ولكنّهم لا يُحبّون المتطوّعين

imagesكلّ العالم المتحضّر اليوم يعتني بمجال التطوّع لتنمية الأجواء الاجتماعية والاقتصادية في شعوبه بشتى مجالات العمل دون مقابل مادّي بمحض إرادة المتطوذعين،ووجد في ذلك كثيرٌ من النّاس مضماراً خصباً لحرّية بحثوا عنها في حكوماتهم فلمّا يجدوها،واستعاضوا عن ذلك بهامش كبير من الحرّية المنضبطة بثّتها دولٌ رأت في مواطنيها خيراً فاستحثّت منهم بذله فنجحت ونجحوا ..

وفلسفة العمل على خدمة المجتمع والناس بالباعث النّفسي الفردي والمشاركة الجماعيّة قائمةٌ على أنّ (النّاس للنّاس)،ومثل هذا الأمر في الغالب لا يتطلّب إذناً من أحد ولا استئذاناً ببيروقراطيّة عالمنا العربي،لكنّ التطوّر المعلوماتي والفتوحات التكنولوجيّة وتغيّر العالم واحتدام متطلّبات العصر حفّزت العالم على أن ينظّم التطوّع في دروسٍ ومهارات وعملٍ مؤّسسي رغم كثرة ترتيباته ومراحل تطبيقاته إلا أنه في الشعوب التي تحبّ الجديد وتسعى للمعرفة أضحى فيهم ثقافة وفنّاً وهدفاً لا يغفله أحد ..

وعلى الصّعيد المحلّي لمستُ خلال مسيرة عملي ومعرفتي البسيطة المتواضعة أن (الخوف) هو المسيطر على مناخ التطوّع من الجهات الثلاث (الرسمية،والفاعلة،والمستفيدة) ومع ذلك الخوف لباسٌ فضفاضٌ من الشكّ والريبة في باذل الأمر من تلقاء نفسه والمتطوّع للخدمة التي يحسنها أو يسعى لتطبيق ما تعلّمه حديثاً،مع أنّ حقبةً من الزّمن مضت والتطوّع بالمال يغري النّظيف والفاسد والغنيّ والفقير ..

ظننتُ بأنّ ما يمارسه كثيرٌ من القائمين والقائمات على مؤسسات خدميّة حكوميّة خاصّ بنا محلياً،حيثُ مرّت عليّ الكثير من الحالات التي ذهبت متحمّسة لبعض الأجهزة الرسميّة بغية التطوّع الفعلي للمشاركة في تعليم أو رعاية أطفال أو العناية بذوي الاحتياجات الخاصّة،أو الرعاية الصحيّة الأوليّة،بل وحتى في النّظافة والصّيانة،وخرجت تلك النّفوس الراغبة حائرةً من قومٍ لا يحبّون المتطوّعين ..

حتى ذهبتُ إلى جنيف قبل عام ونصف في طلب من المؤسسة الثقافية الإسلامية التابعة لرابطة العالم الإسلامي،ووجدتُ فيها عجباً استبعدته في دولة متطوّرة مثل سويسرا،لكنّ العجب مقتصرٌ على ما بداخل سور تلك المؤسسة فقط،حيثُ يعود بك الحال وأنت فيها إلى عالمنا العربي الذي يضع عراقيل الدنيا كلّها أمام كلّ متطوّع،فقلتُ لنفسي مساكينٌ نحن نحملُ أثقالنا معنا في كلّ بقعة نستوطنها ..

بالفعل يندهش كلّ مدير أو رئيسٌ أو مسئولة في مقرّ حكوميّ من شاب أو شابّة أو متقاعد من عمله الحكوميّ وهو يطلبُ أن يشاركهم مهاراتٍ يحسنها دون مقابل مادّي بل لمجرّد شعوره بالمسئولية الاجتماعية والمجتمعيّة وإحساسه بواجبه الدّيني والوطني،ثم يصل ذلك الاندهاش للتخوين والغمز واللّمز بأن لا يصدّق ذلك الجالس على كرسيّه الدّوار بأنّ هذه هي الحقيقة،زاعماً بأنّ وراء الأكمةِ ما وراءها وهو في غنى عن تورّط في مسئوليّة لا يريد تحمّلها،فتنكسر مجاديف الطموحين،وتنخسف أرضٌ بالمحاولين ..

حتى عندما يعرضُ طبيبٌ خدماته،أو مستشار قانونيّ ما يمتهنه،أو مربّية فاضلة علمها،أو شابٌ مشرف على التخرّج مقترحاته ووقته،وغيرهم أنفسهم على جهاتٍ هي بحاجة لأمثالهم لا يسمعون سوى جملة (ليس لدينا توجيهات بقبول المتطوّعين)،وحتى لو ذهب هؤلاء أو أحدهم للجهة المسئولة عن الحراك الاجتماعي طالباً الإذن بتكوين لجنة أو مقرّ مجاني لتقديم خدماته فسينفذ وقود حماسه وهو يراجع ويتابع وينتظر ويستجدي ويتوسّط ويوسّط ولا يصل إلى نتيجة في الغالب ..

إذا قال أحدهم أنا مستعدّ للعمل معكم في وقت فراغي دون مقابل،قال له أحدهم تصرف على الحكومة!وحين يقول طبيبٌ بأنه مستعدّ للكشف المجاني على عجزة في دار مسنّين أو طلاب في مدرسة قيل له اكتب طلب وسننظر في الأمر،لتموت العجوز ويتخرّج الطفل وهم ينظرون في الأمر ..

أعرف أختاً فاضلة تحمل شهادة الماجستير في تخصّص يغتني بالمعوّقين طلبت مني الموافقة على تطوّعها في مركز كنت أشرف عليه،فوافقتُ في تهوّر إداريّ مخالف لأعراف المؤسسة التي أعمل فيها،إيماناً مني بأنها فرصة لا تعوّض أن تستفيد مجموعة العمل مما لدى هذه الأخت،اضطّررتُ حينها لأن أخفي عن الموظفات ومسئولة المركز حقيقة تطوّعها موهماً أنها موظّفة كالمعتاد حتى لا تجلدها سياط العيون المرتابة وآذان النفوس المشككة،لكنّ محاولتي تلك فشلت بامتياز،وخرجت تلك الأخت محبطة التفكير مفككة الطموح من جراء مجتمع لا يؤمن بأنّ التطوّع واقعٌ موجود وليس مثاليّة برجوازيّة نظريّة ..

أحدهم برّر تلك التصرّفات التي يتملّص بها المسئولون تجاه من يرغب في التطوّع بخوفهم على كراسيهم ومناصبهم،وبخوف العاملين على أن يكتشف المستفيد جديداً لا يُحسنه من يقوم بالعمل ولا يريد أن يقدّمه أصلاً،لأن المتطوّع سيبذل كلّ ما لديه بدافع من داخل نفسه لا يريد جزاءً ولا شكوراً،على نقيض موظّف يتقاضى أجراً وفي الغالب هو في عمله مقتصد أو ظالم لنفسه وغيره ..

سوّقتُ لنفسي في صحفٍ محلّية شتّى أن أكتب في إصداراتهم دون مقابل بشكل دوري يوميّ أو أسبوعي أو شهريّ وتنازلتُ حتى للسنوي،ولكنّي كنتُ كالباحث عن العنقاء أو الغول،بل وكنتُ كمن يتكلّم مع أصم أو يشير إلى أعمى،لم يردّ عليّ أحد في إحدى عشرة مؤسسة صحفية،إلا واحدة تعطّفت برسالة إلكترونيّة ما زلتُ أحتفظ بها منذ ثلاث سنوات بأنّهم سينظرون في الأمر،والحمد لله أن ضعف نظري وأنا في الانتظار وهم لا ينظرون ولا هم يحزنون ..

فكّرتُ يوماً بالذهاب لبعض السّجون عارضاً عليهم دراسات حالات اجتماعية لسجناء متأكد أنا بأنهم بحاجة فقط لمن يستمع لهم ويصلح حالهم أو بعض حالهم،وفكّرت يوماً أن أكوّن لجنة من صغار أهل الحيّ تعنى بمراقبة ومتابعة النّظافة وتتعاون مع الجهات الحكوميّة في ذلك،وفكّرتُ يوماً أن أسافر لقرى قريبة أعرض على بعض ساكنيها تعليم الأمّي وتصحيح قراءة القرآن،وفكّرت يوماً أن أزور محافظاً أو أمير منطقة لأطلعه على بعض من معاناة مواطنين ومواطنات في أحياء أو شوارع معيّنة،لكنّني حينَ أستعرضُ حالات كثيرة عاصرتُها ورأيتها أعود لنفسي وأوقظها من وهم أن يفهمني من أنا ذاهبٌ إليه ..

فبدل أن تسعى وتستقطب كلّ المؤسسات الحكومية الخدمية المتطوّعين والمتطوّعات واضعة لهم برنامجاً خاصاً وتعاملاً مميزاً يرقى للمحافظة على حماسهم،يشكو الكثير من اضطرارهم للسفر خارج البلاد للبحث عن بيئة صالحة لما يرغبون فيه،فيفقد الوطن أعظم مكتسباته ..

لذلك لا عجب أن نرى التطوع انحرف نجو بهرجة إعلاميّة ومنّ وأذى حذّر منه الشرع،وصار مجال التطوّع عبارة عن ذراع إعلاميّ يساعد ذاك أو هذا على هدف فاسد وبئيس،وتربّى جيل بأن التطوع فسحة ونزهة ووقت يُقضى لأغراض خارجة عمّا هو عليه في الأصل،ومن يراقب يرى غثاً وسميناً من المؤسسات التي تحمل شعار التطوّع مستقلّة عن هموم النّاس واحتياجاتهم بعيدة كلّ البعد عن الاجهزة الحكوميّة التي تقدّم الخدمة الأساسيّة،ليصعب على مثلي فهم (كوكتيل) تطوّع في مركز واحد ليس له رسالة ولا هدف محدّد ..

رغم كلّ هذا مقتنعٌ أنا تماماً بأنّ حالاً اجتماعياً وأخلاقياً لن يكون في مأمن من تصدّعات الزمن والفتن إلا إن دخلت فلسفة التطوذع في قناعة المسئولين وثقافة الممسكين بزمام الأمور،وأقسم بالله العظيم بأنّ من شبابنا وشابّاتنا من يحمل مهارات ودرايات وقدرات تبني مستقبلاً وترفع من قدر شعبٍ،بل وهم في طموحهم وحماسهم ورغبتهم قادرون على تغيير ثقافةٍ تزداد يوماً بعد يوم ليقول كلّ فرد (نفسي نفسي) ..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: