاهرٌ في مدح الله للمؤمنين من عباده في أكثر من موضع من كتابه العظيم،والمنصف في هذا الموضوع يؤمن بأنّ التعبير بالحقّ في قوله تعالى (حقّ معلومٌ للسائلِ والمحْروم) وقوله (حقّ للسائلِ والمحْروم) جرسُ إنذارٍ لمن يهمل حقّاً كهذا جاءَ من سمات المؤمنين أحدها،ومن الحقّ أن يُقال بأنّ شكوى المتمدّنين من ظاهرة التّسوّل كما يعبّرون،وتداخل هذا المفهوم مع نهيه صلى الله عليه وسلّم عن السؤال وطلب النّاس ما بأيدهم هو ما أضاعَ فهوم الخلق بين اختلاط أمورٍ في تطبيقهم وليست من دين الله بحقّ،وما يعنينا في حقّ السّائل ثلاث أركانٍ بها تنهض أمّة بفقرائها،الأوّل: قوله تعالى (وأمّا السّائل فلا تنهرْ) والنّهي يقتضي التحريم والحرام المتعلّق بحقوق الآخرين أعظم خطراً،والثاني: قوله تعالى (والذين في أموالهم حقٌّ للسّائل والمحروم) فالحقّ واجبُ الأداء ووقتُ وجوبه الفوريّ العينيّ عند اقتضاء موجبه وهو السّؤال،ولا يعفي مسلماً من حقّ كهذا إلا قلّة ذات يده حقيقةً أو حُكماً،والثالث: قوله تعالى (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) فالبرّ الدي به يستقيم الدين في مجتمع معنيّ بكافة شرائح طبقاته لا ينتج كفّاً عن السؤال وكفاية عن الطلب وتعفّفاً عن الاستجداء إلا بحقّ يُعطى لهؤلاء قبل أن يسألوا في تلمّسٍ لحقوقٍ بها يتّقي المسلمون نقمة ربّهم الحقّ ..

و(المستحَقُّ) لا يتنافى مع تنظيم المجتمعات لحضارتهم ولا لمدنيتهم ورغبتهم في مظهر العارفين لحقوق فقرائهم وبسطائهم،واستحقاق السّائل لحقّه ذي التوجيه الرباني لا يخرج من دائرته أحدٌ وإن زعم مدنيَة وتقدّماً،ولم يكلف الله تعالى الآمرِ بهذا الحقّ مسئولاً يسأله سائل استقصاء حالةٍ أو تشكيكاً في عوَز،لأنّ ذلك مرتبط بما يؤذي السائل ونحن منهيّون عن النّهر وهذا من باب أولى،ولو جرّب الناس بذل الاستحقاق في نيّة حاضرة للامتثال لأمر الله وتكليفه لكانت النتيجة حتماً كفاية سائل وتقلّص ظاهرة ورقيّ مجتمع،وما تعلّمناه من تأديب مربّين نحسبهم أهل دين وورعٍ وتُقى بأنّ إغفال حقّ السائلين بدايةً وسْمٌ للاستخفاف بالحقوق،ونهرهم ولو بالوجه واليد طريقٌ لإحباط العمل،وإيذاء السائلين على أيّ نحوٍ معرّة ومذمّة في الدنيا وسوء عاقبة واحتمال إثم مبين في الآخرة,ولست بدَعاً من النّاس حين أقول كما يقول غيري بأنّ بلاداً لله تعالى في كثيرٍ من بقاع هذه الدّنيا لا تدين بالإسلام والسّائلون فيها يسألون ولا يُنْهَرون أو يُعطَون،والعاقل يفهم .. والله أعلم

المسألة الحادية عشرة 1434/9/11هـ

حُرّية المعتقَد

(الحقُّ) أنّ الإنسان لا مناصَ لهُ ممّا فطره الله عليه في النّص الثابت من صبغةٍ مستقيمة تعرفُ بأنّ الله هو الإله الذي تجبُ عبادته وحده دون غيره،فالحقّ في القلوب استشعارٌ للديانة الربّانية في أصل الخِلْقة الإنسانيّة،وما حرّيةٌ بعدَ هذا إلا اختيار بين الخير والشرّ وهداية للنّجدين كما أخبر جلّ وعلا،وحين يكونُ الحقُّ بأنّ القائم بشئون العالمين وهو الله قدْ أبان الطريق المستقيم وأوضح الصراط المستبين وَاجِبِ المُضيّ لم يبقَ للإنسان سوى أن يكونَ باختياره أن ينجو أو أن يهلك،ومن الحقّ أن الله تعالى هو من ألزمنا بأن (لا إكْراهَ في الدّين) لمن يعي ويفهم هذا النّفي اللطيف الدّقيق،الذي معه ينفي ربّنا عن دينه احتكار التفكير الإنساني الذي وهبه ذات الله تعالى للإنسان وقال عن الذي كفر (إنّه فكّرَ وقدّر،فقُتل كيفَ قدّر،ثم قتل كيف قدّر،ثم نظَر،ثمّ عبسَ وبسَر،ثمّ أدْبرَ واستكبرَ،فقالَ إنْ هذا إلا سِحرٌ يُؤْثَر) فثبتَ بذلك اختياره وما هداه إليه تفكيره،ولكنّ الحقّ الذي لا مرية فيه بأنّ حُرّية المعتقد الناجمة بعد تغيير الفطرة بعمل الوالدين كما جاء في صحيح السّنّة ثابتةٌ بعدَ عرض الدّين العرض الصّحيح والطّلب والدّعوة والمحاولات وابتغاء وجه الله تعالى في هدايةٍ هي خيرٌ من حُمر النّعم،وحينئذٍ فالاختيار للمكلّف أن يؤمن أو أن يكفر،ومصبّ هذا في غير مسلمين أصليّين ندعوهم لدينٍ ينجيهم من عذابٍ أليم،أمّا المسلمون فهذا واجبهم واعتقادهم ممتدّ من تلك الفطرة التي فُطِروا عليها كغيرهم،مع انتفاء آباء يهوِّدون أو يُنصّرون،فأنّى للفطرة أن تنقشع أو تتبدّل أو تزول إلا بعملٍ وفعلٍ يُجرّمه الشرع الحنيف ويجعله من كبائر الأمور التي لا تتعلّق بذات المرتدّ لارتباطها بكيان الدّين كاملاً،ومن ينتقد ذلك فلينظر إلا أيّ قانون وضعي أو توافقي اتّفق فيه قومٌ على أن يسيروا في طريق ووضعوا عقاباً لمن نكصَ أو خالف،أكانوا حينها ينتقدون ذلك النّظام وتلكم التشريعات؟ فما بالك بدينٍ من ربّ العالمين،فالحقّ في حريّة المعتقد يفهمها المسلمون بما أسلموا به لربّهم،ويعرفها غير المسلمين قروناً وزمناً طويلاً وهم يعيشون بين أكناف المسلمين لا يُضارّون في دينهم طالما التزموا ما ألزمهم به نزولهم على حكم الله ورسوله ..

و(المستحَقّ) أن تكون الأمور واضحة لكلّ مسلم قدّم شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله بين يدي إسلامه،ولا ينُكِر بأنّ ذلك ميثاقٌ عظيم من خالفه استحقّ ما تؤدّي إليه تلك المخالفة،فليس الدّين باللعب ولا بالاستهزاء،وقد جعلَ القرآن من اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وهزواً من الخاسرين في الدّنيا والآخرة،واستحقاق الإنسان للحرّية حين يعتقد في الابتداء على حاله الأصلي بعد توفّر المعطيات التي تُبين الخيارات للمُخيّر،أمّا استحقاق حرّية الاعتقاد بمفهوم اللاعبين بالدّين والمتألّين على الله بلاعلم فهو من الزّندقة التي حذّر منها سلف هذه الأمّة وخلفُهم،وقد استحقّ هذا الدّين بشهادة كلّ العالم أنّه دين الكرامة الإنسانيّة التي لا يحفظُها غير إسلامٍ بيّنَ بأنّ (من يبتغي غيرَ الإسلامِ ديناً فلنْ يُقبَلَ منه) وعدم القبول من ربّ القبول وليس من الخلْق،إذِ المنافقون عاشوا وماتوا وبين ظهرانيهم رسولٌ علّمَه الله من أخبارهم وأنبائهم ما يثبتُ عقيدتهم الخفيّة في صدورهم،ثمّ الله هو الذي قال بالنصّ عن الذي يبتغي غير الإسلام ديناً (وهوَ في الآخرةِ منَ الخَاسِرين) والمتبصّر يرى تخصيص الخسران بالآخرة مساراً في الحرّية الشخصيّة التي تقود التفكير الحقّ للدّين الحق،ومن قاده تفكيره إلى غير ذلك فقد لزم حرّيته كغيره الذي سبَقَ للإسلام وسيعلم كلٌّ منقلبَه عندَ ربّه،أمّا المستحقّ الذي يعنينا أن لا يُفسِدَ علينا دُعاة الفتنة ديننَا بزعمِ حرّية في معتقدٍ كما يحلو لهم تصويرها في أنّ في كلٍّ خيرٌ،لا والله،فالخير طريقه واحدٌ أوحد لا ثاني له وهو عبادة الله وحده لا شريك له بما شرع على لسان رسوله صلى الله عليه وسلّم،وحين يكون الإسلام هو الغالب في الحُكم والاسترعاء سياسةً وقياماً فغير المسلمين بعدَ تبيين الحقّ،في الإنسانيّة شركاء،وفي دينهم الذي لزموه محترمون إن صدقوا ووفّوا واستقاموا كما استقمنا لهم،والرّدة ليست من باب حرّية المعتقد على الإطلاق ولا من أوجه التّحرر الممدوح في كلّ المجتمعات،وما المسلمون إلا أصحاب بيعة بايعوا الله ورسوله على هذا الدّين ليس من خُلقهم ولا ديدنهم ردّة ما تبزُغُ إلا ويطفئها الله .. والله أعلم

المسألة الثانية عشرة 1434/9/12هـ

الإِرْث

(الحقُّ) بأنّ تعلّق المال بالذمّة أمرٌ في غاية الاعتبار عند الفقهاء لتبيين الحلال والحرام فيما يتداوله النّاس من مادّيات،وكونُ الإنسان تعلّقت بذمّته أموالٌ يملكها بشتّى اعتبارات أسباب المُلك الحلال في الإسلام لزِمَ انفكاكُ الذّمّة عن تلك الأموال فورَ موتِه وانقطاع نفَسِه من هذه الدّنيا،فالحقّ بأنّ المال بعد ذلك مُلكٌ للوارث باستثناء ما ألزَمَ الشّرع إخراجه من ماله قبل قسمة ميراثه من أمورٍ موضّحةٍ في بابها،فالحقُّ مُلزِمٌ انتقال الملكيّة للوارثين بالحقّ المشاع قبل القسمة،وليس لغيرهم ولا لمورّثهم الحقّ فيها وقد مات،ومن ملكَ شيئاً وجبَ أداؤه إليه على الفوْر ما لم تعرضُ عوارض عُرفاً أو شرعاً بالاعتبار،ومن أعظم الحقوق التي يغفُلُ عنها النّاس أو يتغافلون أو يستهينون حقٌّ في الميراث قلّ أو كثُر،وما أُخِذَ حياءً كما أخذ غصْباً،وما أُخّر على اعتبارات اجتماعيّة يُنكرها المنتظرون للميراث في قلبوهم وفي الخفاء ويستسلمون لها في العلن وأمام النّاس هو من الظّلم البيّن الواضح،والحقّ أنّ لكلّ وارثٍ ما فصّله ربّ العالمين في كتابه وما بيّنه رسوله صلى الله عليه وسلّم في سنّته وما أفتى بها صحابتُه رضوان الله عليهم وأقرّه فقهاء هذه الأمّة وحاسِبُو هذه الفريضة العظيمة،فالحقّ لمن تركَ ميّتُهم مالاً وهم مستحقّون بالنّظرة الشرعيّة للتوارث ثابتٌ لا يثغيّره ولا يعتدي عليه ولا يؤخّره إلا متعدٍّ حدودَ ما حرّم الله،والحقّ بأنّ الضعيف أمير الرّكب،والمتلبّسون بالضّعف الحسّي أو المعنوي من الوارثين نساءً كانوا أو قُصّر أطفالٍ أو فاقدي أهليّة التصرّف هم أولى النّاس بأداءِ الحقّ لهم على من ملكَ أمرهم ووَلِيَ القيام على أمالهم،فالآيات المحكمات والنّصوص الثابتة عِظةٌ وواعظٌ لمن يخافُ ربَّه ويخشى حسابه ولقاءه ..

و(المستحقُّ) قسمةٌ للميراث فورَ توفّر الفرصة السّانحة القائمة العاجلة لذلك،من غير ظلم ولا مَطْلٍ ولا تبريرات،فلا إثم أعظم من تأخير حقّ عن صاحبٍ له يطلبُه،وكم من مشكلات وعظائم مفسدات حصلت وتحصل لتأخير قسمة الميراث بسببٍ من أصحابه أو من القائمين عليه،فالنّفوس تتغيّر،والوارثون مختلفون،ومن استحقّ مالاً فهو لهُ،أمّا استحقاق الأداء بعد القسمة فهو أوجب من القسمة ذاتها،ومن بقي لديه مال وارثٍ بعد قسمته وأمكن تسلميه له ولم يسلّم وجب عليه أجرتُه إنْ كان ممّا يُستأجر مثله،ووجب عليه التّعويض في التنظيم المعتمد على الشّرع،وحرمت عليه الاستفادة منه إن لم يأذن مالكه،واعتمادُ ذلك كلّه على أنّ شرعَ الله تعالى ما إن يترك المسلم بعضاً منه ولو قلّ إلا احتاجه حين ندامة وخسران،فلا اعتبارات غير ما أقرّه الله في آيات الميراث ووصيّته تلك التي ستبقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها،وحريّ بالجهات الرّسميّة التي تعنى بشئون الأموات بالتّعاون مع اللجان الشرعية ومؤسسات المجتمع المدني المهتمّة بالحقوق أن تُتتابع ذلك كلّما مات ميّت،توعيةً وتثقيفاً وإعانة وإلزاماً،وحريّ بالجهات القضائيّة تلمّس طريقٍ أسرع وأضبط في قسمة مواريث للوارثين،ومتابعة تنفيذ تسلميها لهم،والتمحيص والتّدقيق في أحوال الأوصياء والقائمين على أموال اليتامى،أمّا استحقاق المرأة لإرثها الشّرعي فليتَ المجتمع يعلم بأنّ الله تعالى لم يفرّق بين ذكر وأنثى في الاستحقاق رغم تفريقه بعلمه وحكمته في القدْر الواجب،فكيفَ تعودُ جاهليّة أنقذنا الله منها حين بعثَ إلينا خير أنبيائه ورسله،ولا مستحقّ لمورّث البتّة حرمان وارثِه من ميراثٍ،إذِ الحقّ منتقلٌ منه بموته،لا رأيَ له فيه ولا اعتبار،ومن صنَع في حال حياته ما يحرمُ به ابنه أو بنته أو زوجه ونحو ذلك فالله حسيبه يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون .. والله أعلم

المسألة الثالثة عشرة 1434/9/13هـ

القانونُ والنّظام

(الحقُّ) أنّ الأصل الشّرعي الثّابت للمسلمين هو مقتضى سعي كلّ أهل زمانٍ ومكان لتنظيم أمورهم وشئونهم وفق تلك المنطلقات،مستفيدين من مساحات كبيرة فتحها البارئ جلّ وعلا عليهم ليخطّط المخطّطون ويشرّع المشرّعون وفق ما تعلّموا من ضوابط الدّين وأحكامه ونصوصه،فالقانون والنّظام ولو اختلف النّاس في تقبّل التّسمية هو من احتياجات المجتمعات المسلمة الملحّة،وضروريّات نفاذِ حدود الله وأحكامه وتعالميه ونهْجه في عباد الله المكلّفين بأن يكونوا وفق الذي بناه الله لهم من دينٍ هم به مستمسكون،فالحقّ إن شرّعت الدّولة قوانين وأنظمة ثمّ أصدرتها حسبما أقرّت من دوائر وطرق وإجراءات فالمجتمع ملزمٌ بذلك ديناً وعُرفاً،على اعتبار أنّ تلك الأمور ممّا يصلُح به الحال الذي هو مسئوليّة الجميع،والحقّ أنّ على السلطات التشريعيّة مسئوليّة عظيمة في جهتين،الأولى: تجاه الله تعالى بحيثُ تكون القوانين والأنظمة من منطلق ما أُقرّ في أصول قيام الدّولة وهو الإسلام وكتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلّم،والثانية: تجاه عباد الله تعالى وهم المجتمع المستفيد من هذه القوانين والأنظمة بأن ينظروا المناسبة والفعل والصلاحيّة والمقام والمقال،وكلّ ذلك من منطلق أمّة إسلاميّة تفكّر وتنتج وتلدِ من عباقرة التنظيم الربّانيين من يُصلحون ولا يُفسدون،ثمّ الحقّ أنّ للقوانين حرمة الاحترام،ووقوف الجاد،واستجابة المريد للخير،وتفاعل المنفّذ المتبصّر في استجلاء الحقّ،وللأنظمة واللوائح من النّقد والاعتراض نصيبٌ حينَ يتأدّب المجتمع بأدب المرسلين ويتخلّقوا بأخلاق الصحابة والتّابعين وسلف هذه الأمّة،وطالما للقول في قول البشر مجالٌ،ولمسرى ذلك طريق،ولنهْج الأخذ والرّد منطلقٌ،فالحمد لله ربّ العالمين،ولا تغيير للأحسن من غير صبْرٍ مع حكمةٍ وعلم،ولا صعود للأعلى من غير مؤنة حفظٍ وسلامة نيّة،والحقّ أنّ النّظام والقانون للسلامة ولحفظ الحقوق وأداء الواجبات ومنع المنكرات وتعايش الناس في سلام،وإن اختلفنا في الجزئيّات فالعموم يذكي في المجتمع احتراماً إن صاحَبَتْه تقوى،فيا لَلخير العميم لمن هو تحت قانونٍ ونظامٍ يعرفُه،وقد قال ربّي تعالى (فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) ليحذوَ المشرّعون حذوَ ذلك في مناط الإسهاب ومناط الإجمال،فللحالتين داعٍ في مجاليهما ..

و(المستحقّ) في صدد القوانين والتنظيمات واللوائح والتعليمات والإجراءات التي أخذت صبغة الأمر من وليّ الأمر أو من ينيبه ويستعمله على مصالح المسلمين أن تكونَ معلومة الصياغة واضحة الترتيب بيّنة الورود راقية الخطاب وافية الاحتمالات،حتى لا تكون مركباً لشياطينٍ من الإنس يلِجُونَ في سمّ هنّات القوانين فيُعرّجون بها نحو ظلم للنّاس أو استفادةٍ لأنفسهم ومن يعنيهم أمرهم بغير وجه حقّ،ثمّ النّاس مستحقّون لأن تكون الأنظمة والقوانين في كلّ مجالٍ ــ مهما كان ــ متاحةً لهم صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم بعيدهم ودانيهم،وأن يكون السؤال عنها من أحبّ الأسئلة لمن يحملونها ويحملون عبء تنفيذها أو مسئوليّة إقرارها وتشريعها وإعدادها،فتبيينُ الحقّ أولى وأهمّ وأجدر من الوفاء به لمن لا يعرفُ بأنّه حقّ له،وتقوى الله فوقَ ذلك كلّه كفيلة بصلاح شرْخٍ بين النّاس وقوانين تعنيهم بين جهْلٍ أو تذمّر من غير علم ولا هدى،حيثُ يقول الله تعالى (واتّقوا اللهَ ويُعلّمكم الله)،وتستحقّ القوانين تفصيلاً مكان التفصيل،وبياناً عند استحقاق الشرح والتأصيل،وتذكيراً لمن نسي وفاتَ عليه بعضها،ويستحقّ النّاس أن ينزلَ الجميع موظّفون ومسئولون على حكم القانون والنّظام حين الاختلاف،فلا أكبر ممّا أقِرَّ بأنّه قانون الجميع ونظام الكلّ،فالمستحقّ في جانب القانون والنّظام غايةٌ في الالتصاق بحياة النّاس إن هم ركنوا أوّلاً إلى أنّ العاملَ فيهم هو نظامٌ ارتضوه وقانونٌ كتبوه،ومن يسعى لحياة كريمة من غير استجداء ولا منّ ولا أذى فليُعْطِ القوانين والأنظمة حظّها من الاطلاع والقراءة والعناية ليعرفَ أين هو من كلّ ذلك،فالحكم على الشيء فرعٌ عن تصوّره،وجُماعُ الأمر في استحقاق القانون والنّظام رأيٌ وتشاورٌ وصياغة ومراجعة وإعداد وإقرارٌ ومن ثمّ أمرٌ وإعلامٌ وبيانٌ يتلو ذلك تنفيذٌ ومتابعة تنفيذ ومراقبة ومحاسبة ترافقها عناية تقييم ومعالجة نواقص وإزالة لبسٍ وتغيير تكييف وحذف وإضافة في دورةٍ إنسانيّة لعملٍ منشأهُ حبّ الخير للنّاس ومحْضُ النّصح لله ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم .. و

المسألة الرابعة عشرة 1434/9/14هـ

الأعمالُ الصّالحة

(الحقُّ) بأنّ الإنسان في هذه الدّنيا مأمورٌ بالعمل الصّالح منذُ أن يشهدَ عليه التّكليف الشرعي أنّه مخاطبٌ بفروع الشّريعة،والحقُّ بأنّ الإنسان إن كسبَ من هذه الدّنيا أو فيها ما يفْرِحُه ويعني له الكثير وجبَ عليه عقلاً وعُرفاً المحافظة عليه،وترتّب على ذلك تطلّع النّفس لتنميته وزيادته في جِبِلّةٍ جبلَ الحقُّ النّاس عليها،وحين يكون أحقُّ الحقّ في الحياة الدّنيا العمل الصّالح بمقتضى ما جاء في القرآن العظيم من تكرارٍ ملفتٍ للانتباه لقوله (وعملوا الصّالحاتِ) يصيرُ من بدهيّات الأمور أنّ الكنزَ هو ذاك،والعمدة هي تلك،والغاية لا تنفكّ عن نتيجة هذا،فلا عملٌ صالحٌ من غير جزاء،ولا جزاء من غير وقت وفاء،ولا وفاء إذْ لم يؤدّ حاملُ الأمانة ما استؤمِنَ عليه حتّى ميعاد لقاء من يُحاسبه ويجازيه،فالحقُّ أنّ العملَ الصّالح من أعظم ما يملكه الإنسانُ إن وفّقه الله إليه وعملَه واكتسبَه،فالمحافظة على هذا المكتسب دقيقةُ الأمر وعالية الاحتياط لمن يرجو لقاء الله وهو عمّا عمل راض،وكثيرٌ من توجيه ربّ العالمين في كتابه قائلٌ لنا بأنّ العمل الصّالح بُغية المريدين،وطُلْبة العاملين،وغاية سعيِ المجتهدين،وحيثُ لا جزاء لعملٍ صالحٍ إلا بشروطه ومواصفاته التي بيّنها العلماء في شرحهم وتذكيرهم كانَ من الحقّ على من غلبَ على ظنّه عملٌ تقرّب به إلى ربّه واشترى به نفسه من عذابٍ أليم أن يعلمَ بأنّ الحقّ عليه أضحى أعظم وأكبر،والنّعمة عليه صارت أتمّ وأعمّ وأعمق،فالحقّ للعمل الصّالح على العاملين أو الذين يأملون في عملٍ أو الذين عملوا موثقٌ بقادم تصرّفاتهم إن هم أحسنوا،والحديث عن إحباط العمل وإبطال العمل على التفريق بين الأمرين ركيزةٌ من يفهم بأنّ يجمعُ لنفسه من ذهب الحياة ما يفتدي به نفسه يوم القيامة ..

و(المستحقّ) اكتراثٌ كبير وحضانةٌ متواصلة وتعهّدٌ دائم للعمل الصّالح بذات العمل الصّالح المصاحب للدّعاء أن يتقبّل الله تعالى،وتستحقّ الأعمال الصّالحة أن تعلو وتعلو وتثمر وتثمر وتكبر وتكبر وتدوم وتستمرّ وتطول بارتياد مثلها وتوخّي وقتَ قبولها وإمكان الإخلاص من ماهيّتها وطرد الصّوارف والشّواغل عنها،ومن يعلم بأنّ ميزان العمل دقيق الوزْن رقيق الاعتبار يخشى من أيّ شائبة تشوب ما يعمل،ويخاف أن أي داخلةٍ تفسد ما عمل،ويراقب نفسه أن لا يشرك بالله تعالى حيث يعلم أو لا يعلم فيهوي في قاعٍ سحيق خسر الدّنيا والآخرة،وتستحقّ بعض الأعمال عنايةً خاصّة حتى لا تبطل أو تذهب مهبّ رياح،فالصدّقة مثلاً تستحقّ نيّة صادقة وبعداً عن المنّ والأذى،والعبادات تحتاج لأن تجعل بينك وبين الرّياء ما بين المشرق والمغرب،وكافّة المستحبّات المحبوبات تحتاج لنيّة عظيمة هي امتثال ما أمر الله به حتى ترتقي في موازين العمل الصّالح،ثم العمل الصّالح يستحقّ محافظة بدوام العمل بعد العمل،والبعد عن عمل المنافي والمخالف،فمن استودع اللهَ صالح عمله حفظَهُ له إن أخلص القصد ودأب على الرّجاء،ومن كانَ متلبّساً بعملٍ صالح في مناسبة طالت أو قصُرَت فلتكن نيّته العازمة أن يستمرّ ولو بعد خروجه من المناسبة بوقتها،فالعمل بعد العمل كفّارة للذنوب،فلا يرجعنّ منا أحدٌ كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاُ من هذا الاستحقاق العظيم،ويصبح كالمنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى،ومن عظمة هذا الدّين أن يكون لعملٍ صالحٍ أمرَك به ربّك حقٌّ عليك في نفسك ومالك ووقتك وقادم أيّامك وحالك،ولطائف الأمر في استحقاق العمل الصّالح كفّ الأذى والضّر عن النّاس،وحماية الصحائف والكتب من حقوق الآدميين،فلا عُمْلة مداولة يوم القيامة يأخذ منها الله للنّاس من النّاس غير العمل الصّالح،ومن فعلَ فقد أفلس،ثم إنّه ليس في الدّين قضاءُ وطرٍ من العمل الصّالح وينتهي الأمر،وإنّما قضاء الوطر حين نضع أرجلنا في جنّة النّعيم .. والله أعلم

المسألة الخامسة عشرة 1434/9/15هـ

الرّضاعةُ والرّضاع

(الحقُّ) أنّ الوالدات يُرضعن أولادهنّ،والحقُّ أنّهنّ يفعلنَ ذلك بأصل التّوجيه الفطري عادةً وعُرفاً،والحقُّ أنّ الطّفل لهذا المعين تائقٌ بأصل خِلقَتِه وهدْيِ ربّه،ثمّ الحقُّ بأنّ رضاعةً قدّرها الله تعالى لمن أخرجه من بطنِ أمّه هي الصّالحة النّاجعة لهُ في حاله الذي هو عليه زمنَ إرضاعِه،ومن يعي هذا الحقّ يعلمُ بأنّه من الحقوق التي أُوكِلَتْ لباذلها قدْراً وتقديراً،فالأمّ أمام هذا الحقّ مسئولة ومُطالبَة فوق كونها مجبولة ومنساقة،والأبُ في العون على ذلك وما يعين عليه مسئولٌ وراعٍ ومخاطبٌ من الله تعالى بما يكفل استمرار الرّضاعة،ونحنُ جميعاً أمام هذا الحقّ مطالبون أن نفهم كيفَ يخلُصُ الحقّ لصاحبه،ويؤدّى هذا الواجب لمن وجَبَ لهُ وهو في حال ضعفٍ واستكانة،فلا يخرج من عهدة هذا الحقّ أحدٌ له علاقة به من قريب أو بعيد،ولو أولئك الذين روّجوا لألبان صناعيّة يتغذّى بها الطّفل على غير عادةٍ وعلى غير استقامة،ومن الحقّ أن تكون التّوصيات الحديثة والفتوحات العلميّة النّاشئة شاهدُ إثباتٍ لمن هجرَ كتاب الله وترك هدايته الباقية أنّ في الرّضاعة الطبيعيّة من الخير ما يندبُ الإنسان حظّه إن فرّط فيها،وعلى ذلك التأصيل يثبتٌ الحقٌّ للمرأة أن تُرضع طفلها أمانةً له ولها،لصحته وصحّتها،ولاستقامة خُلقه ونفسيّة روحه ولكثيرٍ من المودّة والرّحمة بينها وبين هذا الصّغير ومن يمتّ له بصلة من أبٍ وإخوة وأخوات،ولعلّ أصل الحقّ إرضاعٌ حتى الكفاية الأوليّة والاستكفاء الذي به تحصل الحياة،ولكنّ تمام الحقّ هو ذلك التّوقيت الذي شرّعه الله صفةً للمرأة التي تعرفُ حقّ الله في مولودها،ولذلك قال (حولينِ كاملين لمنْ أرادَ أن يُتمّ الرّضاعة) والشاعر يقول (ولمْ أرَ في عيوب النّاس عيباً كنقصِ القادرين عن التّمامِ) ومن الحقّ أنّ الرّضاعة عملٌ يستحقّ الأجرة لمن بذلتْهُ لغير ولدها بطلبٍ ممّن يملك أمر طلب الاسترضاع،ومن الحقّ كذلك تخيّرٌ حين ذاك واختيارٌ ومتابعة واهتمام،فللرّضاعة أثرٌ ولها من عناية المربّين حظٌ وقدْر،وفي الرّضاعة حقٌ آخر متعلّق بالحرمة والمحارم،فصّله ربّ النّاس في كتابه عندما ساقَ المحرّمات من النّساء في مسألة النّكاح،ويحرمُ من الرّضاع ما يحرمُ من النّسب،وفهمُ ذلك واستيعابه يجعلُ الحقّ في هذه المسألة عظيم الضرورة أن يُشاع في الأسر والبيوت وبين النّساء والرّجال،ليحترز المسلم لدينه،ويعرفَ المكلّف ما يتّقي به ربّه،فضبطُ المرضعات حقّ،ومعرفة ماهيّة الإرضاع حقّ،وفقهٌ في هذا الأمر حقّ،وإخبار البنات والأولاد بمن أرضع حقّ ..

و(المستحقُّ) أن تكونَ أولويّة في التربية والتعليم والتنشئة للرّضاعة مع الإعداد للأمومة والأبوّة،وأن يستشعر المسلمون خطر ذلك إن هم أهملوا وضيّعوا،وأن تكون المخاطبة بهذا الشأن من باب أمر الله تعالى امتثالاً وتسليماً مع نيّة صادقة لبذل الحقّ للمُستحِقّ،وأن يكونَ في برامج التوعية والتثقيف الخاصّة بالرّضاعة الطّبيعيّة ما يعزو حقيقة الأمر لمصدره وهو شريعة ربّ العالمين،لأنّ منطلق فعل ما أمر الله به في شأن الرّضاعة يقتضي راحةً نفسيّة وروحاً عميقةً في الاطمئنان لا يجلبُها إلا الارتباط بربّ خلقَ وقدّرَ ورزقَ ملأ الثّدي لبناً خالصاً سائغاً لطفلٍ لا يعلم شيئاً ولا يملكُ من أمره شيئاً،ومن مستحقّات الإرضاع الإشباعُ،وهيأةٌ تكون هي المثلى حالَ التلبّس به من الأمّ،فالقدْر الكافي للطّفل أن يَتْرُكَ هو،ومن يقرأ تاريخ سلفٍ صالحٍ طيّبٍ من أمّهات مسلمات قانتات صالحات يعلمُ من ذلك العجائب،والمستحقّ ما يثبته كلّ مسئولٍ عن تنظيم حقوق العاملين والعاملات من حقّ طفل في الرّضاعة ولو كانت أمّه عاملة أو ذات انشغال،فتعلّق الحقّ به يجعل استحقاقه مبسوطاً في كلّ تصرّفات الآخرين تجاهها إذْ هي به متعلّقة،وما تأجيلُ إقامة الحدّ على مذنبةٍ إلا من ذلك،واستحقاقُ الأمّ لإرضاع طفلٍ فارقتْ أباه أولى من غيرها،وعلى المولود له مؤنة ذلك،وفي استحقاق التّحريم بالرّضاع ما يستحقّه هذا الفقه من دراسة وعناية وتمحيص،وذلك الأمر مترتّب على معرفة السائلين للرّضاعة وقدرها وكيف حدثت،فلا عذر لمن جهل،فالخطاب قديمٌ وموجود،والعلم كثيرٌ ومحقّق،ويستحقّ موضوع الرّضاع في مسألة النّكاح الاستجلاء وإفراد التبيين والتوضيح على المهتمّين بهذا الأمر منعاً أن يقع النّاس في الحرام حيث لا يعلمون،ومن استرضعَ في غير ما أُوصِيَ به ديناً وأخلاقاً فهو المسئول عن فعله إن ظهرَ له ما يوغر صدره ويكدّر خاطره في الذي استرضع له .. والله أعلم

المسألة السادسة العاشرة 1434/9/16هـ

الأمنُ

(الحقُّ) بأنّ الأمْن مُستجلَبٌ بعمل الإنسان وصنيع يده كنتيجة طبيعيّة لأقدار الله تعالى حينَ يبسُطَ الأمن على من استأمنوه بالقسط في هذه الدّنيا،وربّنا يقول (فإذا أمِنْتُم فاذكروا الله) ويقول (فإذا أمِنْتُم فمن تمتّع بالعمرة) ويقول (فإن أمِنَ بعضُكم بعضاً) ويقول (فإذا اطْمأننتم فأقيموا الصّلاة) وغير ذلك من الآيات التي تُلحِقُ المعنى الذي نعنيه بفعل الإنسان مع مجموعة أفراد مجتمعه وفق ما أمره الله تعالى به،فالحقّ بأنّ الأمن مطلبٌ ومُبتغى،ومن الحقّ أن يكون من الأمور التي يحرص عليها من يطالُ حكمُه وفعله النّاس،فلا حياةَ من غير أمْن،ولا أمْن من غير دين،ولا دين من غير تقوى ترى الحقوق من أسرع الأمور طلباً للأداء،فليس من الحقّ أبداً أن يفتقد الفرد ولا الجماعة ولا الفئة أمناً بسبٍ من غيرهم،ولا بسبٍ من أنفسهم وهم في منأى عن النّصح وبذل حبائل الصّلح بين الإخوة،وليس من الحقّ ثورانُ الخوف على النّفس أو المال أو العرض أو العبادات الشّرعيّة من النّاس وهم في ذمّة حاكمٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله،ومن الأمنِ الحقّ أن يعرف الفرد والجماعة أن لا جريرة بقول الحقّ في سياق الحقّ وأدوات الحقّ ومناسبة الحقّ من القائل الحقّ بالنيّة الحق،وأن يطمئنّ الإنسانُ بأنّه لا تعدٍّ على أهله ولا ذويه ولا ماله ولا ما يملك ولا نفسه في غيابه،ولا في حضرته لإجباره على أمرٍ لا يرغبُه،والحقُّ تبارك وتعالى جعلَ الأمن من مسلّمات الأمور إن شاع القسط والعدّل والتواصي بالصّبر والحقّ بين النّاس،وهو جلّ وعلا حرّم الظّلم الذي يغيّبُ الأمن ويسرق الطمأنينه،لذلك فليس من العجب أن يكون من يبات معافى في بدنه آمنا في سربه وعنده قوت يومه من الذين حازوا الدّنيا من أطرافها،فالأمنُ حقٌّ يجلبُ مادّتَه الأفراد،ويتابع استمراره المجتمع،ويضمن بسطه الحكام،ويباركُه الله تعالى بصدق المقاصد ونُدرة الفساد،والحقّ أن الإسلام جعلَ الترويع جريمةً مستحقّة للعقوبة،والتّهديد فعلاً من الاعتداء والحيْف،والإكراه من أعمالِ الفسّاق والمارقين،والظلم ظلمات يوم القيامة ..

و(المستحقُّ) الأُنسُ بما بشّرَ به الله تعالى أنّ الأمنَ في الدّين،والأمن في شعائر الدّين،والأمن في أخلاقيّات الدّين،ومن فعلَ ذلك بتطهير نفسه من تعلّقٍ بما في أيدي النّاس من أدوات أمنٍ ليست إلا للخوف جالبة فقد وضع يده على العلاج النّاجع لاستشراء المخاوف بين أفرادٍ ومجتمعات فسدوا فأفسدوا فخافوا ولا يأمنون حتى يتوبوا أو يموتوا وهم في عاقبتهم أخوف وأكثرُ حزناً،والأصل أن الأمن مستحقٌّ من الفرد لأخيه ومنه مالم يظهر العكس فالله قال (هَلْ آمنُكُم عليهِ إلا كما أمِنتُكمْ على أخِيهِ من قبْل) ويستحقّ المجتمع والرعيّة جميعاً أن يكونَ الأمنُ هو ما يجدونه فيمن يحكمهم ومن يتولّى شئونهم،وأن يكون الأمن هو ما يعرفونه ويتأكدون منه في بعضهم البعض،وحديث الرسول صلى الله عليه وسلّم (لا يأمنُ جارُه بوائقهُ) من أعظم المواعظ لنا كافّة قبل أن يكون موعظة فرديّة لمعصية خاصّة،وحديثه صلى الله عليه وسلّم (وإذا أُئتمن خانَ) موعظةٌ مضاعفةٌ في ذات الطّريق،فلا أمنَ من غير إيمان،ولا أمن من منافقين،واستحقاق الأمن صفةٌ باهرة الوضوح نجدُها في كلّ مناحي الحياة السياسيّة عند السلاطين والحكّام،فلا يخلو عملهم ولا عمل من يستعملونه على رعيّتهم من أمرٍ من الأمن أو الخوف،فلينظروا أيَّ الأمرين يختاروا ديناً وديانةً ومعاملة،وهم في ذلك مخاطبون بالعاقبة الدنيويّة التي أثبتت ولا تزال تثبت بأن استحقاق الأمن إن أُعطي وشعر به الجميع فتلك هي الدّفعة القويّة للإنتاج والحضارة والعلم والتمدّن والتحضّر والرّيادة،وفي العالم أممٌ ليست بالمسلمة أمِنَ بعضهم بعضاً وشدّدوا في أمنٍ فيهم من غير تقوى ولكنّهم رأوه الرّكنَ الرّكين ليكونوا قوّة إذا اعتدوا،ولعلّ الحدود والعقوبات الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورعاية النّفس الإنسانيّة وكفاية المحتاجين وتخالق النّاس فيما بينهم بخلق حسن وغير ذلك ممّا يجعل استحقاق الأمن المعنوي والحسّي فيما بينهم أقربُ للتطبيق والإذاعة والانتشار،فالمجالسُ أمان،ومن دخل بيت الله كان آمناً،ومن استجارَ أُجير،والرّجل في بيته آمن،والطّريق بين المسلمين أمانُ،والشاهد أمين مؤمّن لا يضارّ،وباذل النّصح آمن،والزوجة عند الزوج آمنة،واليتيم بين المسلمين آمن،واللاجئ له الحقّ في الأمان،وأهل الذّمة آمنون بالذّمة،والعهود أمان،والمواثيق أمن،والخصوصيّات عن الأمن لا تنفك،والوديعة أمان،والقائم على مصالح المسلمين رجُلُ أمنٍ بالمعنى الأصليّ إذْ هو عليه حارس،وإلا كيف نامَ عمرٌ بن الخطّاب رضيَ الله عنه إلا بعدَ أن (عدلَ فأَمِنَ)،فليعرف كلّ المسلمون أنّهم إلا يفعلوه يكن في الأرض فتنة وفسادٌ كبير .. والله أعلم

المسألة السابعة عشرة 1434/9/17هـ

مُمارسة الحُرّيات

(الحقُّ) أنّ الأغلب الأعمّ من النّاس ولدتْهم أمّهاتهم أحراراً،والأصلُ في الإنسان الحرّيّة باستثناء القيد الشّرعي القاصر في شروطٍ وأمورٍ قليلة جدّاً استشرف لنا الشّارع تضييقها بكثيرٍ من الكفّارات والصدقات،والحقُّ بأنّ الحرّية مفهومٌ عميق تتجاذبُه أربعة نوازع،الأوّل: حرّية في القلب والرّوح التي تتمازُ بالإرادة نحوَ ما يشاءُ الإنسان عمله أو تقريره أو القول به،والثّاني: حرّيةٌ في الاختيار بين النّاس لإنشاء علاقات أو تعاملات أو تواصل من الأمور النّاشئة بعد استقرار إرادته في نفسه لا قبل ذلك،فليس الإنسان بمختارٍ في اختيار أبيه وأمّه،والثالث: حرّيةٌ في مجموع أمورٍ محدّدة جعلَ الشّرع مساحةً للإنسان الاختيار فيها ولو في الواجبات كما في وقت الصلاة وخيارات الكفّارات وزكاة الفطر ونحو ذلك،الرّابع: حرّيةٌ في المباحات من الأمور التي تنضبط بحالها وكيفيّة ممارستها ووقتها وارتباطها بما يجب على الإنسان وما يحرم عليه،والحقّ كذلك أنّ قيام الإنسان بعملٍ تقتضيه حرّيته الأصلية غير المتعلّقة بحقوق الآخرين ثابةٌ مكفولة في ديننا وفي عقول العقلاء وعُرف الجادّين في هذه الدّنيا،فلا حجْرَ على حرّيةٍ مهما كانت بقول أو فعل أو أمرٍ معنويّ إن سلكتْ تلك الحرّية سلامة المسعى مع انتفاء الضّرر على النّفس أو المال أو العرض أو الدّين أو العقل أو الغير،والحقّ انتهاءُ حرّية كلّ إنسانٍ عندما تبدأ حرّية آخرين،ولا معنى أن تكون للناس حريّات ولا يستطيعون ممارستَها،فذلك يجعلُ الحرّية معدومة والحقّ مهضوم،ومثل ذلك الحقّ أن يمارسها النّاس كيف شاءوا ومتى شاءوا،مجتمعين أو متفرّقين،طالما ثبتَ أنّها لهم حقّ بضابط شرعيّ قويم،والحقّ الذي يلمسُه المختبرون لأفعال النّاس أنّ قوماً انتشرتُ فيهم حرّية شخصيّة منضبطة بالشّرع هم الذين على قوامة أمرهم قادرون ومتحكّمون عاقبةً ومصيراً ..

و(المستحقّ) تمكينُ الفرد والجماعات وكافّة شرائح المجتمع المسلم من حرّياتهم المقرونة بإنسانيّتهم وإسلامهم،ومعنى ذلك أن تُبذَل في سبيل ممارسة الحرّيات كلّ السُّبل لتنشر الوعي بالحرّيات أولاً،وتؤهّل النّاس لقاعدة عظيمة هي أصلٌ في انطلاق حرّية المسلم وفق قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا)ثانياً،وإذا ركَزَ هذا في جميع الحرّيات استحقّ كلّ النّاس ما يلزمهم لممارسة حريّاتهم من أعمال وأقوال وتصرّفات،لا مضارّين ولا منقوصين،واستحقّ المجتمع ما يدفعُ بهذه الحرّيات أن تكون وقوداً للنتائج المرجوّة من الشباب والشابّات على الأخص،ومن الا ستحقاق أن لا تكونَ الحرّية في تلكم الأمور لأناس دون آخرين،ولا لجماعة دون أخرى،ولا لمكان دون آخر،والمستحقُّ عدمُ تقييد الحرّية على شأنٍ في قومٍ وبسطه في آخرين،ولعلّ انعدام مكانٍ أو زمانٍ أو وسيلة لا يمكن ممارسة الحرّية إلا من خلال توفّرها أو أحدها نوعٌ مقيتٌ من هضم الحقوق والحرّيات التي نتكلّم عنها،ومن الفقه أن يعلمَ الإنسان أن تقييد الحرّية الأصلية في الاختيار جرّاء حياءٍ مصطنع وضغطِ أعرافٍ بمخالفة الشّرع،والخوف من السّلطان من غير إثمٍ ولا بغيٍ ولا إرادة فتنة،أنّ ذلك مانع من أداء الاستحقاق الواجب للجميع على الجميع،ويستحقّ النّاس ممارسة شعائر دينهم الحقّ الواجب عليهم حيث شاءوا ووقت ما يشاءوا فرادى وجماعات،وليست الحرّية بالمكافئة بحيث نُطالَبُ بالسّماح لغير المسلمين بممارسة شعائر دينهم في الأماكن العامّة وفي غير ما خُصّص لهم بالأصل بضوابطه ومقداره،ولا للمخالفين المرتكبين للأمور المنكرة التي تُخرِجُ من الملّة أن يفعلوا ما هداهم له الشّيطان في أماكن عامّة ولا في الطّرقات ولا في حجّ ولا عمرة،فالحرّية تعني أنّ لدينِ الله تعالى الحقّ وهو الإسلام الظّهورُ في بلاد المسلمين،ثمّ تبدأ الحرّية بعد ذلك وفقه وتبعاً لما جاءَ به صلى الله عليه وسلّم،وممارسة الحرّية لا تعني إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا،ولا المجاهرة بالمعاصي ولا التبجّح بالمنكرات ولا الدّعاء للفُرقة والفتنة ولا بالاستهزاء أو السّخرية من الدّين أو أهله،ولا الدّعوة لما يخالف السّنّة،وما شاحّ أحدٌ الدّين إلا غلبَه،وشعورُ المسلم الإنسان بأنّ في إمكانه ممارسة حرّيته في مجتمع ضامنٍ لها دينٌ وحقُّ مستحقّ ولو لم يفعل .. والله أعلم

المسألة الثامنة عشرة 1434/9/18هـ

التّعليم

(الحقّ) أنّ إمكانَ العقل من الوسيلة التي يتحصّل بها على علمٍ قد بذلها الله تعالى حين خلقنا في أحسن تقويم ومنحنا عقولاً نبصرُ بها بعد أن أخرجنا من بطون أمّهاتنا لا نفقه شيئاً،وحين علّم آدم الأسماء كلّها،وعلّم بالقلم،وعلّم الإنسان ما لم يعلم،حينها ثبتَ الحقّ في التعليم للجميع دون استثناء،ومن حديث الجارية التي جاء ذكرها في السنّة المطهّرة نعرفُ بأنّ الحقّ في التعليم مَرْبَطُه الإنسانيّة لا غير،وهي التي تمنحُ هذا الحقّ وتعطيه للإنسان،فلا حقّ أحقُّ من أن يتعلّم الفرد ويعلَم بعد أن لم يكن يعلم،ألم ترَ الله تعالى قال (فاعْلمْ أنّه لا إله إلا الله واستغفرْ لذنبك) وما ذلك إلا ليكون الحقّ في التعليم إن بُذِلَ هو القائد للتكليف الذي عليه مدار المحاسبة والجزاء،فالحقّ في أن يتعلّم الإنسان مكفولٌ منذ أن وُلِدَ طبيعةً وعادة،وبعدَ أن يصلح له أمراً وطلباً،وبعدَ أن يطلبَه أداءً وفرضاً،فمن مُنع من تعليمٍ في عصرنا هذا لأي سبب من أسبابٍ ليس هو أحدها فإنّه قائد المظلومين يوم القيامة،والله هو وحده يعلم سيقتصّ له من أيّ خلقِه،وواجبٌ على الإمارة المسلمة في المجتمعات الحاليّة أن يكون التعليم من الحقوق التي لا مشاحّة فيها بالنّظام والقانون،وأحسنَ صُنعاً من جعلَ التعليم في مراحله الثلاث إلزاميّاً تتطالُ العقوبة من منع منه أولياءه وأوصياءه،والحقّ بعد ذلك للمعلّم عظيم في الدّين والخلق،فمن كان سبباً في طريقٍ للجنّة وسبيلاً للخروج من الظلمات إلى النّور أولى النّاس بعد الوالدين بحسن المعاملة والاعتراف بالحق،والحقّ لهم على الدولة كبير،مؤازةً وتشجيعاً ورفع مكانة وإعظام ذكر وصدارة مجالس،وعند الأسرة لهم من الحقّ ما لا تستطيع أسرة أن تنفكّ منه إلا إذا رغبت في استمرار جهل وتوالي جهالة،وأمّا الطلاب والطالبات فعليهم من الحقّ ما يتعلّمونه ممّن علّمهم،فذلكم الحقّ تتابعيّ الصّفة،ففاقدُ الشيئ لا يعطيه،وكلّ إناءٍ بما فيه ينضح،والحقّ لمن هم بأيدي معلّمين ومعلّمات كبير في النّظرة العلويّة،وعظيم بالنّظرة الإنسانيّة،ودقيق بالنّظرة العمليّة،وما حقّهم إلا حقّ علمٍ هم باذلوه لهم أخذوا أجرته وسلكوا طريقه،ومن ملك أمر طالبٍ وطالبة فليعرف بأنّه ملك جانباُ من مصائر الإنسانيّة والأمّة المسلمة،وليعرف بأنّ حقّ هؤلاء مجتمعٌ في تقوى إذْ لا رقيب إلا الله،ونصح إذْ لا مطّلع إلا الله،وعدل إذْ لا ناصر إلا الله،وصدق إذْ لا معلّم إلا الله،وحقُّ على الأمّة والنّاشطين والفاعلين ومن هم في الحسبة وصانعو القرار أن يستشعروا حقوقاً في التّعليم عندَ كلّ هدف يرسمونه ..

و(المستحقُّ) أن تُبنى العلاقة بين التعليم والإنسان عند من ينظّرون للنّاس طرائق عيشهم على أنّ الحياة هي التّعليم،وعلى أنّ بذر التعليم كأساس لكلّ جهد إنسانيّ هو الغاية من بقاء الإنسان حيّاً،ويستحقّ الإنسان المسلم أن تُعنى كلّ الحواضر الإسلاميّة بتعليمه من حيث هوَ،وأن لا تغشّ ولا ترض الغش،ولا تخلط غثّاً بسمين في معلومات تلقّنها لعقل الفرد،واستحقاق التعليم ليس بالمشكور على أساس المنّ والإحسان،بل هو الواجب الذي لا يخرج من عهدته إلا من أرسى دعائمه وسعى في نشره،ويستحقّ مجال التعليم أن يكون رأس كلّ ميزانية ماليّة،وبداية كلّ مبادرة حكوميّة،وأمّ كلّ المناقشات،واهمّ من كلّ المهمّات،ويستحقّ الطلاب والطالبات وجوهاً مبتسمة من معلميهم ومعلّماتهم،وصدوراً رحبة منهم،ومعاملة إنسانيّة وهم يستمعون لهم،ويستحقون كذلك عليهم الرجوع عن الخطأ واللين في القول،وما استحقاق التربية إلا تبعاً لذلك،كلٌّ في ميزانه وقدره وسنّه،ويستحقّ الطالب والطّالبة أن يكون كلّ معلّم ومعلّمة في زمان ومكان وفق معطيات عصره ومتطلّبات وقته وفتوح علمه،فلا مجال للرجوع للوراء ولا للقياس مع الفارق،ورحمةً مظلّلة لكلّ هذا هي استحقاقٌ عظيم لهؤلاء القصّر والسّاعين للخير،وويلٌ ثمّ ويلٌ لمن ترك طالبٌ أو طالبةٌ التعليم بسببه،أو زرع في نفسه كرهاً له،أو شحنه بمعلومات خاطئه،أو حمّسه على منكر،أو أغفل تربيته وحسن تأديبه بالحسنى وهو يقدر،ليأتي استحقاق المعلمين والمعلّمات ممّن أحسنوا إليهم بالضرورة إن أحسنوا واتّقوا،فلا جزاء للإحسان غير الإحسان،ويستحقّ أن يلتحق بالتعليم كلّ من طلبه،وواجبٌ على المسئولين تسهيل ذلك،وتذليل الاعتبارات الإداريّة والحكوميّة،فقد قال لي أحد علمائنا الأجلاء رحمة الله عليه أنّ ردّ الطلاب الراغبين في العلم من الجامعات فيه ما فيه من الإثم،ورفض أن يكون عضواً في لجنة تقبل بعض الطلاب وترفض آخرين لأية اعتبار،ولسنا بالمعمّمين،ولكن نقول سدّدوا وقاربوا،ورغّبوا في التعليم تكن الأمّة كما أراد الله لها خير أمّة أخرجت للنّاس،واستحقاق المعلّمين لأجورهم لا إحسان فيه لأحد إلا جهدهم بعد توفيق ربّ العالمين لمن يطلب العلم ويسلك فيه طريقاً،ومن يستكثر عليهم ذلك لا يعرف بأنّ من مُنعَ الماء مات،ومن منُع التعليم ذلّ،وعلى الآباء والأمهات أن يعرفوا بأنّهم في استحقاق الأسرة المدرسيّة شركاء،وأنهم إن زرعوا في الذريّة إهمالاً وتقليلاً من شأن العلم وأهله هم الخاسرون،وانهم لا يستطيعون بذل ما يبذله الميدان التّربوي لأولادهم وبناتهم،ويستحقّ التعليم غير النّمط الذي نحن سالكونه،وغير الطريقة التي نحن فيها،وغير الثقافة التي تكاد تطغى علينا،يستحقّ التعليم كلّ حياتنا .. والله اعلم

المسألة التاسعة عشرة 1434/9/19هـ
مؤسّسات المجتمع المدني
(الحقّ) أنّ لمن هم راغبوان في تكوين لجنة أو فئة أو جماعة ذات توافق في توجّهات أو اهتمامات أو مهنٍ ونحو ذلك من الأمور الحقّ في ذلك حين تسلمُ العقيدة والعمل والقصد من مخالفة الشّرع والدعوة للباطل والتعاون على الشرّ،والحقّ بأنّ التكتّل في فرق عملٍ تعتني بما يهتمّ به الإنسان أو يرفع من شأن عيشه وحراكه في هذه الدنيا بالسّعي الذي أمره به ربّه هو المرجوّ من تواصل الأفراد وتعايش الأشخاص،والطبيعة الاجتماعية المنسجمة من تهذيب الدّين المستفيم هي التي تدفع هذا الشأن ليكون حقّاً مكفولاً للعامّة والخاصّة متى شاءوا،وفي القرآن العظيم قوله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير) وقوله (ولولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) وقوله (وإن طائفتان من المؤمنين) وغيرها من الإشارات الواضحات على أنّ الفئوية والجهويّة والنقابية المحمودة في تعاون على البر والتقوى ليست إلا من الحقّ الأصيل للناس إن هم أحسنوا استغلالها في إحسان للنّاس وبذل خيرٍ لهم،ونظام النّقابات الحضري في المجتمع الحديث فرعٌ عن هذا الحقّ الذي يخول لكل الممتهنين تجمّعاً فيما يتواصون به من رقيّ لمهنهم وأعمالهم وعلومهم وثقافاتهم المنضبطة بما أحل الله وما حرّمه،الواقفة عند حدود كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم،وقد قال ربي (واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا) وقال (وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً) فلا الاختيار ولا حصر الأمر في معنيّين يمثلون أمة من خلفهم كنقباء البيعة الأولى والثانية بالأمر الغريب في دين هو أصل حقوقٍ يحفظها للعالمين،بل إنّ السعي لتثبيت هذا الحقّ وتنظيم شأنه يذكي في النفوس عمل الخير تطوعاً لله تعالى،ويقي المراس الاجتماعي شرّ الاستئجار والانتماء الحكومي الذي لا يخلو من حيف أو محسوبية تقود إلى فساد،فمن حقّ الأشخاص كمجموعات أن يتآلفوا لنصرة قضيّة مشتركة لها أصل بسبلٍ ووسائل لها في الدّين مكان ..
و(المستحقُّ) استعمال هذا الحقّ في الأَوْلى فالأَوْلى،وإشاعة الحرص على أن يكون هذا الحق معروفاً للجميع متاحاً للكل،مع استحقاق هذا الأمر لأن تكون الدولة المسلمة راعية له وحاضنة ومشجّعة،لا متحكّمة ومسيّسة ومهيمنة،والناس فيما بينهم لهم من القدرة على إدارة استحقاقهم هذا بما يُحْكَمُ عليهم به وفق نتائج أعمالهم،وتستحقّ الفئة الشبابية في المسلمين أن تُدرّب وتُعلّم ويُحسن الظنّ بها لتطّلع بهذا الحقّ في الواجب والمستحسن والمباح من الأمور والاهتمامات،ولا كثرة مزعجة في هذا الاستحقاق،بل إن العامل الرئيس فيه أن لا يكون المؤمن وحده في أمر ذي بال،فالواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركبٌ،وتستحقّ مؤسسات المجتمع المدني المسلم أن توكل للناس بعيداً عن عراك المسئوليات ذات الطابع الإداري،فلا لجنة ولا جمعيّة ولا نقابة ترتفع ويعلو شأنها وهي في أسر الموافقة من مدير أو وزير على نشاط أو توجّه،وطالما انطلق هذا الحقّ من قاعدة أنّ الدين لله أصلاً وسلوكاً وعملاً،فالاستحقاق بعد ذلك تَرْكُ المسلمين ينفع بعضهم بعضاً ويشدّ بعضهم أزر بعض،وما يستحقّ منّا إبداع المبدعين وحسن تصرّف الحكماء وصنعة يملكها القادرون وعلماً برز فيه مجتهدون إلا أن يكون أوسع الفضاء لهم في استحقاقهم العظيم،وأن يتحزّبوا للخير ويجتمعوا للمعروف ويؤسّسوا لما بطمحون إليه من إيعاز الأمر لأهله وجعْل الأمور في نصابها،ومع هذا الحقّ الجميل لا يغفلنّ المسلم عن استخقاقِ كلّ ذلك للتقييم المتواصل والمتابعة النزيهة والقوامة العادلة،فكلّ عمل الإنسان له قُرْبٌ من خلل .. والله أعلم

المسألة العشرون 1434/9/20هـ

لا للشّذوذ

(الحقّ) أنّ الإنسان وقد جعله الله تعالى مثالاُ للسلامة من العيوب في جسده وروحه عقلاً بأصل طبيعته ثمّ بما أنزل إليه من الكتب ومن بعث إليه من الرّسل،فحقيقةُ الأمر أنّ الحكم لله تعالى حينَ نظّم الحياة العملية والاجتماعية والفكريّة والروحية والاقتصادية بحدود وقوانين من تعدّاها فقد تعدّ حدود الله تعالى وحينها لا قياس على ما يفعل ولا حُرمة لما يقول أو يتبنّى،ثمّ الحقّ بأن الشذوذ عن الطريق المستقيم أيّاً كان مرماه في ذات الإنسان سواءٌ في الفكر أو العقيدة أو الثقافة او الجسد أو العمل ليس بمقبولٍ في أصل الدّين الإسلامي الذي أُمرنا بحمايته والحفاظ عليه فيما بيننا،فلا كرامة ولا حقّ لشاذّ فيما يخالف الأصل سوى ما تمليه أصل الحقوق الإنسانية المنظّمة لأفعال المعتدين أو المرتكبي للمنكرات،وحين يثبتُ الحقّ للدّين وأصل الخلقة الإنسانيّة فما عدا ذلك هو من طوارئ الخُبثِ التي أوجب علينا الله تعالى محاربتها والأخذ على يد من يحاول إفشاءها فينا،ومن يدّعي حقّاً لفكرٍ ضالّ النشأة أو الأصل بمخالفة عقيدة المسلمين في ربّهم ووحدانيته التي يحافظون فيها على الثوابت والأصول فهو داعٍ إلى زورٍ وبهتان عظيم،ومن يقول بحقّ للشاذّين في أفكارهم والملحدين في أقوالهم والمارقين في تصوّراتهم بحجّة التّعايش وحرّية في التفكير فهو مسكين النّظرة لقوامة هذا الدّين العظيم،ومن ينشُدُ حقّاً للشاذّين جنسيّاً والعياذ بالله العاملين بعمل قوم لوطٍ أو السّحاقيّات أو الذين تشبّهوا بالنّساء فأصبحوا مثلهنّ أو اللاتي تشبّهن بالرّجال فأصبحن مثلهم وغيرهم من السّالكين بالأخلاقيات نفقاً مظلماً فهو من الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا،ومن يخلطُ حقوق الإنسان الطّبيعيّة بما يمارسه هؤلاء وأولئك من شذوذ خبيث مقيت في الفكر أو الفعل أو الحياة فهو من الذين زيّن لهم الشيطان سوء أعمالهم،والحقّ الذي لا مرية فيه أنّ الحقّ في مثل هذه الأمور هو المواجهة والعلاج والتصدّي والأخذ على اليد حتى يستقيم الدّين في النّاس ويعلموا بأن أصول الدّين وبيضة الإسلام لا مساومة فيها ولا مداهنة،ولستُ بالمبتدع حين أقول بأنّ كلّ مذهبٍ شذّ عن أصلٍ نعرفه جميعاً لا حقّ له في البقاء،وليس له الحقّ أن ينشر ولا أن يسكتَ عنه ولا أن يندرج تحت ما يقال عنه التّعايش والسلام،وليس معنى ذلك القتال ولا إيذاء الناس ولا الاعتداء عليهم،وإنما الحقّ أن يكونَ دين الله الصحيح هو الكلمة العليا،فوالله ما سكت قوم عن فاحشة ولا نمكر دينٍ بيّن إلا ابتلاهم الله به حتى رأوه حسناً فهلكوا واهلكوا ..

و(المستحقّ) العودة لما نتعلّمه ونعلّمه للأجيال وللنّاس وتمحيص الحقّ عن الباطل والسليم عن السّقيم،ومن ثمّ الأخذ بزمام الأمور نحو الجادّة التي أمر ربي أن يكون عامّة المسلمين عليها مقتفين بذلك أثر النبيّين والمرسلين ومن نهج نهجهم من اتباعهم الصّالحين،ويستحقّ الشذوذ أن يكون من أوائل ما يعيه المصلحون والاجتماعيّون والمربّون والسياسيّون ليعرفوا كيف يكون التّعامل الصّارم الحقّ المكافئ مع أمرٍ خطير ليس فيه مماراة،ويستحقّ الشذوذ بأنواعه وفروعه وأشكاله وألوانه أن يكون من الأوبئة والأمراض التي يجتهد النّاشطون ليجدوا له لقاحاً من الصّواب،ووقاية من الهدى،فيعاجلوا بها النّاس حتى لا تضيع الأمور ويذهب ريحُ الحقّ بين المهملين والراقدين فنصحوا على واقع أممٍ أهلكها الله بذنوبها،وشياطين الإنس بارعون في تمييع الأمر والأخذ به نحو أصل الحقوق المكفولة للفرد وليس الأمر كما يقولون فهم وربّ الكعبة منافقون يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة،والمستحقّ العظيم على كل مسلم أن يكون على بيّنة من أمره في كلّ شاذ ومنكر من الأمور،فأصل الشذوذ في النّار،وليس معنى أن فئة من النّاس أو جماعة منهم استشرى فيهم الباطل والسّوء معتقَداً أو سلوكاً أو فكراً بأنهم ليسوا بالشاذّين لأنهم ليسو وحدهم ومعهم غيرهم،لا والله،فقوم نوح وقوم هود وقوم لوط كان أكثرهم ضالين ومع ذلك أهلكهم الله وأبقى المؤمنين،فليتّق الله تعالى من يسوّق لبضاعة نتنة اسمها التّعايش مع الشّذوذ في كلّ مجال .. والله اعلم

المسألة الحادية والعشرون 1434/9/21هـ

التّقاضي

(الحقّ) هو الذي بيّنه لنا الخليفة الراشد أبو بكر الصّديق رضي الله عنه في خطبته القريبة عهد بمشكاة النّبوّة حين قال (الضّعيف فيكم قويّ عندي حتى أُريح عليه حقه إن شاء الله،والقويّ فيكم ضعيفٌ عندي حتى آخذ الحقّ منه إن شاء الله) ليكونَ بذلك أساساً عمليّاً لحقّ أهل الحقوق في التّقاضي عند من يحكم بينهم بما أنزل الله،فللنّاس حقّ أن يتظلّموا لدى من نصّبه وليّ الأمر قاضياً بينهم في خصوماتهم،وهذا الحقّ مطلقُ الإشاعة في الابتداء حتّى يظهر الحقّ ثمّ يعود كلّ بمظلمته على من بانَ في القضاء أنّه ظلمَه،فلا حَجْر على طلبِ الإنسان للتّقاضي من أيّ إنسان مهما كان،ولا حصانة في الدّين لشخص أن يكون في أحد مقعديّ الخصومة عند القاضي،ثمّ هو يحكم بينهما بما شرعه الله قضاءً وحكماً واجبَ النّفاذ،وأمّا الدّيانة الباطنيّة فهي لله تعالى علام الغيوب،فرسولنا العظيم الموحى إليه يقول (لعلّ أحدكم أن يكون ألحَن بحجّته من الآخر فأقضي له على نحْو ما أسمَع) فالحقّ الثابتُ في كلّ من هداهم الله لاستقامة سياسة النّاس أن يكون التّقاضي حقّ لا نزاع فيه،ولا يسقطُ حقّ بالتقادم،ولا بموتِ صاحبه إن كان ممّا يُملَكُ،ولا بشيء من أعمال الإنسان إلا الصّلح ممّن يملك التّصالح فيما يملك عقدتَه،والتّقاضي حقّ بالغُ الحساسيّة في الاعتبار المعنوي والثقافة العامّة،حيث من الحقّ أن يكون متاحاً بلا هيبة ولا رهبة ولا خوفَ حيفٍ أو خشية مسئوليّة،وإلا لاحتفظ بعضهم بخصوماتهم ليومٍ لا ينفع فيه صرْفٌ ولا عدْل،وشاع الظّلم وضاعت الحقوق،فالحقّ دخول كلّ النّاس مهما بلغوا تحتَ احتماليّة التّقاضي،لتنفَذَ المشروعيّة فيهم جميعاً  ويسيرون في القضايا المرفوعة ضدّهم كأي واحدٍ من عامّة النّاس،والحقّ بأنّ القائمين على القضاء حقٌّ عليهم أن تكون هذه نظرتُهم وهذا هو عملهم،وحقٌّ لهم إن هم عدلوا واتّقوا وعلِموا وتنزّهوا أن يكونَ لهم الاعتبار القاضي بهيبةٍ من غير ترويع،ومكانةٌ من غير مداهنة ومحسوبيّات،وقدْرٌ عند النّاس من غير عصمة،وحقٌّ على من طُلبِ للتقاضي أن يستجيب من غير استمهالٍ ظالمٍ ومن غير مماطلة،وحقٌّ على الحاكم إلزام النّاس ذلك قوّةً وسلطة،إنزال الجميع على حكم الله ورسوله حتى في الصّفة والوقت والطريقة أداءً وإعطاءً وتخلّيّاً ..

و(المستحقّ) توفّر التشريعات التي تُترجمُ الأصل الشرعي في حقّ التقاضي لواقعٍ طبيعيّ يعيشه النّاس في سهولة ويُسر وسلاسة تعامل،ويستحقّ التقاضي أن يكونَ ذا بالٍ في الأجهزة الحكوميّة والإداريّة لينتفع النّاس من انتشار هذه الثّقافة ترهيباً وترغيباً،كما المستحقّ أن تولي الدّولة المسلمة العناية الفائقة الكبيرة لمجال القضاء ليكون ملاذاً للمظلومين وأصحاب الحقوق دونَ تفريق بين ذكرهم وأنثاهم أو صغيرهم أو كبيرهم أو أصحاب الهيئات منهم أو عوامّ الخلق،دون إغفال غير المسلمين الذي يقطنون بين أكناف دولة مسلمة ويحتكمون إليها في الحقوق فهم والمسلمون في هذا سواء،واستحقاق النّاس لأن يُفصَل بينهم في حقوق يتخاصمون فيها أو يختصمون على الفوْر غير قابلٍ للتأجيل شرعاً وديناً إلا بما تقتضيه المصلحة التي يقدّرها الورِعُ التّقي الذي يخاف الله تعالى،وتعطيلُ مصالح النّاس في هذا الأمر بأي حجّة ظلمٌ كبير واعتداءٌ عظيم على حقوقهم الأصيلة ،فهم يستحقّون أن يطمئنّوا إلى أنّ في من يسوسُهم للخير مظنّة العدْل وأخذ الحقّ لهم،أمّا استحقاق التّقاضي لأن يكون معروفَ الشأن والطريق والسلوك لدى الجميع فهو مسئوليّة الدّولة وعامّة ولاة الأمر والقائمين على شئون النّاس،والتّقاضي ركنٌ عظيمٌ من أركان المجتمع المدني المسلم الذي يؤمن بالله ورسوله يستحقّ من الفقه والتعليم والإعداد وتهيئة العاملين في مجاله مهارةً وحنكةً وإخلاصاً وابتغاءً لوجه الله تعالى،ثمّ المتقاضون يستحقّون على من تقاضوا عنده أن يفي بالعهد والوعد والموعد توقيتاً وحضوراً وانصرافاً،فأوقات النّاس من خالص حقّهم من ضيّعها سُئِلَ عنها يوم القيامة،ومن النّاس من هو ذا نفسيّة مُحبَطة يتركُ حقّه إن سئمَ مراجعة وتسويفاً،ومن تسبّبَ له في ذلك فهو شريك الظالمين في ظلمٍ أصابَه،وهناك فئة لا يسألون النّاس إلحافاً يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفف يُظلمون ولا يستطيعون ضرباً في الأرض ولا تقاضياً يستحقّ هؤلاء من الدّولة المسلمة تفتيشاً عنهم ورعاية لمصالحهم والقيام على تقاضيهم من غيرهم بالحقّ والعدل في استعجالٍ،فلا عذر والرّاشد الفاروق قد قال (والله لو عثرتْ شاة في العراق لخشيتُ الله أن يسألني عنها لمَ لم تمهّد لها الطّريق يا عمر) وتستحقّ إجراءاتُ التّقاضي التي ابتلينا بها زمناً أن تُراجَع وتحدّث وتُختصر وتسهّل وتؤمّن ليرجع إلينا وفي نفوسنا عدلٌ نعرفُه ولو لم نتقاضى،فتوفّر الإمكانيّات يسحقُ تبرير كلّ من يُراوغ ويكذب،وأمّ الاستحقاقات في هذا المجال تنفيذٌ وسريّان وتابعةٌ ورقابَة .. والله أعلم

المسألة الثانية والعشرون 1434/9/22هـ

المرأة والرّجل

(الحقّ) أنّ أساس الخلْق من نفسٍ واحدة ثم الله خلق من تلك النفس زوجها لحكمة يعلمها هو وغاية هو سائرٌ بنا إليها،فالذكر والأنثى في مجال الإنسانية زوجان كما كلّ شيء في هذه الدنيا زوجان على الغالب،وذلك حين أمر الواحد الديّان نوحاً عليه السلام بقوله (قُلنا احْمل فيها من كلّ زوجين اثنين) وآياتٌ نحو هذه كثيرة تفصّل مسألة التزاوج للتفريق والوصف،فالحقّ اشتراك المرأة والرجل في أصل الخلق على أحسن تقويم بإيداع الخصائص المفترقّة والمتّفقة كما شاء رب الناس،وحين يثبت ذلك لزِمَ عقلاً وشرعاً في نظرتنا لأعمال الخالق سبحانه أن يكون لكلٍّ منهما ما يعنيه من أحكامٍ,متساوون في بعضٍ متمايز بعضهم عن بعض في أمور أخرى،وحقٌّ القولُ عن هذا التنظيم بأنه الإبداع والحكمة والتّمام،فما خلق الله شيئاً عبثاً،والحقّ الذي للرجال هو ذات الحق الذي للنساء مع اختلاف في الاستحقاق من لدن ربّهم الذي فطرهم،والحقّ كذلك بأن استشعار عدم وصول الحقّ للمرأة من ذات نفسها هو طبيعيّ الحدوث في هذه الدنيا أزلاً،وهو من أساس تكوينٍ ليس من الجديد أو المبتدع،ألم ترَ النساء وقد قالوا له صلى الله عليه وسلم (ذهب الرجال بالأجر) في حديث أسماء بنت زيد الأنصارية رضي الله عنها،حتى أفتاها من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلّم بما تعيه ويلفت نظرها إلى مسئوليات كل جنس حتى اطمأنت هي ومن سيأتي بعدها،فالحقّ إذن أنّ من يفرّق بين امرأة ورجل في حقّ لهما على سبيل السوية ظالم لنفسه ولهما،ومن يفرّق في حقّ وصفَهُ اللهُ لهنّ على التحديد دون الرجال أو في حقّ وصفَهُ اللهُ لهم دون النساء فذلك هو من يبيّن للناس ما يتقون به ربّهم،فلا حقّ للمرأة ممنوع من رجل إن منحها الشرع إياه،ولا حقّ ممنوع لرجل منها إن أعطاه الشرع إياه،وحين نحى شرع ربنا نحو ما عَلِمَهُ الله من تركيبة نفسية لعباده وعَلِمَ منهم ظالمين برجولتهم مستمسكين بشكليات قوامتهم استوصاهم بالنساء خيراً،وأخرج المسلمين من جاهلية ظلمهم لها لحقوقها الأصلية في نظام قويم هو الأصل في التعامل،والحقّ أن تشابك الحقوق المختلفة والتفريق بين الحقوق المتّفقة وإدخال الحقّ في المنّ أو الإحسان وإقحام غير الحقّ في حقوقِ الإنسان الأصلية على أنّه من حقوق المرأة المهضومة زندقةٌ وتلبيس من إبليس وسيْرٌ بالأمور لشريعة الغاب ونكوص عن كرامةٍ لبني آدم بجنسيهم ..

و(المستحقّ) تحليلُ الحلال وتحريمُ الحرام من لدُن رب العالمين،وأنّ الخيار الأمثل هو الخضوع للشرع وواجبات الدين من الذكر والأنثى بالخطاب الشرعي العام،وتستحق حقوق الجنسين وقفة منصف،ومعيار فقيه،وفرْزَ عالم ربّاني،وإنفاذ سلطانٍ يخاف الله،وتمحيص مسئول يفهم الفرق والخصوصيات،واستحقاقُ رجلٍ لقوامةٍ هي من القيام على الشئون في كفايةٍ تُريحُ أختَه،واستحقاق المرأة للوجود والاعتبار والكيان في الشأن العام والخاص مكفولة مضمونة لمن اتقى،ونصيب الميراث لمن جعله وصمة عارٍ حدٌّ من حدود الله وإن جهل المنافقون حكمته وغايته الراقية الدقيقة،واستحقاق المرأة لما يستحقّه كلّ إنسان بأصل أنسانيته المرتبطة بمن خلقَه لا جدال فيها،وظلمُ النساء في شيم الأولين جبنٌ ومذمّة،وفي دين الله تعالى حرامٌ وقد فصّل الله ما حرّم عليهم فيه،وإرباك الناس وإرجاف السامعين بحقوقٍ للمرأة تفتّش حتى في جسدها من أفعال قومٍ لا حياء لهم يكمل به إيمانهم إن صدقوا،والرجل من المرأة أصلٌ استحقّت عليه مكانتها منه،والمرأة من الرجل أصل استحقّ عليها مكانته منها،وليفهم العقلاء أنّ من يستحقّ حقّاً عاماً وجبَ لهُ فهو إن جهر بطلبه مُحِقّ،سواءٌ كان امرأة أو رجلاً،(لا يحبّ اللهُ الجهرَ بالسّوء من القولِ إلا من ظُلِم) فما بالك بالخير والحقّ،وتستحقّ الظروف العامّة وطبائع البشر وأعراف المجتمعات وحالة كلّ زمن وصفة كل مكان إنْ لم تخالف شرعاً أن تكون عاملة في حقوق النساء والرجال تكييفاً ومساحة وطريقة بلوغ،ولا يَجْبُرُ الناس على مثل ما عليه آخرون ولو صلُح لهم إلا فاسد رأيٍ وقليل اطلاع على سنّة الله في خلقه،فذمة الذكر والأنثى في الاستحقاق وما يمتلكون وأعمالهم وعلمهم وأفعالهم وما يكتسبون ورؤيتهم ومشاركاتهم وتبعية تصرفاتهم على السواء لمن عدَل،ويستحقّ النساء ما يخصّهن بكفاية اختصاصاتهنّ بهنّ،كما يستحق الرجال ذات ما نقول،وحسبُنا قول ربّنا (ولهُنّ مثلُ الذي عليهنّ بالمعروفِ) .. والله أعلم

المسألة الثالثة والعشرون 1434/9/23هـ

تقْرير المَصَير

(الحقّ) هو أنْ تكون حرّية الفرد إنْ جُمعت مع حرّية أفراد معه تصبح حرّية كيانٍ مجتمعيّ ينطلقُ حقّهُ من أساسٍ معيّن هو به متلبّس،والحقّ أنّ الكيانات المجتمعيّة يعتبرها أهل الاجتماع في مجال الرّقعة التي يسكنونها ولو كانوا مختلفين في عرقيّاتهم او مراميهم العقديّة ونحو ذلك،والحقّ بأنّ الكيان الذي ارتضاه الخالق لنا بعد عن ارتضى لنا الإسلام ديناً هو كيان باسم (المجتمع المسلم) فعلى ذلك ينطلقُ الحقّ من بداية رسالة النبيّ الخاتَم صلى الله عليه وسلّم حين أمره ربّه بالهجرة للمدينة فأنشأ نوراً فيها بأمر الله تعالى وانطلقت الدّولة الإسلامية بمصيرٍ قرّره الله لرسوله صلى الله عليه وسلّم وبنى عليه ما جاء بعده،والعقلاء من قريش وهم على الكفر حينها رغم حقدهم وحنقهم الشديد على هذا الدّين ومحاربتهم له أقرّوا بحقّ للنبيّ صلى الله عليه وسلّم وأصحابه ومن تبعه من أهل المدينة بأن يكونوا هناك في مصيرٍ لهم هم فيه أحرار،ومع أنّ مصطلح (تقرير المصير) حادثٌ بعد تقلّبات الزّمان بعد القرون المفضلة إلا أنّ الدّين الإسلامي أعطى مساحةً منضبطة في هذا الأمر تجعله حقّاً للمجتمع المسلم الكلّي حينَ يكون لحمة واحدة في أن يقرروا كيف تكون إدارة شئونهم وفق معطياتٍ هم عليها غير خارجين ولا تاركين ما أوصاهم به الله تعالى أنّ اعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقّوا واستمسكوا بالعروة الوثقى وكونوا عباد الله إخواناً،فالحقّ أن تقرير المصيرِ حقٌّ لمن هم في حالةٍ لا انضباط لهم إن استطاعوا وفق شرع الله تعالى،وليس الحقّ لمن هم تحت أمّة مسلمة أن يكون هذا فيما يخصّهم واقعاً،فمصيرهم قد تقرّر بإسلامهم وما أوجبه الله تعالى عليهم من السمع والطاعة لله ولرسوله ولوليّ الأمر،والنّظرة الكليّة تجعل حقّ تقرير المصير واجبُ الأخذ به كدليل على من هم تحتَ نيّر الاضطهاد والإذلال من كافرين أو فاسقين فجّار يظلمون النّاس ويسفكون الدّم الحرام،مع التأكيد على أنّ ذلك مطلقُ الحريّة في حدود ما اوجبه الله تعالى من الوحدة وتحكيم شرع الله تعالى والعدالة والمساواة،وكذلك فالحقّ أنّ تقرير مصيرٍ بدواعي العرْق والجنس والعقدية الفاسدة والعلمانية الملحدة من فواجع الأمور في أمّة الإسلام،وليس من الدّين السّماحُ لكيانات تتآلف لحرب الإسلام والمسلمين أن تدّعي حقّاً في تقرير المصير كمفهوم سياسيّ لا يعين إلا على الفرقة والخروج عن جماعة المسلمين ..

و(المستحقّ) أن يكون حديثنا مع من هم من غير ملّتنا في أحوال مسلمين يقبعون تحت سياط الإساءة لهم والتضييق عليهم وتشريدهم هو مبدأ العدالة الإنسانيّة أولاً،ثمّ القوّة الضاغطة الفاعلة ثانياً،ومن ثمّ ما قرّره هؤلاء الكافرين في اجتماعاتهم وما يسوّقون له من حقوق من ضمنها (حقّ الشعوب في تقرير مصيرها)،ولا يُلزمنا ذلك عقلاً ولا منطقاً ولا شرعاً أن يدّعوا هم بأنّ علينا القول بحقّ بعضٍ ممن هم معنا في تقرير مصيرهم انفصالاً أو كياناً مستقلاً بحجّة فساد عقيدة وسوء طريق،فإن الإسلام قد قرر للإنسان حقوقاً نحن حافظوها لكلّ من هو إنسان من غير حيفٍ ولا ظلم،ولكنّه قرّر أن الدّين كلّه لله،ولا يجوز لمن مكّنه الله من بقعة تدين بالإسلام أن يتسامح في بعضِ فسّاق يغيّرون ويبدّلون أساس ما يعتقده المسلمون من غير ظلم ولا اعتداء ولا تمييز،ويستحقّ هذا المبدأ الكبير الذي هو (تقرير المصير) أن يُحرّرَ محلّ النزاع فيه ليكونَ النّاس على بيّنة من أمرهم فيما يعنيهم وما لا يعنيهم،فالمنافقون كُثْر،والملحدون يتربّصون بالمصلحين الدّوائر،والداعون للباطل يتلقّفون المصطلحات ليجذبوا بها عقول السّامعين في زُخرفِ قولٍ هو من الحقّ بعيد،وحينَ قدّر الله تعالى وأضحى واقع المسلمين دولاً وشعوباً،فلكلّ دولةٍ وشعبٍ من حقّ تقرير المصير ما قد صار إليها حتى انضبطت الأمور وصلّى النّاس وصاموا واطمأنوا على دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم،فلا والله للهمجيّة والفوضى طريقٌ في استحقاق الشعوب لتقرير مصيرهم وقد قرّره الله لهم باليد الواحدة والمحافظة على المكتسبات والدعوة إلى الله بالتي هي أحسن والحفاظ على دماء المسلمين من المسلمين ومن غيرهم أن تسفك دون فائدة ولا جريرة،ويستحقّ هذا الحقّ مزيداً من التّفكير لمن رسخَ في العلم بدين الله ويخشى الله ويتّقيه .. والله أعلم

المسألة الرابعة والعشرون 1434/9/24هـ

المُلكيّة الفِكْريّة

(الحقّ) بأنّ الله وهبَ العقل للإنسان ليُثمرَ بنات فكر تحيي البشريّة وتُصلح أحوالهم وتعينه هو ومن معه على حقيقة العيش الكريم في الدّنيا،والحقّ أنّ ما يخرجُ من فكر إنسانٍ لم يسبقه له غيره ممّا لا يخالف شرعاً ويضيفُ جديداً هو له ملكٌ بالعزْوِ والرّواية والاستفادة،وما العلمُ الذي في صدور الرّجال إن كان من ابتداءِ صَنْعتِهم وفراسة ترتيبهم وتصنيفهم إلا من هذا القبيل،ومن الحقّ أن تكون الابتكارات والاختراعات التي خضغت لقوانين وأنظمة من هم في هذا الفنّ مختصّون في الملكيّة الفكريّة رأساً وأصلاً،فالإسلامُ دينٌ يحفظُ لمن قالَ قولَهٌ وإن ضلّ،ومن القرآن العظيم نأخذ إشاراتٍ لذلك حين يقول تعالى (وقال فرعون)،(قال الملأ)،(قالت امرأة العزيز)،(قال الذي عنده علم من الكتاب)،(وقالت اليهود)،(وقال الشيطان)،(قال لهم نبيّهم) وكثيرٌ مما يعزوه الله تعالى لمن قاله في أمانة يرشدنا الله تعالى إليها،لنفهم بعد ذلك قوله تعالى (ويصنعُ الفلكَ) فنوحٌ عليه السّلام هو الصّانع بهدي الله تعالى له،ونفهم قوله تعالى (وقدّر في السّرْد) فداودٌ عليه السلام هو المقدّر بما منّ الله عليه من ملك وعلم،وقوله تعالى (فأعينوني بقوّة أجْعل بينكم وبينهم ردْماً) فذو القرنين هو الباني بتمكين الله تعالى له،فالحقّ بأنّ الملكيّة الفكرية لكلّ ما جاءَ به الإنسان على خصوص اسمه وعيْنه دونَ وجودٍ سابقٍ سواء كان فكرة أو مخترَعاً أو آليّة تنظيم،أو قرْضَ شعرٍ أو تصنيف مؤلَّفٍ،أو كتابة مقالٍ أو تدوين تاريخٍ،ونحو ذلك هي حقّ لمن جاءَ به،والحقُّ بأن الاعتداء على ذلك وإن تمّ بعزوِ الأمر لغير صاحبه،أو إهمال العزْوِ أصلاً ليس من الدّين في شيءٍ وليس من قواعد الخلُق العلمي الإسلاميّ في شيء،وبه تضيع الحقوق،ويقول النّاس عن الجاهل صاحبَ قلم،وعن العالم سارقَ أفكار،وعن المخترع فقير نفس،وعن صاحب السلطة الماليّة والنفوذ ذكيّ الابتكارات،وهذا كذب وافتراء يدعو لتقاعس المبدعين واستفحال المفترين ..

و(المستحقُّ) تنظيمٌ في أمّة الإسلام يراعي الأسس المستجدّة والقوانين الحادثة والمنهجيّة الفنيّة في هذا المجال،وقانون يحمي من قال بقوله أو يأخذه به،ويحفظ لمن كتب كتابه ولو بعد موته،ويمنع من يستفيد من نشر ما لم يؤذن له فيه أن يفعل لعقوبة ستلحق به،ويستحقّ العلم ونتائجه أن يكون مصاناً من الافتراء والكذب،وأن يُحمى من السارقين ولابسي ثوبي زور،وأن تكون الدّولة المسلمة مُكرمةً للمبدعين لأنها تحفظ حقوقهم وتعرفهم،مقصيةً لآخذي ِنِتاج العقل البشريّ بثمن بخس دراهم معدودة،ولعلّ العالم الافتراضي الحديث عبر مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة المعلوماتيّة غدا في مثل هذا المجال سلاحاً ذو حدّين في الاستحقاق وتضييعه على حدّ سواء إلا من رحم ربي،لكنّ الحقّ الذي عليه الدّين بأنّ حقوقاً معنويّة للناس لا تضيع ولو جهلها آخرون أو جهلوها هم،ويستحقّ من اشتكى أو تظلّم من اعتداء بهذا الخصوص أن يُسمع له،ويستحقّ من مارَسَ سرقةً في هذا المجال أن يعزّر وبعوِّضَ المتضرّر،ويستحقّ من استفاد مالياً أو معنويّاً من نشر مادّة علميّة محفوظة لصاحبها دون إذنه أن يوصف بالمعتدي وتلحقه تبِعةُ اعتدائه،والله تعالى الحافظ لما وهب قال (أن يأتيكم التّابوت فيه سكينةٌ من ربّكم وبقيّة مما ترك آل موسى وآل هارون) وفي التفسير ما يقود لما نفهمه،وحين يكون العاطي هو الله فمن أُعْطِيَ منه شيئاً فهو له بالإضافة تكريماً وربنا يقول (صُحفِ إيراهيمَ وموسى)،فاستحقاق الإضافة أقلّ درجات الحقّ في الملكيّة الفكريّة،ومن استحقّ ملكاً من هذا النّوع فليحمد الله تعالى وليكن ممّن ينشرُ العلمَ بنيّة حسنة .. والله أعلم

المسألة الخامسة والعشرون 1434/9/25هـ

أُمّي وأَبي

(الحقّ) للوالدين عظيم،والحقوق لهم مستفيضة الذّكر بالغة التذكير،والحقّ سبحانة وتعالى قرن حقّهما بعظيم حقّه في العبادة جلّ شأنه في مواضع من كتابه البشير النّذير (واعبدوا اللهَ ولا تشركوا بهِ شيئاً وبالوالدين إحساناً) ودقيقُ الحقّ هنا أن جعل الله الإحسان لهما حقّاً رغم أنّه قال في موضع آخر (ما على المُحسنين من سبيلٍ) ليفهمَ الولدُ بأن مطلبَ الحقّ ليسَ فطرةً مستقيمة نشأ عليها كلّ مولود لمن وُلِدَ له،ولا عاطفة تُجبِرُ النفوس السوية على تبعيّة للآباء والأمّهات،بل التّوجيه في هذا الحقّ البيّن منصبٌّ على (الإحسان)،وهو بحقًّ الدرجة الأولى في مراتب الاعتقاد،والدرجة العالية في توصيف العمل،المُكافئِ بالحفظ (إنّه من يتّقِ ويصبر فإنّ الله لا يُضيعُ أجرَ المحسنين) وكذلك البرّ باثنين من ألطَف من خلق ربّي لا يُؤدَّى من غيرِ تقوى وصبر ليكون إحساناً،وحسب امرئ من هذا الحقّ حكمةٌ في القرآن (هل جزاءُ الإحسانِ إلا الإحسانُ) وهما في أضعفِ الحالات مُحسِنان ولو نسينا،وغير مكافأَيْن ولو عيِبنا،ثم الحقّ الذي لهما على من وَلَدا نافذٌ بأصل الاعتبار في كلّ ابن وابنة لاخصوص،وزائدٌ في نفاذ اللزوم بالتربية التي جعلها ربهما سبباً للرحمة (وقُلْ ربّ ارحمهما كما ربّياني صغيراً) وفي كلّ المخاليق التي خلق الله رأفة من فرعٍ بأصل،ورحمة من أساسٍ بجزءٍ منه ليعتبرَ الإنسان بما يصنع مع من اختاره الله علّةً لوجوده،والحقّ الذي لأب وأمّ بذلا ورعيا وسعيا ورحما تُقرّه كل الشعوب وكافّة الملل والنّحَل،وعادَ إليه الكافرون عندما فسدت بيئتهم الاجتماعية وعلموا أنّ قطْع ما أمرَ الله به أن يُوصلَ هو الكارثة،فهاهم ينظّمون ويوعّون ويتناصحون ويدرّبون،أمّا المسلمون فمن لم يتّعط بشرْط قبول عمله ورضا الله عنه إذْ لا يكون بغير القيام بحقِّ طلبَه هو سبحانه للوالدين إحساناً دون بلوغ أداء،فحقٌّ لهما إن ضاعَ فلا ريبَ بأنّ الهالك لما سوى ذلك أضيع،وقد عرَف النّاظرون في أحوال النّاس ارتباط كلّ صفة محمودة يطلبها الدّين ووجودها من عدمه في أيّ فردٍ بحاله مع والديه ..

و(المستحقُّ) عبادةُ الله أولاً من غير شرك،فتلك مادّة العمل في مستحقّ للوالدين،والبصير يشاهد قلّة برّ لأب أو أمّ عند كافرٍ أو مشركٍ أو صاحب بدعةٍ مضلّة بيّنة،ثم المستحقّ لهما خفض الجناح ذُلاً في رحمة،وبسْطُ الوجه ابتساماً في أُنس،وتوقير ذاتٍ في هيبة كبير،ومصاحبة دائمة في معروف،والوالدان يستحقّان امتثالَ أمرٍ على العموم والكليّة من غير معصية،فلا عذر في مستحقّهما هذا إلا من لبيبٍ يتقنُ مهارة إسعاد والديه وعدم مباشرتهما بما أمرَا به فلم يُفعَل أو نهيا عنه وفُعِل في خصوصية الولد لا فيما يخصّهما،ومستحقّ ما يعنيها فوريّ الوجوب والوفاء دون مماطلة ولا تسويف،فهما على الولد أولى من كلّ ذي صفة ولو كان ذرية أو زوجاً،يستحقّ الوالدان من أوقات بنيهم وبناتهم وافرها وأحسنها وأمتعها وأجملها،ويستحقّان من جُهْد مَنْ ولدَا كلّه ولو نصَبَ أو تعب،ومن بدَهيّ الاستحقاق نفقة في كرامة وتفضيل،وبذل مال في عزّة وإكثار،وتقديمُ  حاجاتٍ هما بها مقتنعان،والأمّ في الاستخقاق أعظم،والأب في استحقاقه على بنيه وبناته صاحب مقال،والبرّ من المعضلات لمن أهمّه تكبيلاً،وهو من السّهل المعتاد الفائق اللذّة لمن ابتغى وجه الله تعالى في إرضاء والديه،والعجيب  في أمرهما امتدادُ الحقّ بعد موتهما باستخقاق صلة رحمهما وبرّ صديقهما ومداومة الدّعاء لهما،والجميل في أمرهما بلوغهما درجة الإيثار على النّفس لولديهما جِبلّة وطبْعاً فما أحسنَهما،وأسوءُ ما يستقرّ في النّفوس ضغينة نحوهما أو أحدهما لا تزول إلا بترويض النّفس على (أنّ الله يعلمُ ما لا تعلمون) ويستحق الوالدان القيام تعظيماً،وتقبيل اليد توقيراً،والمشي خلفهما تكريماً،أو بجانبهما إعانةًوأرجلُ كلّ واحدٍ منهما لولَدِه وبنته رفعةٌ في الدنيا وشكران سعيٍ في الآخرة .. وويلٌ ثمّ ويلٌ وألف ويلٍ لمن أودع والديه أو أحدهما دار العجزة والمسنّين .. إنّ هذا لهو البلاء المبين .. والله أعلم

المسألة السادسة والعشرون 1434/9/26هـ

الجنسيّة

(الحقّ) أنّ الانتماء للأماكن والبُقع في الكون من تدبير الله تعالى الذي قال (واسْعوا في مَناكبها) وقال (ألمْ تكن أرض الله واسعةً فتُهاجروا فيها) وقال (فسيروا في الأرض) وهو الذي نسب البلاد للعباد بالإضافة والملكية وقال (وأخرجوكم من دياركم) وقال (فتلك ديارهم) وقال (خَرجُوا من ديارِهم) وقال (وأورثَكم أرضهم وديارهم) وكثيرٌ مما يدلّ على معنى عظيم هو التبعيّة للمكان ابتداءً أو ارتحالاً،فالنّبي صلى الله عليه وسلّم موطنه مكّة،ومهجره المدينة،ولا مشاحّة في أنّ لكلّ منهما في تبعيّته حقّ،فالحقّ انتماءُ البشر لمكانٍ قطنوه وعرفوه وأفادوا منه وأفادوا فيه وسكنوه،وكلّ العارفين بعلم الاجتماع ودورة الممالك والدّول عبر التاريخ لا يثمارون في أنّ من عاشر القوم أربعين يوماً صار منهم ولو بالمعنى،ومن أوتيَ جواراً في قوم فهم أولياؤه،وهو لهم مولى،ومن ارتحل وقطن ورُضيَ به وخُبِرَ وعُرفَ فالمسلمون بعضهم أولياء بعض،لذلك فالحقّ بعد أن نظّم العالم نفسه بترتيبات إداريّة جعلت الانتماء (جنسيّة) أداءُ ذلك الأمر لمن هي حقّ له دون منْحٍ ولا منّ،فهو الحقّ الذي بدونه يكون النّاس طبقاتٍ بفعل الإنسان لا بتقدير الله تعالى وتوجيهه،فالجنسيّة رغم سوء اسمها الذي يصنّف النّاس بناءً على الجِنس حقٌّ لمن سكن ولزِم،وفي حالِ الدّول التي سبقتنا للحضارة في القرن الأخير ما يدعو للاستغراب أنّهم في هذا الحقّ جادّون ومُحقّون،والمسلمون في هذا الحقّ مماطلون وأصحاب هوى وتمييز،وحين قال النبي صلى الله عليه وسلّم عن المسلمين بأنهم (يسعى بذمّتهم أدناهم) وجبَ على الذّوق الرفيع والفهم العميق أن يعي بأن امتداد الحقّ لمن كانت لها زوجٌ في بلد،أو من كان له زوجة في مكان،أو الذي ولَدَ سواءٌ من الرّجال والنّساء،بأنّ هذا خالصُ الحقّ له في التبعيّة لمن هو منه،وإلا فستضيع اعتبارات القرابة من الدّرجة الأولى التي اعتنى بها الدّين وجعلها أوثق الصّلات،وكذلك فمن وُلِدَ في بلد أومكان فقد استقرّ حقه فيه بسبب الولاة ولو لم يقطن،فالنّاس منذ نشأة الدّنيا ينتسبون لمكان ولادتهم،فكيف لو وُلدَ ونشأ فالحقّ له أعظم،ومن مميزات الشريعة الإسلاميّة إحاطتها بكلّ زمانٍ ومكان تنظيماً وقيادة ليستمرّ الأمر بالسّعي في الأرض حتى يوم الدّين بطائرة وبغيرها،فحينَ صارَ العالمُ رقعة واحدة بسبب سرعة التنقلات،فلا يمنع الحقَّ ازدواج جنسيّة ولو كثرت،فالإنسان في كلّ مكان يسكنه له حقّ،والإنسان لا يتعدّد،لكن الحقّ يتعدّد بتعدّد المفهوم،وهذا المعنى بين المسلمين ودولهم هو المقصود وهو الحقّ الذي سيأثم من ينكره أو يهضمه ..

و(المستحقّ) أن تكون الجنسيّة تابعيّة،وليس ثمّ نقصٌ ولا استنقاص من أن يتبع فرد قومه ولا أسرته الكبيرة المتمثّلة في دولته بالمفهوم الحالي،وحينَ يكون الأمر كذلك قيستحقّ التابع ما للمتبوع من مميزات وإمكانيات يعطيها اللًبث،إذ ما تبِع إلا لذاك،ويستحقّ النّاس أن يكونوا في مجال التجنّس كما يقال ويعلن على قدر متساوٍ من الحقوق،عارفين بالمقصد الشرعي من ذلك،والغاية المنطقيّة المفهومة منه،فلا تخوين لمسلم وهو مسلم ما لم يظهر الضد،ولا غضاضة على من ترك وطناً واختار غيره،ولا مسبّة على من ارتحل وقطن في البعد أو القرب،فتلك حرية كفلها الله للناس أمراً وطلباً،ويستحقّ موضوع الجنسيّة هذا أن يكون في النّفس من أصل الدّين الرابط بين مسلم وأخيه،لا أن يكون في النّفس نزعةً عصبيّة تنحو منحى الجاهليّة،وأعظم الاستحقاق أن يراجع المسلمون في دولهم قوانين وضعوها لموضوع التجنّس،ويعلموا أنهم بها تاخروا كثيراً عن الرّكب،ومنعوا ما سمح به الله،وأخلّوا بحقّ من حقوق النّاس،ويستحقّ الإنسان أن يكون على بيّنة بأنّ الفرْزَ والتّقسيم والتّضييق في هذا الأمر مثيرٌ للحنق والحقد ممّن غلب على ظنّهم استحقاقهم لجنسيّةٍ في بلد،ليكبر في صدورهم نكران الجميل،ومن يخشى مشاركة آخرين في رزقه وما يهبه الله للنّاس فهو الذي يبخل بما ليس له،وهو من الذين يحسدون النّاس على ما آتاهم الله من فضله .. والله أعلم

المسألة السابعة والعشرون 1434/9/27هـ

الإضْراب

(الحقّ) أنّ ربّي خلق النّفس كريمة الخَلْق محترمةَ التّقدير في مجاليها الجسدي والمعنوي،ومن يسيءُ لهذا المبدأ داخلاً لتلك الإساءة من بوّابة الحقّ المزوّر فهو ممّن يقلّب الأمور ليقضيَ حاجةً في نفسه،ولكنّ الله قاضٍ بما أوجبَه وألزمَ به عباده،والإنسان المسلم بين عَقْدين متينين،الأوّل: مع ربّه وهو قد شهدَ على نفسه بأنّ الله هو مولاه وهو المعبود بحقّ في كلّ أمرٍ ونهي بسنّة الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم،والثاني: مع بني جنسه عقداً عامّاً انْ يوفيهم من الحقوق ما هي لهم سواءٌ كانت تلك الحقوق مبدأً اخلاقيّاً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو تكون من الحقوق الطارئة نتيجة ما يتعامل النّاس فيه مع بعضهم البعض من بيع وشراء ونكاح وعملٍ وأُجرة وبيعة حاكمٍ وشهادة ونحو ذلك،فالحقّ بعد هذا البيان انّ كلّ فعلٍ ناقَضَ عقداً موثوقاً مبرماً فهو ليس من الدّين في شيء،وهو داخلٌ في مخالفة أمر الله تعالى حين قال (إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأماناتِ إليها) وقال (وأفوا بالعهدِ إنّ العهد كان مسئولاً) وقال (ولا تقتلوا أنفسَكم إنّ الله كان بكم رحيماً) وقال (ولا تُلقوا بأيديكم إلا التّهلكة) وجمٌّ وافرٌ من توجيهٍ لا يخفى على ذي قلبٍ ألقى السّمع وهو شهيد،فالمصطلحُ الحادث المسمّى (الإضراب) عن العمل مثلاً أو عن الطّعام حيناً من باب الاحتجاج على أمرٍ لحمْلِ من تُوجّه إليه هذه الرّسالة لأمر معيّن ليس من أخلاقيّات مسلمٍ ولا من أمر دينه،فتركُ العمْل لما هو منصبّ على احتجاجٍ على ذات العمل قاعدته (العقد شريعةُ المتعاقدين) ومن نكثَ فإنما ينكثُ على نفسه،وحين تنتهي مدّة العقد فالمتعاقدَيْن بالخيار،أمّا قبلها فالفقه هو الحكَمُ في الأمر،وأمّا ترك العمل والإضراب عنه لدواعي سياسيّة مختلطة التأطير والتّحرير فإنها الفوضى والفتنة التي حذّر منها البشير النذير صلى الله عليه وسلم،ولا يسع المسلم تعطيل مصالح المسلمين بحجّة مظنونة,غيرُها أرجح منها،وفي الإضراب عن الطّعام ما فيه ممّا لا ينكرهُ مسلمٌ من الإثم الذي يقتل النّفس المحفوظة بأمر الله تعالى ولا يملك الإنسان من نفسه إلا ما ملّكه الله تعالى به بالواجب والمحرّم،وفي الصّوم منجاة من الذّنب،والحقّ أزكى عند الله من ابتداع أعمالٍ ليست حقّاً وإن بدَتْ للغافلين كذلك رغم إتاحة العلم والتذكير به ..

و(المستحقّ) مخالفةُ المشاع والمذاع بين النّاس وفي العالم والأمم المتّحدة من أنّه لا يحقّ لأحد إجبار نفس على أكل أو شربٍ أو تداوي،فوالله الذي لا إله غيره لنفس الإنسان عند الله عزيزة وكريمة رغماً عنه،ومن يفعل في نفسه هذا في أمّة مسلمة وجبَ على وليّ الأمر وعظه والمحاولة معه والتضييق عليه ومن ثمّ وجبَ عليه إجباره وإكراهه على ما هو الخير وإن أبى،فدينُ الله أولى بالاتّباع من هوى نفس تقتل نفسها أو تضرّ بها،ويستحقّ أولئك الذين يضربون عن العمل معاملتهم وفق أحكام الشرع في الفقهيّات في كلّ ما يخصّ المعاملات من عقوبات،وتُحَلّ كل تلك المشكلات بما ينصّ عليه النّظام والقانون المرتكز والمستمدّ من الشريعة الإسلاميّة،والاستحقاق في أن يعي النّاس أهميّة الوفاء بالعقود العامّة والخاصّة والإحساس الجدّي بدور كلّ إنسان في المجتمع المسلم مع إخوانه مطلبٌ وحاجة،بحيث يعلم بأنّه لا يعيش وحده وليس له الحقّ فيما يضرّ المجتمع وإن كان تصرّفاً في نفسه،وقد سمح الإسلام بطرقٍ ووسائل أخرى يحتجّ بها شخصٌ على ما يظنّه حقّاً له غير تلك الطريقتين الخارجتين عن القصد الشرعي العام،ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلّم أسوة حسنة حين أمرَ أصحابه بالوفاء بالعهد والعقد الذي أبرمه في صلح الحديبية مع المشركين رغم ما فيه من أمورٍ هي للمسلمين شاقّه وهي للمشركين أحسن،حتى انتهى الأجل ونصر الله رسوله صلى الله عليه وسلّم وجنده والمسلمين،وما هو أقلّ من هذه المحنة وهذا الابتلاء أولى بلزومِ حدّه،وعلينا أن نعلم أننا لن نكون في أمانٍ مع أنفسنا ملامةً أو ازدراءً حين نُؤْتى ما نريد باستجداءٍ نقتلُ فيه أنفسنا أو ننكثٌ فيه عهودنا .. والله أعلم

المسألة الثامنة والعشرون 1434/9/28هـ

اللّقيط

(الحقّ) بأنّ النّاس ربّما دعتْهم النّزعة الشيطانيّة والهوى لمخالفة أمر الله تعالى حينَ يقتلون أبناءهم خشية إملاق،أو يتركونهم للطريق هرباً من إعالةٍ ونحو ذلك،والنّاس كذلك منهم من يهربُ من فضيحةٍ في الدّنيا من أثر زنى ويرمي بمولودٍ له من ذلك في مكانٍ ويغيبُ عنه،وحينَ يوجدُ طفلٌ بهذا الوصف سواءٌ من سببٍ ذكرته أو أسبابٍ أخرى لم أذكرها وقد تطرأ،فهو (اللّقيط) في الاسم العام،والحقّ أنّ هذا الإنسان لهُ حقّ في الحياة والحرّية وحفظ الدّم والعرض،وهو مالكٌ لما وُجِدَ معه من مالٍ أو ما يُمتلكَ عادةً وعرفاً،وله الحقّ في النّفقة من بيت مال المسلمين وهي الدّولة في العصر الحالي،والغالب في الرأي الراجح أنّ التقاطه واجبٌ على من وجده ابتداءً،وعليه ما على الدولة من الحقوق تجاهه،إلا أن يعجز فلا يسقطُ حقّه إلا بأن يجد من يتولّى أمره ويرضى،أو يسلّمه لمؤسّسات الدولة المعنيّة بهذا الأمر،والحقّ وجوب الإشهاد على التقاطه منعاً للمشكلات في قادم الأيّام،ومن الحقّ أن يكون هذا اللّقيط محفوظاً من تنازع أهل النّفوس الضّعيفة الذين يرغبون في استغلال مثل هذه الظّروف،وكذلك الحقّ في انتسابه لمن ادّعاه بعدَ التحرّي والإمكانيّة ولو امرأة،ولا يرثُ اللقيطَ المجهولَ النّسب أحدٌ إلا إن كبُر ووُلِدَ له من زواجٍ شرعي،ففروعه حينئذ له وارثون إذْ لا أصول له معلومة،ولا حقّ لأحد في استعباده قطعاً،ولا ولائه على الأرجح من أقوال الفقهاء خاصّة في هذا الزّمن،وفي حقّ اللقيط أمرٌ بالغ التّحقيق أن يكون المسلم على علمٍ بأنّ ليس كلّ لقيطٍ هو نتيجة زنى،وإن كان في علم الله كذلك فالحقّ الثابت له حرمة توصيفه هكذا من عموم النّاس على الإطلاق لأنّ ذلك إيذاء،ومن المعلوم بالدّين من الضّرورة عدم جواز إيذاء المسلم،وكونه طفلاً لا يعي ولا يفهم لا يُسقطَ هذا الحال حقّه في حماية كفلها له الدّين،وحقّه في الدّين أن يكون مسلماً بالأصل إن وجد في ديار المسلمين،وإن طلبَ أو ادّعى نسبه كافرٌ كان التحرّي أولى ومع الإمكان ينسبُ إليه بعد حكم حاكم،ولا يجوز في الإسلام التبنّي بنسبِ لقيطٍ لمن ربّاه مهما كانت الدّواعي،ومن طلبَ رعاية لقيطٍ او مجهول النّسب وجب الحرص على التحرّي عن دينه وأمانته فذلك له حقّ،والأطفال التّائهون والمفقودون الذين ضلّوا أهليهم ليسو لقطاء البتّة،وإن كان لهم من الحقوق مثل ما لهؤلاء،والحقّ في هذه الحالة بذل الجهد واستفراغ الوسع في البحث لهم عن اهلهم ولا ييأس المسئول ولا يقنط ..

و(المستحقّ) بذْلُ الجهد من مؤسسات الدولة وأجهزتها التي تعنى بديانة النّاس وأخلاقيّاتهم ليكون المجتمع على يقين بأنّ التخلّي عن الأولاد تحت أي سبب جُرْمٌ عظيم وإثم أكبر من السبب ولو كانَ خطيئةً،وليعلم الآمرون بالمعروف والنّاهون عن المنكر أنّ هذه من مسئوليّاتهم التوعويّة والتربويّة قبل ان تكون من مسئوليّاتهم الضبطيّة أو الجنائيّة،ثمّ المستحقّ الواجب أداؤه من الدّولة أولاً هو كفاية النّاس ومتابعة المعوزين والفقراء لأنّ من دواعي ترك الأطفال للالتقاط هو الرّزوح تحت نيّر المسكنة وعدم الحيلة،ثمّ على الدّولة رعاية الشّباب وتسهيل أمور زواجهم وترجمة هذا الأمر لواقعٍ بيّن يراه النّاس ويلمسونه،كما أنّ حراسة أخلاق الشّباب والكبار والصّغار هي من الجهاد والقيام على الثّغور،ومن المستحقّ وجود الحصفاء والحكماء وذوو الحذق في التربية والعلاج وحلّ المشكلات ليكونوا هم المسئولون عن تدارس حالات اللّقطاء وشئونهم وشئون من ينتسبون إليه إن وجد،في كتمِ أسرارٍ وحفظ أعراض،ويستحقّ اللقطاء ما يستحقّه كافّة المسلمين في ديارهم،فهم من المجتمع جزء لم يقدموا على جُرم ولا تتبعهم جريرة من فرّط فيهم،ولا تزر وازرة وزرى أخرى،وهم في الزواج أكفاء إن أحسنوا واتّقوا وأصلحوا لمن أراد أن يتقرّب لله بحسن العمل واتّقاه وسلمَ له تصرّفه من لذع الانتقاد العُرفي،واستحقاق اللقيط للتعليم والتربية الحسنة كبيرة على من ربّاه والتقطه،وحين يفرّط فلا عذر وهو الذي وقعت عليه أمانته،والدّولة في هذا تجاه كلّ واحدٍ منهم كما المُلتقَط،لا يعفيها من المسئوليّة مراكز أو دورٌ شاع في النّاس بؤسها وفسادها وسوء أدائها للخدمة،واللّقيط بعد بلوغه الحلم يملكُ بإرادته ويقول ويفتي إن استحقّ،بل ويعمل ويرأس ويُدير إن تأهّل،بل ويسوس ويقود ويغلِبُ إن سلكَ طريق ما يأمل،ونفسيّة اللقيط بعد علمه الواجب أن يُخبَرَ به إن وعى عن كونه لقيطاً مستحقّة للنظر والعناية والتّكييف،فلا حنقَ منه غالباً إلا بسبب منّا وبسلوكٍ من أعمالنا وأفعالنا .. والله أعلم

المسألة التاسعة والعشرون 1434/9/29هـ

المُستهلِك

(الحقّ) أنّ ضروريّات انتفاع الخلق من بعضهم البعض جعلَت تنظيم أمر البيع والشراء من أولويّات الدّين الحنيف،وحيثُ لا ينفكّ فردٌ عن شراءٍ من غيره في كلّ ما يلزمه في هذه الحياة وبذلِ ماله قيمةً لهذا الأمر سواءٌ كان أمراُ محسوساً منقولاً أو ثابتاً أو خدمة يطلبها ويعطي مقابلها ونحو ذلك فهو (المسْتهلِك) لهذه المعروضات والمستهدف من العرض والدّعاية والإعلان،والحقّ له كبيرٌ،ووالحقّ على التّجار عظيم،وجُماع هذا الحقّ الذي يفي بكلّ أطرافه انّ الإسلام حرّم (الغش) وهو ذو تدخذلات في كلّ ما ينويه تاجرٌ وصاحب سلعة أو وليّ خدمة،وعلى ذلك فللمستهلك الحقّ في المعلومات الصّحيحة من غير طلب،وله الحقّ في تبيين العيب ولو لم يره،وله الحقّ في الخيار الشرعي المبيّن في كتب الفقه،وله الحقّ أن لا يتلقّوه البائعون في حال جهله وعدم معرفته بالسّوق،وله الحقّ في الضّمان حين يلزم،وله الحقّ في أن تكون السلعة بقيمتها التي هي عليه من غير فُحْشِ حين يسعّرها الحاكم،وله الحقّ في الزائد عن الثّمن وقت اكتشاف الغبن،وله الحقّ أن يرى ويسمع ويلمس ويفتّش من غير إضرار،وله الحقّ في التّجربة إن شرطها البائع وألزم نفسه بها،وعقود الخدمات جميعاً وخاصّة في مجالي الاتصالات والتأمين الذي أفتى بجوازه المفتين هي من الحقّ للمستهلك بمكان أن يفي بها باذلوها،والحقّ للمستهلك في مقاضاة من أضرّ به مكفول وثابت،والحقّ الذي عليه الأمّة أن لا ضرر ولا ضرار،وأنّ على الدولة المسلمة التدخّل بما يبيحه لها الشّرع والقيام على شئون النّاس بما يضبط الأمر ويخففّ على المسلمين ويقيهم شرّ وطأة الغاشّين والمروّجين للكذب والمغالين في الأسعار دون رادع ولا ذمّة،وحقّ للمستهلك المسلم احترامٌ دينه وعاداته وتقاليده وعرفه المسموح في الشرع من قبل التّجار وما يعرضون ويبيعون ويروّجون في بضائعم وتصرّفاتهم ..

و(المستحقّ) صِدْقُ نيّة وتعامل يجعل الاستهلاك من الأمور الهيّنة الليّنة التي تطمئنّ لها النّفس،وبذل وسع من القائمين على الأسواق لتكون خيارات الاستهلاك تفي بحاجات كافّة شرائح المجتمع،ومراقبة الأماكن التي يكثر فيها الغُبن والنّجش والربا والظّلم مثل أسواق السيّارات في بلادنا ومراكز الخضروات ومجمّعات الأسواق الاستهلاكيّة للمواد الغذائيّة،والمستحقّ للمستهلك فيما يُباع من الأغذية عظيم إن ارتبط بصحّته واحتماليّة الإضرار ببدنه،والمستحقّ الثابت في الشرع والعرف والقانون فيما يباع ويشترى من الأدويّة لا يسلم من ظائلة مسئوليّته إلا من اتّقى ونصح وخاف من قتل النّفس المحرّمة ولو بعد حين،والمستحقّ أن لا يكون استهداف النّاس بدعاية غير مراقبة من أهل العلم والثقافة والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر هو الحال كما نحن عليه،فيا لخَسارة مجتمع يكون العوام فيهم هم المتحكّمون فيما يباع ويشترى من غير فقه ولا دين ولا كتابٍ منير،وتستحقّ أوقاتٌ مثل عيد الفطر وعيد الأضحى مزيد متابعة ومراقبة فيما يخصّ زكاة النأس وأضحياتهم،فهي إمّا واجبة أو مؤكّدة السنّية ولا تتمّ إلا ببسط السّلطان لعدْله فيما بينهم،وما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب،والإعانة على السنّة من واجباتٍ ألصقها الله بالحاكم،وتستحقّ جمعيّات حماية المستهلك أن لا تكون بالصّورة الشكلية التي هي عليها،بل تكون ذات طابع فيه العلم والتدقيق العالي والرّاقي،وفيها من السّلطة والإجبار والتنفيذ الممنوح من وليّ الأمر،وإلا فسد النّاس واشتروا بثمن بخسٍ جهدَ الجادّين،وباعوا بأضعافٍ مضاعفةٍ بضاعة مزجاة .. والله أعلم ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اللهمّ إن كان هذا آخر يومٍ في رمضان فاختم لي وللمسلمين فيه الشّهر بعفو منك ومغفرة وصلاح أمر وفلاح توفيق،وثبّتنا على ما أكرمتنا به من حلاوةٍ في عبادتك ورجائك وقراءة كتابك والوقوف بين يديك،نسترحمك ونستلطفك فارحمنا يارحيم والطف بنا يا لطيف،وسامحنا يا ربّنا في خطأ وقع وذنب علمتَه ونسيناه،وصلّ وسلّم وبارك على الحبيب المصطفى المختار كما صلّيت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حمبدٌ مجيد ..

Advertisements

2 تعليقان

  1. Posted by ام ريم on 12/07/2013 at 8:29 م

    جزاك الله خبير اخي الغالي وقدوتنا ….سلمت يداك

    رد

  2. Posted by أحمد عثمان on 02/08/2013 at 8:33 م

    بوركت و وفقت و سددت فى الطرح .. بارك الله في جهدك و جعل فيك منافع للمسلمين و فتح عليك فتوح العارفين به و زادك بسطة في العلم و فتح لك واسع أبواب فضله و رحمته و كرمه و رضوانه .. اثابك الله الحسنى على ما افدتنا به و ارتقت به افكارنا من خلال هذه السلسلة المباركة و الله نسأل أن يوفقنا جميعا لما يحب و يرضى من القول و الفعل

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: