سلسلة (اعتذراتٌ ومُراجعاتٌ) رمضان 1435هـ

سلسلة

لقد أعانني الله تعالى في شهر رمضان للعام 1432هـ لاستكمال (29) حلقة من سلسلة بعنوان (في الفقهِ شَواردُ ونَادِرات) ووفّقني في شهر رمضان للعام 1433هـ لتسطير (30) حلقة من سلسلة بعنوان (فِتَنٌ ومُنْجِيات) وسدّدني في شهر رمضان للعام 1434هـ لكتابة (29) حلقة من سلسلة بعنوان (حقوقٌ ومستحقّات) وما ذلك إلا بنعمة ربًّ كريم متفضّل حنّان منّان،فقد دعتني منحة ربي أن أواصل اللقاء معكم للعام الرابع مستغلاً نفحات ربًّ كريم في شهر رمضان العظيم لهذا العام 1435هـ،الذي أسأل الله أن يبلّغني وإياكم إيّاه أن أشرع في سلسلة

جديدة بعنوان (اعتذاراتٌ ومُراجَعات) أحاول فيها أن أقدّم في كلّ يومٍ من أيامه عند الساعة3،30 صباحاً على صفحتي في الفيس بوك وفي مدونتي سطوراً معدودة في (مراجعة أو اعتذار) أبيّن في كل حلقة موضوعاً معيّناً ذا مادّة شرعية أو ثقافية أو علمية حياتيّة كان لي معها في موقف سابق نظرٌ أو كان لغيري معها رأي ثم آلت الأمور لغير ما كانت عليه في اتّضاح حق أو ظهور غالب ظنّ في أجدى،ولعلّ في ذلك ما يفيد بأن يكون مما يدور في خلدي كمسلم يدور في خلد مسلمين آخرين هم مثلي أو أنا مثلهم فنفهم لنستقيم،معتمداً في ذلك على قليلٍ من علمٍ أكسبنيه ربي وبعضِ تعليمٍ أنا سائر فيه باحثاً عن ضالّة المؤمن حتى اللحظة،وسأبيّن في تمهيدٍ ليلة رمضان ما قصدته من العنوان ومنحى الاعتذار ومسلك المراجعة،سائلاً ربي أن يعينَ،ومبتهلاً لهُ أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه،وأن يقينا وإياكم الشر،مع شديد سعادتي لمتابعتكم وقراءتكم ونقدكم ومشاركتكم ..

تمهيد

يسكنُ كثيراً من الناس بعضُ شك في أنّ الممسكين بالعلوم الشرعية لا يتغيرون وربما لا يغيّرون،وذلك لأنهم في تعاطيهم مع مشكلات العصر منجذبون لظواهر نصوص وإرث فتوى هم عليه مقتصرون،لكن الحقّ بأن المنصف الذي يفتش بعين اليقين والحياد يجد أمثلة كثيرة لعلماء ربانيّين ودعاة مخلصين ومجتهدين أصحاب ورع ونقد قالوا في زمنٍ قولاً في نازلة ثم عادوا وقالوا غير قولهم وربما جنحوا ليوافقوا رأي من خالفهم،وليس ذلك لقصور في علم ولا لضعف في فهم،بل لمسببات عصر وظهور وضاءة بيان لم تكن في السابق ماثلة للامتثال،ومن هذا المنطلق العدْلي الحنيفيّ المسلم ستكون هذه الحلقات المتواضعة لبيان بعض مما قال فيه مجتمع الثقافة الدينية والشرعية أمراً ثم بعد ذلك بان بأن غير هذا القول أولى بالإقرار،وسيلحق ذلك أن أورد مفاهيم وقناعات لشخصي المسكين كانت لي في زمن مضى ملتزَمَ نهْجٍ تبعاً أو استباطاً أو استدلالاً ثم وقد مضى بيَ العمُر حيث أراد ربي ومرّت عليّ من محاكّ التجارب ما شاءه الله وجدتُ بأنني كنتُ مخطئ الاعتقاد وقاصر الاحتواء لمجمل التصوّر،فها أنا أعتذر عنه خاصة لما ارتبط بتصرّف تجاه مسلمين،وربما يأتي زمان يعود فيه ما أُحيدَ عنه ويروج فيه ما كسد بعد رواج،وتلك سنة كونية في دائرة الحياةالدنيا،نسأل الله أن يرينا الحق حقّاً ويرزقنا اتباعه ..

المسألة الأولى (لا تضربوهم) 1/9/1435هـ

راجعتُ نفسي ـ وغيري كثير ـ فوجدتُ بأنّ من أشدّ الأمور وقعاً في النّفس ممارستك سلطة بعقاب بدني تكون أنت فيها المشرّع والمحقق والقاضي والمنفذ لما تصوّرتَه علاجاً ناجعاً في حقّ من ملكتَ أمرَهُ فاستشرَتْ نفسُكَ لإيذاء بدنِه،وما في شرعِ ربي من نصّ لضرْبِ صغارٍ غير (واضربوهم عليها لعشر) إن صلُح بيقين الاحتجاج لتكونَ الصلاة وهي عماد الدّين محطّ هذا الإجراء حصراً وتحديداً حيث فصّل النص ارتباطه بها وقال (عليها) دون غيرها ولم يكن يحقّ لكائن من كان أن يشرّع لنا في الدين أو التربية بين المسلمين جواز ضرب أو عقاب بدني لأبناء وبنات صُلب ولا لطلاب وطالبات دونما التفات لحصريّة نص هي المعتمد بعيداً عن ممارسةٍ ولو من صفْوة لا تُلزمنا اتباعاً أوتقليداً في مجالٍ كالتربية والتعليم والتأديب،ورغم أنني كنتُ من الذين أغواهم شيطانُ التغييب فركبتُ ظهر القناعة بأن الضرب من لوازم التعليم ورعاية الأبناء في زمنٍ مضى بسبب أنني ممّن أُعمِلتْ فيهم العصا واليد والتلطيش وأنّ طلبي للعلم لا يخلو من وهْمٍ عشتُ فيه أن القولَ ما قالت (حذامِ) .. إلا أنني ومنذ سنوات تقرّح قلبي ندماً ـ ولات ساعة مندمِ ـ على ذلك الجهل وتلك القناعات الخارجة عن أبسط حقوق الإنسان التي كفلها الشرع الحكيم قبل كلّ حق ..

 

 

فاليوم أقول ومعي الكثير:لا تُعطي الأبوة ولا الأمومة ولا الأستاذية ولا حتى تعليم القرآن الحقّ للقائم بذلك أن يعتدي على جسد طفل ولا مراهق ولا شبه شاب من الجنسين مهما كانت الدواعي والأسباب إلا في نطاق ما وضّحه الشارع الحكيم في صلاة هي ركن الدين الأشم وجعل الضرب عليها بإحقاق لُطْف الدين وتلطّف المعاملة الذي أوصى به رسول هذه الأمة صلى الله عليه وسلم أمته،وهو المؤدب الأكبر وما ضرب شيئاً بيده إلا أن يجاهد في سبيل الله،فالنشىء الذي تربى على مثل تلك الإعتداءات الصارخة ـ ولو زعم كثيرون صلاحهم عملاً  فإن فساد النفسيات وعوالق معوقات التناغم مع الآخرين ظاهرةٌ بادية في فعالهم وتصوّراتهم،ولعلي أقول بأنّ ضربَ الصغار والمراهقين والمراهقات اليوم من إثم الأعمال ومسبّة الظُّلَم،أعتذر أنا بكل ما أملك من صدق الاتجاه وحقيقة الاقتناع من كل طالبٍ آذيتُه يومَ كنتُ ذا جهلٍ في تربية وتعليم ظننت تلك الممارسات برهان تأديب وما هي من بعض الخير بقريب،وأعتذر من ابن لي مددتُ يدي نحوه في خطأ تقدير ووسوسة قَوَامة،فأستغفر الله تعالى وأتوب إليه ..

المسألة الثانية (مقامُه صلّى الله عليه وسلّم) 2/9/1435هـ

راجَعْتُ نفسي وما تلقّيتُ من بعض علمٍ وتاريخ تلقيني لكثيرٍ من الأصول والفروع فيما يخصّ عمدة الدّين بعد توحيد الله وهو صميمُ الاعتقاد في النبيّ الخاتَم الرسول الأمين نبيّنا وحبيبُنا محمد صلى الله عليه وسلّم،فوجدتُ كثيراً من إرْثِ ثقافة وتَدارسٍ يعتصر في جوف تفكيري ما بينَ ظاهرٍ بحْتٍ واستهداف تيقّن دونما اطمئنان استدلال،فقد اكتفى من علّمنا ودرّسنا وأرسخ فينا ثوابت النظرة لهذا الشأن بأن شهادة أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأنه لا ينطق عن الهوى وأنّه الأمين على وحي ربّه وأنّ حبه واجبٌ ومن محبّة الله تعالى وأنّه ميتٌ كما نحن ميّتون وأن الوصول لله تعالى وجنّته باتّباع هديه وغير ذلك من مفاهيم عظيمة القدر لكنها على ذات النّمط الظاهريّ هو الأهم والمهم بل وهو العمدة في النّجاة بل وأكثر من ذلك أنّ تكلّف غير هذا الخطّ فيه من الزيغ والضلال ما ليس بدينٍ ولا تديّن،حتى أضحى الكلام أو الغوص في توقيره صلى الله عليه وسلّم واحترامه ومقامه العظيم بميزةٍ ليست لبقية البشر من مستحيلات التوفيق بين اتجاهات ما درسناه وما راجعتُ نفسي فيه بناءً على عالمٍ منفتح العلوم والتصوّرات في عصرنا الحاضر،وليس مسار كلامي هذا بأنّ القوم استغفلونا أو ظلموا في تزوير علومنا،بل المشهد بأنّ صاحبَ التوجّه في فكرٍ معيّن قادنا بهذه الطريقة لهاوية نسيان أمر الله تعالى (وتعزّروهُ وتوقّروه) أو الاعتياد على العاديّ من الواجبات حتى أصبح فينا من يكرّرُ كلمةً قرأها في كتب الأولين معبّراً عنه صلى الله عليه وسلّم بقوله (صاحب هذا القبر) وما أُتيحَ لنا ونحنُ في زمنِ التلقّي ونهْلِ العلوم أن نستحضرَ مقامه الكريم في كلّ عملٍ ما أخذناه إلا منه صلى الله عليه وسلّم لتحسُنَ نيّاتنا وأعمالنا وقلوبنا،ولعلّ استدلالي بقوله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) على ما ارتكبناهُ من انقلابنا على أعقابنا حين ماتَ صلى الله عليه وسلّم في مجال مقامِه العظيم ذو بالٍ لدى من يتفكّر في آيات الذّكر الحكيم ..

واليومَ أقول: بأنّ قوله تعالى (حسبُنا الله سيؤتيَنا الله من فضلَه ورسولُه) وقوله تعالى (وما كان الله ليعذّبهم وأنتَ فيهم) وقوله تعالى (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) وقولُه (يا أيها الذين آمنوا لا تقدّموا بينَ يدي الله ورسولِه) وقوله تعالى (لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) وقوله (فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينَهم) وقوله (فسيرى اللهُ عملَكم ورسوله) وغيرها من آيات الذكر الحكيم التي تذهبُ بقلب المؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلّم حيثُ رضيَ ربّه له واختارَ له بعيداً عن اختياراتنا الدنيويّة التي تنجذب شططاً شمالاً ويميناً فالله أعلم حيثُ يجعل رسالتَه،وحيثُ يعلمُ الباحث الشرعي بأنْ لا نسْخَ لأيِ القرآن بعد اكتمال الدّين وانتقاله صلى الله عليه وسلّم للرفيق الأعلى فإنّ بقاء النصّ أولى من الافتئات على الله تعالى وتوجيه كلامه حيث نرغب بداعي سدّ ذريعةٍ أو حفاظٍ على دينٍ من جهالة غلوٍّ مزعوم،و(بقاءُ ما كانَ

 على مكان) قاعدة شرعيّة منسحبة على المفاهيم كما هي في الحكم بين النّاس وأخذ حقوقهم،وإنّ حبّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم في قلب المؤمن اليوم ليس كحبّه في قلبه قبل دقائق معدودة ليكونَ مؤمناً حقاً بأنّ هذا النبي صلى الله عليه وسلّم بابٌ لله تعالى هو جعلَه باباً وهداية طريق،وإلا لم يكن لتدارس القرآن وما جاء فيه من وصفه صلى الله عليه وسلّم وقوله عليه الصلاة والسلام (لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين) وما ذهاب صحابيّ رضي الله عنه وعودتُه ليخبرَ بأنّه صلى الله عليه وسلّم الآن أحبّ إليه حتى من نفسه إلا من دواعي القول بأنّ الاعتقاد في النبيّ صلى الله عليه وسلّم منذ أسلمَ صحابتُه ومنذ وقرَ في قلوبنا الإسلام إلا منتقّل بين مراتب الحبّ والإيمان والتوقير حتى تخرجَ روح المؤمن لبارئها،بكلّ القلب المحترق بالذنوب أعتذر لمقام النبيّ الأفخم الأعظم صلى الله عليه وسلّم أن كنتُ يوماً فرِحاً بثبات فكرٍ فيه أنّني يكفينيشهادة أن محمّداً رسول الله صلى الله وأنّ صلاتي عليه تصله فاتّكلَتُ،والعقلاء الحصفاء يفهمون مقصدي .. والله أعلم

المسألة الثالثة (ثلاثٌ وسبعون فرْقة) 3/9/1435هـ

راجعْتُ نفسي في حديثٍ عُلّمناه صحيحاً على شرط مسلم بأنّ أمة الإسلام تفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النّار إلا واحدة،وتلمّستُ طريقاً كنّا جازمينَ بأنّه المُنْجي ونحنُ نُقْصي كلّ أحدٍ ليس في عمله ولا توجّهاته ولا كلامه ما يتوافقُ مع مُعطياتِ ما حُفّظناه وأُودِعَ فينا بأنّ ما عدا ما سُلِكَ بنا في شتّى فروع هذا الدّين هو من الفرق الصائرة إلى النّار كفراً،قلتُ لنفسي في إجمال نصّ الحديث رحمةٌ من ربّ العالمين ورحمةٌ من قائله صلى الله عليه وسلم وهو الرّحيم بأمّته حينَ لم يجعل تفسير قوله متوافقاً مع هوى من يشاء عبر عصور الفقه والفكر الإسلامي،وقلتُ لنفسي ما بالُ القوم أقحمونا في حصارِ فهْمٍ أنّ تلك الفرق التي زعموها سابقةً للهلاك هي شاملة لكل التصانيف من فرقٍ ذات مذهبٍ فقهي وأخرى في العقائد وأخرى في السلوك وأخيراً في السياسات والفكر والثقافات،وحينَ لزِمِتْ المراجعة سألتُ نفسي كيفَ يكونُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم صاحبَ جوامع الكلم ومنطق الوحي وإعجاز البيان يقولُ من القول ـ وحاشاه ـ ما يجعل القوم يفترقون إقصاءً قبل أن يفترقوا تحقيقاً لصدق ما يقول ويُخبرَ به،ولزِمْتُ الحزنَ على أنني في زمنٍ مضى كنتُ من أشدّ المتشدّقينَ ضراوةً على مجرّد ذكر اسم فرقةٍ من الفرق التي اجتهدَ من علّمنا ليزرعَ في نفوسنا كرهاً وحنقاً عليها لدعاوى وحكايات من التاريخ قابلة للتصديق والتكذيب ومحتملة التحريف والتزييف،وفوق ذلك كلّه اجتهدْتُ في اختيار ميزانِ العدل حينَ عرفتُ بأنّ الله تعالى خالق أنفسنا وعقولنا،وحتى لا أقول مثل قول الكفار والمشركين (لو شاءَ الله ما أشركنا ولا آباؤنا) فأقع في فخّ من قد يخالفني القول فيناصبني العداء وضعتُ سوْطَ الجادّة على ظهرِ حديثي لأسوسَهُ نحو الحقّ قدْرَ استطاعتي،والواقعُ الذي كنتُ فيه أنّ سطحيّات أوائل تعليمي رغم خصوصيّة المرحلة السّنّية حينها خلطَت الحابل بالنّابل وجعلَت في فهومنا الغضّة مسار من سمّوهم المعتزلة والأشاعرة والجهميّة في مصافّ اعتبارنا ووجهة عواطفنا نحو الظاهريّة وابن حزمٍ والزّيديّة،ولم نعرف المناص من ذات الشعور نحوَ فقهيّات الليث والأوزاعيّ والبُستي وابن المبارك مع خلائطٍ في الشاذليّة والقادريّة وغيرها وسوابقِ مشاحنات مع الخوارج والمُرجئة،ليستمرّ هذا الأمر ونحنُ نُحذّرُ من الاشتراكيّة والشعوبيّة والقوميّة والرأسماليّة حتى نتَجَ عن ذلك من مواليد التصانيفِ سلفيّة وجهاديّة وقُطبيّة وجاميّة وجماعة للتبليغ وأخرى للتكفير والهجرة ثمّ استنسخَ النّاس ليبراليّة وعلمانيّة حتى تكنّسوا في شكليّات وسطيّة واعتدالٍ وجديدِ تصوّرات ما سلمَ منها أحدٌ،وحتى يكونَ الأمر للوضوح أقرب فلستُ بقادرٍ على عَزْلِ التفكير في فرقةٍ دونَ أخرى بزعْمِ اختلاف الوجهة والنّشاط والميدان والعلوم،فالحياة واحدةٌ والسيّر نحوَ ربّ العالمين واحدٌ وإن تعدّدتْ الحوامل والبواعث والوسائل،فمَنْ هو الذي يستطيعُ أن ينتشلنا من ماضٍ كفّرنا فيه ـ ونحنُ صغارٌ رغم بلوغٍ ـ كلّ أحدٍ بفهمنا أننا وحدنا الفرقة النّاجية ولم نُعَرَّف حينها من نحنُ؟ ..

 

 

فاليوم أقول: بأنّ قوله تعالى (إنّا نحنُ نزّلنا الذّكر وإنا له لَحَافظون) مناطُ أصل الإيمان بأنّ صدق قوله تعالى (قلْ جاء الحقّ وزهق الباطل إنّ الباطل كانَ زهوقاً) ظاهرةٌ لمن خرَجَ من سِجْنِ الوصاية على تصوّراته،وبأنّ قوله تعالى (واللهُ يعصِمُكَ من النّاس) مناط الحقّ في وعد الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلّم في أيّ مناخٍ أو منزلةٍ جعله فيها عقلُ بشر،وبأنّ قوله تعالى (ليس كمثله شيءٌ وهو السّميع البصير) آية محكمةٌ كافية وافية شافية (بكافها) المقترنة مع (المِثْل) ليكون ربّ العزة والجلال عنْ إحاطة عقل من خلَق غنيّاً حليماً،وما كفّر الله تعالى في كتابه على قولٍ إلا الذين قالوا فيه تعالى ما يفيدُ إشراكَ غيره معه أصلاً أو فرعاً أو وصولاً كالذين قالوا عنه إنه المسيح ابن مريم أو أنه ابنه أو أنّ الله ثالث ثلاثة أو الذين اتخذوا من دونه قرباناً آلهةً أو الذين نفوا وجوده وقالوا لقومهم لا نعلم لكم آلهة غيرنا أو أنّ أحداً منهم هو ربّهم الأعلى أو الذين أبوا واستنكفوا عن الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلّم بمخالفة ما أمرهم الله به،وكَوْنُ الحديث صرّح بالنّار لفرقٍ غير فرقةٍ واحدة ليس بداعٍ للتكفير ففي الحديث أقوامٌ قال عنهم صلى الله عليه وسلّم بأنهم في النّار وما هم بكفّار،ثمّ إنّ من نظَر لصفات الله تعالى وأسمائه وتصوّرها بما دعاه إليه اجتهاده المبني على فلسفة فهمه للنصوص وإن لم توافق ما دعانا إليه اجتهادنا المبني على فلسفة مغايرة لفهمنا للنصوص ليس مربطَ فرس تكفير ولا إخراجٍ من ملّة لا نملكها وهي من أعمال وأفعال ربّ العالمين دون غيرِه،وعندما قال تعالى عن الذين لم يحكموا بما أنزل الله (فأولئكَ هم الكافرون) فإنّ المؤمن المسالم المحبّ لدين الله يعلم بأنّ مفهوم العربيّة فيه وصفُ الكافرين بأنهم لا يحكمون بما أنزل الله ولو حكموا به دون إيمان بالشهادتين لم يكونوا مسلمين في بدهيّات من يقرأ شريعة ربّ النّاس،فكيفَ يستساغُ تكفيرُ من شذّ عن حكمٍ اجتهاديّ في فروع،وفي الحديث محلّ الموضوع وردَ النصّ بقوله صلى الله عليه وسلّم (ما أنا عليه وأصحابي) وليتَ كانَ في ذلك الزمن من بدائع التكنولوجيا ما يُطلعنا على الصورة والحال لنفصِلَ جازمين،ولكنّ الذي يطمئنّ له قلبُ المؤمن ما ثبتَ بأنه صلى الله عليه وسلّم من قضاءِ ربّه (حريصٌ عليكم) وما الحريصُ بدالٍّ لنا على إغاظة قلوب قومٍ مسلمين ـ وحاشاه ـ والنّاس عبر التاريخ مختلفون في توصيف الحال ولذلك خلقهم ربّهم،وهنا أنا أعتذر بصفتي الشخصيّة لكلّ من أسأتُ تقييمي لما أبداهُ بهوالك تصوّراتي في سابقِ نظَري،ومع كلّ ذلك لستُ بقائلٍ اتفاقي معه ولا مع ما يقول في جملته أو بعضِ تفاصيله،لكنّ ديننا الحنيف القويم السويّ الذي ارتضاه لنا إلهنا يدعونا لأنْ نقول في الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمّداً رسول الله قولاً ليّناً لعلّنا وإياهم نتذكّر أو نخشى .. والله أعلم

 

المسألة الرابعة (المنطِق) 4/9/1435هـ

راجعْتُ نفسي في نَظْمٍ حفظتُ شيئاً منه صغيراً جاءَ فيه (فالنّوويُّ وابنُ الصّلاحِ حَرَّما،وقالَ قومٌ ينبغي أنْ يُعْلَما،والقولَةُ المشهورةُ الصّحيحهْ،جوازُهُ لكامِلِ القريحهْ،مُمَارسُ السُّنةِ والكتابِ،ليهتدي بهِ إلى الصّوابِ) ومع الاستثناء الوارد في هذا النّظم الشهير إلا أنّ القومَ لم يعلّمونا ما تصحُّ به افتراضيّات حساب الخطأ والصواب بميزان المنطق والعلوم العقليّة الإدراكيّة،وانطلقوا بنا نحو الرّكضِ خلف نصوص السابقين سامعين مطيعين ولو لم نفهم أو نستوعب،جاعلين كلّ الذي سبق من الذين سبقوا سابقاً لعواطفنا بالتصديق قبل انتشاره في مصافي عقولنا،حتى إنني سمعتُ من كثيرٍ ومن غفير جمْعٍ تلقيتُ منهم تعليماً وثنيتُ عندهم ركبةَ الرغبة في المزيد بأنّ في قراءة المنطق من الإثم ما الله به عليم،ومرّ عليّ زمانٌ أمقتُ كلّ من يبدأ كلامه بالمقدّمة الكبرى والصّغرى ويستخرج النتائج،وأقول في نفسي على استحياءِ مقامٍ وعُمْر ما بالُ المسلم ينكصُ عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم وأقوال الصحابة والتابعين إلى قول فلاسفةٍ مكروا بعقول الناس فاستخفّوها بما يشابه السّحر،وحلفتُ مراتٍ ومرّات بأنّ كلّ منطقٍ وفلسفة هي للعقيدة مخالفة وللتشريع مناكِفة،والغريبُ بأنّ في أصول الفقه التي تخصصتُ فيها أثناء دراستي الجامعيّة من المنطق ما الله به عليم،لكنّ أغلب من كنّا عنده رُهَناءُ تعليم كان يضعنا في أجواءِ الاضطرار للردّ على المخالفين لا في مناخ العلم البحت ذي الفائدة الإنسانية للمسلم الحريص على إحقاق الحقّ بكلمات ربّه،ومضت السنون وأنا سجينُ فكرةٍ واحدة أنّ أيّ علمٍ فيه إمعانٌ للفكر والتفكير والتأصيل المنطقي للمدرَكات والمحسوسات والعقليات إنما هو الخطَر بعينه على المسلم والمسلمين،وجعلتُ من النظّم السابق الذكر نبراساً لي أنّني ولو جنحتُ لمعرفةِ المنطق فإنني كمن يتعلّم لغة قومٍ ليأمن مكرَهُم،وسامحَ الله ذاك الزّمان الذي افتضحَ أمامي وأمام الكثيرين حين انبرى أهل العلم الشرعي لكلّ شاردة وواردة من البرمجة العصبية والذهنية والإداركية وهندسة الذّات وأسقطوا كلّ علومٍ تشابه المنطق والفلسفة على نصوص الشرع دونما أن ينهرَهم أحدٌ كما زُجِرْتُ وعُمّيَتْ عليَّ الأنباء والقواعد حينَها،أنا لا أدري كيف استطاع إنسانٌ مهما بلغ من العلم أن يحرّم علماً من بابِ قطع الطريق على ضلالٍ مزعومٍ محتمل،وكيف استطاع جيلٌ بأكمله أن يحصرنا في مَصدّات علومٍ هي من ذاك المعين آخذةٌ خُفيةً أو علَناً،بل إنّ فِطَرَ بعضِهم تأثّرت سماعاً وترويجاً حتى ماتتْ وهي توصي بأنْ لا يدخل الذريّة مدارس نظاميّة لأسباب منها هذا المنطق،ونحن في هذا العصر يستفزّ بعضنا بعضاً بقوله له (يا أخي خَلّي عندَك منطق) ..

 

 

 

 

فاليوم أقول: بأنّ القرآن الكريم وما فيه من القصص والعبر وحوارات المؤمنين مع الكافرين وحَكايا مناورات الضالّين مع الأنبياء والرسل عليهم السلام لا تخلو من منطقٍ بدَهي التصوّر لمن كانَ له قلبٌ أو ألقى السّمع وهو شهيد،بل إنّ الأجدى بالمسلم منذ استقامة عقله وفكره لتلقّي العلوم أن يكون أساس تعليمه ذات المنطق الذي لا تحيد عنه أية فكرة نأمل زرعها في نفوس الأجيال،وحيثُ الله تعالى هو الحقُّ المبين وكلامه هو الحقّ المبين ورسوله صلى الله عليه وسلّم على الحقّ المبين فلا غرابة أن يجمع إمامٌ في تصنيفه ما يثبتُ نظريّة عدم تعارض العقل والنّقل،ولكن بعد فترة من الزّمن لم تكتسِ بها صبغة أوائل التعليم في ثقافة التدارس الشرعي سابقاً،لذلك عرفتُ بأنّ الإشكال في إعادة ترتيب أولويات التعليم لا في إثبات حقّ وباطل،وحين خَضَعتْ في زمنٍ مضى نمطيّةُ تدرّجِ المتعلّمين لمزاج الفكر العام والتوجّه الثقافي المعتمد انكفأ الامتعاض من التناقض في داخل النفوس وأضحى عصيّاً على الإفصاح،لذلك أنا أعتذر لعقلي ولفكري ولساحة بقايا ذاكرة تعلُّمي من أنّني يوماً ظلمتُ نفسي ظلماً كثيراً حين منعتُها من خوض غمار التجربة في إثبات المعقول بالمعقول،وتصحيح العقلي بالعقلي،وإمرار النظريّات على موادّ فحْص الفلسفة الإدراكيّة ليبقى ما ينفع الناس في الأرض ويذهب الخبَثُ وترتاح شوارد الشيطنة،فعشتُ تناقضاً لم ينقذني منه غير رحمة ربي،وسواءٌ قَدِمَتْ الفلسفة وعلم المنطق من يونايين أو إغريقيين أو شرق أو غربٍ فالحكمة لا تصتبغ باللون ولا الجنسية ولا المكان إلا ما يعلَقُ من مظاهر تعاطي يستطيع من يزاول تأطير المنطق أن يعيدها للمادّة الخام الأصليّة التي يستفيد منها كلّ إنسان والمسلمُ أولى بها،ولنا في إثبات وجود الله تعالى على الملحدين واللادينيين خير شاهد ودليل،ولذلك أيضاً أيقنتُ بكمال إيمانٍ بأنّ ربي حكيمٌ عليمٌ منزّهٌ أن يجعل في عقلِ من خلقَه آلةَ كُفرِ به ومعصيةٍ غيرَ نفسٍ أمّارة بالسّوء ليس لها فيما نتحدّث عنه من أمور العقل حظٌ ولا نصيب .. والله أعلم

المسألة الخامسة (التصوير) 5/9/1435هـ

راجعت نفسي في التصوير أصلاً ومقصداً لا مضموناً ومادّة إخراج،فوجدتنا عشنا ردحاً من الزمن على تحريم التصوير في الجملة والأغلب الأعم،لأننا ونحن صغار أو عوام لم يكن يُعتنى بتفصيل الأمر لنا على خلاف بين العلماء كما اطّلعنا عليه حين وصلنا لمرحلة استوجبت إرواء بعض الظمأ في تساؤلات الحيارى،وكثيرٌ منا لا يُحصي من عايشهم من أجلاء وموقّرين كانوا عن التصوير محتجبين،ودوماً عنه وعن الاشتغال به ناهين،بل وكانوا يُعظِمون الأمر في نفوسنا بأنه من عظائم الذنوب عملاً واقتناءً واطلاعاً،ولهم في ذلك مناص أدلّة واستدلال قادتهم إلى ذلك هم بها أعلم وأحكم وأدرى،والملاحظ عندي وعند غيري بأنّ الأمر حيال التصوير أخذ منحنى النزول شيئاً فشيئاً متدرّجاً بين الأحكام التكليفيّة الزاجرة من الأشد للأخف حتى وصل ليومنا هذا فلا يكاد يتحدّث فيه أحدٌ حلالاً ولا حراماً،ولستُ بمتّبع سياسة ولا قاعدة ما تعُمّ به البلوى حين أشرع في تفكيك هذا الشأن في رأسي وذاكرتي باستدعاء الماضي وطرح أولويات الحاضر على بساط البحث والمدارسة غير النّمطية،ونحن نعلم بأن الحرام والنّهي عن اقترافه تعبّدي المنشأ عرفنا الحكمة أم لم نعرفها،وليس الخلاف في ذلك إذا ثبتَ الحرام حقيقة وحصراً،لكنّ العلّة مع حكمها دوّارة وهو معها محيط،وحين أراجع كغيري أقوال بعض المتقدّمين في التصوير لا أجد ما أقوله لهم إلا حجّة كثيراً ما قرأناها في مصنّفاتهم وهي (أنّ الحكمَ على الشيء فرعٌ عن تصوّره) فهل تصوَّروه؟ وهنا لستُ أراجع مصبّ ما أفتوا به فيه زمانهم بقدر ما أُراجع نتاج ذلك بعد حقبة من الزمن أوصلتنا لهذا اليوم الذي أكتب فيه هذه المقالة،فكم من أمرٍ فقدنا راحة تصويره وضبطه لننقل للناس بعد سنوات حقيقة ما كان يجري فليس التأريخ بالتدوين أثبت من نسخ الواقع بصورة كما هو،وكم من حكمة تشريع غابَ بيانها حين مُنِع الناس من الصّورة والتصوير تحريماً ولمّا يُقنعهم طرح من درّسهم وعلّمهم،وقليلٌ هم من السابرون أغوار المقصد الشرعي الذين وضّحوا على عجالة أصل المسألة في تصوير بحتٍ كعملٍ إنساني اكتشفه عقل البشر بتسخير من رب العالمين،ونحا بعضُ المدافعين عن مقامات العلماء ـ وهو في ذلك يُعمِل حسن الظنّ تأدّباً ـ بالأمر منحى الورع عن الشبهات التي من وقع فيها وقع في الحرام،وفي اعتقادي بأنّه حتى هذا المنحى محلّ نظر،إذ تحقيق الشبهة يحتاج لتحديد وتوصيف وماهيّة كما هو الحال مع ذات الحرام المأمور باجتنابه،واللبسُ في هذا مادّة فقدِ الأحسن والأولى لولا العناد ..

 

 

 

واليوم أقول: بأنّ الأحاديث الصحيحة وفق ما يبديه علماء الحديث الأجلاء في موضوع التصوير كعملٍ إنسانيّ وكناتج احترافيّ لم تخرج عن أمرين اثنين (أحدهما مضاهاة خلق الله والثاني أنها وسيلة للشرك) وفوق ذلك كله تمسك الأولين بأن النهي عن التصوير ووعيد المصورين عام ولا افتئات ولا تقديم بين يدي الله ورسوله،وفي ذلك محكّ المشكلة ومكانُ البحث والتنقيب ليصلنا من الذين يحرصون على فكر إسلاميّ متجدّد تحديد الحرام والحلال في الأمر دونما تعرّض لمضمون ما يصوّر فلذلك أحكام بحسب حالها،وهنا يعتريني سؤالٌ هل كلامه صلى الله عليه وسلّم لعائشة رضي الله عنها عن الصّورة في النّمرقة بقوله (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم : أحيوا ما خلقتم،وإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صور) فمن هم أصحاب الصور؟ هل هم المصوَّرون أم المصوِّرون؟ وما هي حقيقة تلك الصورة التي من أجلها لا تدخل الملائكة بالضبط لنعرف ما نتقي به ربّنا؟ والحال في عصرنا الحاضر على ما هو عليه يجعل من إلحاح المقام لزومَ بحث وتفتيش وإعادة نظر ومراجعة مع الاستعانة بالله ليحق الله الحقّ بكلماته في تجرّد عن انتصار لأقوال متقدّم أو متأخر ما لم توافق أصل دليل وفهمٍ عربيّ أصيل لنص جاء بهذا اللسان،وليست ممارسة ولا عمل من الذين نحتفظ لهم بمكانة العلم دليل تحريم ولا تحليل بقدر ما هي إدخال لنا في حالة متناقضة أن يكون الأمر في ظاهر النصوص على هذا الوجه من الخطورة وفي الفتاوى المبيحة قلت أو كثرت بهذا الضعف في التخريج،أنا هنا أعتذر إن وقفتُ لا أعلم أين أتّجه في هذا المضمار رغم حرصي الشديد أن أفهم وأعلم،لكني في ذات الوقت أعتقد استبعاداً أن يكون ما نمارسه صباح مساء من (الميديا) الثابتة والمتحرّكة ولوازم التنظيم والحكومات والإدارة في العصر الحاضر داخلٌ في محرّمات الأمور،وإن انتصرتُ يوماً لطبيعة ثقافيّة سابقة لدى بعض من علّمنا وربّانا أنهم رفضوا حتى أن تكون لهم صورة شخصية بالأبيض والأسود في جواز سفر أو بطاقة هويّة .. والله أعلم

 

 

المسألة السادسة (من السرّة إلى الرّكبة) 6/9/1435هـ

راجعت نفسي في كلّ مراحل التلقّي والتعليم فوجدتُ جميع مراجع ما نهَلتُ منه حينها بلا استثناء جعلتني موقناً تماماً بأنّ ستْر العورة واجب ومن كشفه أثم،ثمّ أنّ العورة ذات تحديد دقيق لا نزاع فيها حينَ كنا لا نجرؤ على السؤال عن الدليل بل وفي مواقف لا نعرف علاقة دليل بما يستدل به،ونمت نفسي وهي جاعلة هذا الأمر من مسلّمات العلوم ومن المعلوم في دين الله بالضرورة،لتكون عورة الرجل من السرة إلى الركبة دونما دخولٍ في ما بعد (من) وما بعد (إلى) في كون ذات السرة والركبة من العورة أو لا،لكنّ بيت القصيد بأن عورةً عرفناها وجَبَ سترها وهكذا مضت المعرفة والدّربة،ولكنّ الأمر كان في زمن شديد السيطرة والمتابعة والإلزام بحيث لا نقاش من صبيّ بالغ ولا شاب ذي هوى في هذا الموضوع إلا مخالفة صريحة يستحق عليها لوماً أو عقوبة مجتمع،والحال في هذا الزمان اختلف وصمتت أفواه كثيرة عن ملابس لا تخفى على أحد ولا يسلم منها ذو دين ولا صاحب هيبة ومكانة،ولم نعد نسمع إلحاح انتقاد على لاعبي كرة قدم ولا غيرهم ممن ألزمتهم الرياضة كشف ركبهم وفي أحيانٍ ونوعياتٍ معينة ظهور السرة للعيان،ولمَا راجعتُ من مظانّ تصحيح الأحاديث والنصوص الواردة في هذا الشأن وسلَمتُ نفسي لكثير بحث وصبر على نقاش هنا وجدال هناك وخلاف بينهما،قلتُ لنفسي ما بال القوم جعلوا من أدبيات السلوك أحكام فقه في الحلال والحرام،ونقلوا صورة المسلم في صلاته لتكون لزاماً في حال ظهوره على بعض أناس،ولا دليل ذا قوة وصرامة تمكين يمكّنُهم من ذلك غير اجتهاد الله تعالى من يؤتيهم أجرهم عليه،واستغربت من وجود نصوص إن صحّت دلّت في بعض مواقفه صلى الله عليه وسلم بأنْ لا إثم في كشف ركبة وربما قليل من فخذ ومع ذلك مرّ الزمان بقسْر وجوب وتخويف من إثم،وكذلك استدعيت أولئك الذين تراهم في الحج يحرصون على تنبيه الرجال إن تدلّى إزار أحدهم عن سرّته بأنها عورة انكشفت فوجب سترها،ومصبّ كلامي هنا ليس على جماليات الاحتشام ولا كمال الأخلاق ولا لزوم العرف الطيّب السائد،بقدر ما هو عن الحرام الذي يتلبس المسلمَ خوفٌ منه وهو ليس بحرامٍ مُستقرّ الأركان والتأصيل،وكم من مسلم رُمِي بالفسق والمعصية إذْ لبسَ فوق ركبته أو أبانَ سرّته،ففي أي إطار توضع هذه الوصَمَات؟ .

واليوم أقول: لمَ لم تكن في تلك الفترة زمَنَ البيان والتعليم المصاحب للثقة في مصادر التعلّم شفافية طرح ووضوح بيان من باب الأدب والتأديب في هذه المسألة لا من باب الأحكام ولزومها في غير الصلاة،ومَنِ السبب في توهَان الإنسان النكلّف هذه الأيام حول حكمٍ تلقّاه سابقاً بالرضا والقبول دونما أدنى شكّ في لوزم فعل ووجوب امتثال،وحين نفكّك الأمر نجد جسد الإنسان في الأصل عارياً إلا ما ستره الإنسان من وازع دينيّ أو اجتماعي صِرف،ولمّا جاء الشرع متمَماً لمكارم الأخلاق برسول عظيم في الآداب والأخلاق كما هو عظيم بخلق هو القرآن جاءت الأحكام الفقهيّة لتلامس برقيّ مدادها كل صغير وكبير مفرّقة نوالها على الأحكام التكليفية الخمسة ويبقى ما بقي على الأصل باعتبار أنه الحلّ عند من يقول به،ومن ينظر لمسألة تحديد عورة الرجل واجبة السّتر في غير الصلاة يرى بما لا يدع مجالاً للشك بأنّ محذورات الكشف ومحظورات الإبانة لا تختلف في السوأة عند غالب من يطاله مفهوم الإنسان،لكنّ المعيار الاجتماعي تردّد بين اختلاف مجتمعات واختلاف أمكنة واختلاف وقت سواءً على مستوى خطّ الزمن أو على مستوى السنوات والقرون،وهذا يدعونا لأن نفهم فعلاً تلك النصوص ـ إن صحّت ـ التي تذكر عورةً من السرة للركبة بتحديد أنها عورة واجبة التغطية،أما ما صحّ من الأحاديث المشرّفة في أدب النبيّ صلى الله عليه وسلّم ونثره لهذا الأدب العظيم بين الناس الذين هم مادة تبليغ رسالته فهذا موضوع آخر اعتقد بأنّ على متناولي هذا الأمر تناوله من هذا الباب ليطمئنّ قلب المؤمن،وفي اعتقادي أيضاً بأن ليس في كشف الركبة ولا ما يحاذيها ولا السرة وما يحاذيها حين ملائمة اللباس للحال والمقام بأسُ لمن تأدّب بأدب الإسلام وتربّى على أنّ الحياء شعية من شعب الإيمان .. والله أعلم

 

المسألة السابعة (عَزِّروهم بالتي هي أحسن) 7/9/1435هـ

راجعتُ نفسي في مفهوم فضفاض لمن أراد وواسع لمن رغب هو مبدأ (التعزير) كعقوبة شرعيّة معتبرة مقرّة لا جدال في كونها من محاسن هذا الدّين ومبادئه العظيمة،وقلت لنفسي حين تلك المراجعة بأنّ من حكمة الشارع أنْ أولى الحاكم الشرعي مسئوليّة تقدير العقوبة على بعض الأفعال والجرائم،وتلك الحكمة لا تخفى على متفحّص لمقاصد الشريعة الإسلاميّة التي أراد الله لها أن تكون صالحة لكل زمان ومكان حتى يرث الله الأرض ومن عليها،ولكنّ الملاحظ لمن يراجع خلاف العلماء والباحثين قديماً وحديثاً حين تطبيق التعزير لا في مبدأ إقراره يجدُ من الأمور ما يدعوه مثلي لأن يأخذ بزمام تتبّع مراجعات المختصّين في هذا المجال،وعلى سبيل المثال حين جعل بعض الفقهاء التعزير غيرَ زائدٍ عن الحدّ في أيّ من التصرّفات ربما انتصر كثيرٌ لهذا القول لأنه بالناس أرحم وبتطبيق الاجتهاد أليق،ولكنّ من ينظر في نصوص تثبت اجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وهم الأدرى بمفهوم الدّين في العموم بخيريّة استحقوها لكونهم أوّل من آمن ونصر وسمع وامتثل يجدُ بأنّ فيهم من جعل التّعزير اجتهاداً قد يصل للقتل تعزيراً،ولكنّ المسلم يأمل بأن تكون عقوبات معينُها الدين والشريعة منضبطة التطبيق والحكم لا متأرجحة بين أقوال للعلماء يكون من جرائها قتلُ ونحوه أو جلد ظهر بعدد فاقَ أقصى عقوبة في القرآن العظيم وهي مائة جلدة،أفهموني قديماً إبّان الدراسة بأنّ الرأي الأظهر بناءً على ما ظهر لمن يدرّسنا ويعلّمنا وليس لي بالطّبع فلستُ أهلاً لذلك هو أنّ الجرائم التي لا نصّ في عقوباتها للقاضي أن يعزّر المذنب بما يراه رادعاً له أو لغيره ولو وصلَ ذلك للقتل،ولستُ بمنقلبٍ على هذا الرأي لكنني أحتاج لمزيد اطمئنان أنّه الأظهر كما قيل لي ولغيري،بحثتُ فوجدت بأنّ ممارسةَ ربما كانت هي قاصمة الظهر في انتقاد القاصي والدّاني لبعض الأحكام ..

 

 

واليوم أقول: من رحمة ربّي أن نجد من المسئولين عن تحقيق العلم الشرعي وبيانه للناس في مساق استدلالٍ ظاهر الإقناع أن يسلك مسلك حفظ الدين للنفس التي تعتبر في المحافظة عليها من الضروريات الخمس التي استقرّ عليها الميدان الشرعي قولاً وعملاً وتأصيلاً،ثم إنّ الأولى في اعتقادي طالما الأمر محلّ اجتهاد أن يُحمَل على الجانب الأصلي فيما ثبت من قواعد الشرع بأنّ الرّحمة مقدّمة،وليس ذلك بانتصار للجريمة ولا اعتراض على حكم الله ورسوله،فتحن والمسلمون جميعاً لا نملك أمام آية القصاص ولا الحرابة ولا عقوبة الزنا والسرقة إلا أن نحكّمَ شرع الله ولا نجد في صدورناً حرجاً من قضائه ونسلّم تسلمياً،لكننا والأمر متاحٌ لنا نجد في أنفسنا حرجاً من تطبيقات تعزير ربما يكون غيرها أجدى منها وأنفع،وحينَ يكون ذاك ويقع ما نأمله فمن الذي سيعتذر لكثير ممّن نالتهم عقوبة تعزير بعد اجتهاد ربما جانبع قليل من الصواب؟ لذلك أقول: عزّروهم بالتي هي أحسن قاصداً حُسْنَ الاختيار والنجاعة والتطبيق والتأصيل لا حُسنَ الهوى والنّفس .. والله أعلم

 

المسألة الثامنة (الشّورى) ١٤٣٥/٩/٨هـ

راجعتُ نفسي في المراد بقوله تعالى (وشاوِرْهم في الأمرِ) متسائلاً عن أمورٍ هي: معنى المشاورة بمقتضى الأمر شاوِر،وهل الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم بصفته حاكماً شرعياً أم بصفته نبيّاً يبلغ أمر الله للمسلمين فيقومون بما يقوم هو صلى الله عليه وسلم به عينياً كالصلاة وبقية الواجبات أو المندوبات،ثم هل الأمر يقتضي الوجوب بحيث لو أقدم على أمر دون مشورة كان إثماً وفساد رأي،وهل لذلك تعلّق بصحيح قرارات نسميها اليوم دستورية بحيث لو لم تكتمل مراحل القرار صحّ نقضه،ثم من هم الذين يدل عليهم ضمير الغائب الجمعي في (شاورهم) وهل هم عموم الحاضرين بحيث يصح إسقاط ذلك على ما نسميه اليوم الاستفتاء العام،أم هو قاصر على جماعة بعينها كما هو حاصل اليوم في مجالس أم برلمانات،أم القضية ذات معنى مغاير،ثم ما هو الأمر الذي فيه المشاورة،وهل يمكن أن نستصحب طبيعة البناء في اللسان العربي لنقول بأن الألف واللام تعني الاستغراق ليشمل المعنى ويعم،أم هو أمر يخص المعنى الحكومي والدولة كما هو اليوم،أم هو في الأمور التي لا نص فيها،أم هو في الاختيار بين متاحات في تقييد شرع حينها،وتساءلت كذلك أين موقع هذا الأمر الواضح من أحكام الفقه في عموم السياسة الشرعية إن كان تنظيماً لعمل الدولة المسلمة،وأين هو على صعيد العمل الجماعي في القرارات المجتمعية التي ترتبط أحكام فقهها بتعامل الناس بعضهم ببعض،ثم راجعت نفسي كثيراً لأحصي خلال زمان تعليمي وتعلّمي وحتى اليوم مشاورة كنت فيها طرفاً أشاوَر أو أشاوِر لأستبين تطبيقاً عملياً لفقه هذه الآية المحكمة العظيمة من كتاب الله فلمّا أقف على ما يستحق ذكراً،أم أن ورود النص القرآني هذا في سياق الحرب والسلم وتعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أمة دعوته جعل القوم يحصرونه هناك في ميدان معرفة ليست لكل فضولي كما هو حالي مع هذه المراجعات،وخرجت بأنني لم أقف على طبيعة وجود لمبدأ (الشورى) في برمجيات ونسق بيان فقهاء وعلماء قرأت لهم أو تمرست ذاكرة تعليمي على مصنفاتهم إلا نزراً لم يُلق له المعلمون بالاً أو إفاضة خفف علينا من اختبرنا فخذفها من مطلوبات الفحص والامتحان ..

واليوم أقول: بأن هذه الآية الربانية من كلام ربي عز وجل داعمة التأصيل لمبدأ في اعتقادي بأن أساسه ليس محل خلاف وهو (الشورى) وحيث علمنا بأن خطاب الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم الخالي عن التخصيص هو خطاب لأمته بالتبعيّة كان على المشتغلين بتحرير محلّ الامتثال لأمر الله تحرير هذا المبدأ بياناً للشمولية وتوضيحاً للتطبيق،وكان من الواجب في اعتقادي على الفقهاء وهم يفتشون عن الحكم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكون لهذا المبدأ أثرٌ في عمليات تعاطيهم مع قضايا الأمة أو يلزمهم تخصيص منهجي للآية فيما عدا ما يمتهنونه،وفي الاعتذار ربما أجدني شخصياً عشت حالة غياب وجهالة وضعف توثيق فخلت تصرفاتي مع من تعاملت معهم على الصعيد الاجتماعي والعملي والإخوة الإيمانية من سماحة هذا المبدأ الربّاني الخلاق فأعتذر بندمٍ وأسف شديدين عن فوات فرصة وتغلّب شهوة تسلّط،وليتني وغيري نجد تمحيصاً يشفي صدور قوم مؤمنين في هذا الصدد فنعلمَ حقّاً وتتكاتف صدقاً ونتآلف في رضا ومظلّة دين نحبه وندين الله به .. والله أعلم

المسألة التاسعة (لا تمنعوها من المسجد) ١٤٣٥/٩/٩هـ

راجعتُ نفسي كثيراً في نمط من الحياة عاشه عدد كبير من نساء الأمة (بقصد أو بغير قصد) وهنّ متعلقات بالمساجد ولم يتسنّ لهنّ أن يحققن تلك الرغبة متى شئن وتاقت أنفسهنّ لأن يحظين بصلاة جماعة أو فرد في بيوت ربّهنّ،ولستُ هنا لأبحث موضوع العرف والنمط الاجتماعي وإنما لأفتش عن ذلك الألم العظيم الذي يسكنُ قلوبهنّ من المنع بعذر يرى بعض المحارم والقوّامين بأنه شرعيٌّ تبعاً أو اجتهاداً،وحين عرفنا بأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في الجماعة وصلاة الرجل في الجماعة أفضل من صلاته في بيته ترتب على ذلك في استغرابٍ منّي أنْ تُمنَع المرأة عن المفضول بسبب الفاضل ويُجبر الرجل على الفاضل بسبب المفضول،هذا حين نقول بسنَية مؤكدة لصلاة الجماعة لا أنها واجبة،وحين نقول بوجوبها عند من يراها فالأمر منعكسُ الضد بشكلٍ أعظم على المرأة في حدّيّة المنع بل والزّجر عن المطالبة،ومن منطلق فهم استقاه البعض المقدّر من العلماء من خطاب الله تعالى لنساء نبيه صلى الله عليه وسلم (وقَرْنَ في بيوتكنّ) وما جاء في التاريخ من ذكرٍ لمساجد لأمهات المؤمنين رضي الله عنهنّ وغيرهن من فضليات الصحابيات في بيوتهنّ جعلوا مخالفة ذلك مخالفة للمأمور به ليكون لمن يفهم انطباعٌ بأن خروج المرأة للمساجد إرادة حق من جهة مخالفة ربما تكون مصاحبة للإثم فوق أن الله لم يكلفها بذلك واعتساف التكليف شطط،وهكذا وصلني كغيري من الناس مجرى استقرار هذا الجانب في الذهن لينشط رجال بعض البلدان في جعل طلب المرأة أن تذهب للمسجد من غرائب الطلبات،وحين يتعلق الأمر بالحرمين الشريفين فإن الرفض يصطبغ عند البعض باقتراح على النساء أن يتجهن لأعمال صالحة غير العمرة والطواف أو الزيارة دون أن يُطلب منهم الاقتراح لكنها طبيعة الولاية العرفية،أو تكثر أعذار الرجال من موانع جعلوها بصبغة الشرع في إيراد كلام لا حقيقة تطبيق كالاختلاط ونحو ذلك،أو أعذار ذات لون عاطفي كالخوف عليهن من التعب والزحام أو التعرض للمكروه،ورغم أن كل الأمة موقنة بأن لا وجوب على النساء فيما يخص صلاة جمعة أو جماعة،وكل الأمة مقرة في المقابل بأن قلوب المسلمين واحدة للذكر والأنثى في حبها لمواطن دين ربها وأماكن باركها الله تعالى ودعوة نبيها صلى الله عليه وسلم للنساء لحضور العيدين والحج والعمرة وعدم ممانعته في الأظهر والأعم من زيارته في مسجده ودخول مكان صلاته فيما ورد من سنته ومع كل ذلك عشنا زمناً نعترف فيه بوجود حيْف تجاه المرأة في هذا الجانب من الرجل مستخدماً أسلحة الاستدلال في جانب تحقيق مراده فقط لا في جانب إظهار الحق بحجة وبرهان إبجاباً كان أو سلباً ..

واليوم أقول: بأن أحاديث كثيرة صحت أو يعضد بعضها بعضاً جعلت من صلاة المرأة في المسجد وزيارتها له من عملها الذي يحق لها أن تطالب بتحقيقه دونما أن يُجَرَّ بمطالبتها تلك نحو احترازات وردت في مكانها وبضوابطها لا يمكن أن تكون مبرراً للمنع العام والتام كما يفعل بعض من رجالنا وينصارهم في ذلك رجال آخرون،وأنا هنا لا أعترض ولا أنسف ولا أُغفل كل ما المرأة مأمورة به في اشتراطات شرعية يجب احترامها في مجال حضورها للأماكن العامة ومن ذلك مساجد هي أولى بذلك الاهتمام من غيرها،ولكني أقول بأن كل الأسباب والدواعي التي سمعتها وعرفت منها قدراً ورأيتها لا ترقى لتلك الممارسة التي تمنع النساء من المساجد في روح اعتذارات دينية شرعية تحتاج لكثير من الأساس المتين لكي لا نكون مانعين ومتقوَلين في آن واحد،وحين يظهر (ربما) بأن ذلك خطأ في حقها فمن ذا الذي سوف يعتذر للأنثى وهي تبكي تتمنى صلاةً في المسجد الحرام أو المسجد النبوي ولا تجد أذناً صاغية .. والله أعلم

المسألة العاشرة (الدّعاية للصدقة والدّعوة لها) 10/9/1435هـ

راجعتُ نفسي في ممارساتٍ كثيرة مرّت علينا ونحن نشاهد العديد من الجهود التي نحسبُها خيريّة تُرغّبُ في الصدقة وتحثّ الناس على أن تتبرّع من أموالها لصالحها مستخدمةً أساليب كثيرة منها الناحية الدعائية ذاتها المستخدمة تجاريّاً مع اختلاف الناتج بالطّبع،والذي دعاني لهذه المراجعة هو قوله تعالى (قولٌ معروفٌ ومغفرةٌ خيرٌ من صدقةٍ يتبعها أذى) وقوله تعالى (ولا يُتبعون ما أنفقوا منّاً ولا أذى) ومن يعرفُ العربيّة واطّلع على تفسير مصطلح الأذى في مظانّه وتلمّس طريق الخير الذي يوجّه له الشرع الحكيم في مجال حساس كالصّدقة على الفقراء من مال الأغنياء على اعتبار بأنّ من اعطاك من ماله تفضّل عليك يعرفُ بأنّ من النّواحي النفسيّة السلبيّة ما يجعل تلك الدّعايات المقصودة من رعاة الصّدقات في عصرنا الحاضر من قبيل الأذى الذي يلحق من يستفيد من هذا المال على أمد لا ينقطع بوصول المال لمستحقّه،فاستمرار الدّعاية بالترويج لإنجازات الجهة الفلانية أو الأخرى من إنفاق على عدد من الفقراء في بلد أو منطقة او نوعيّة معينة بعينها يتعدّى كونه دعوة للصدقة لتحفيز النّفوس إليها إلى كونه سُبّةً لا تُفارق حساسيّة قلب من انتفع ممّا كتب الله له وجوباً في مال هو مال الله تعالى،وحينَ نرى تعبير القرآن بكلمة (يُتبعُها) وكلمة (يُتْبِعون) نعرفُ التصاق الأذى بصدقة على الهواء مباشرة وصدقة تُظهر الفقراء وأهل الزكاة صوراً أو أعياناً أو حالاتٍ لاستدرار عطف المحسنين وهي بذلك وإن حققت هدفاً منشوداً ألقت بأذى يتبع تلك الصدقات وإن بشكل وطريقة غير مقصودة،وكنتُ أنا من الدّاعين يوماً لأن يكونَ حظُّ الإنسان من المساهمة في الجمعيات الخيريّة وافراً وموجوداً لكنّني تراجعتُ عن ذلك لمّا تناقشت مع أحدهم وهو قائم على جمعيّة من هذا القبيل في أنني أجد في نفسي من هذا التشهير ولو بالمجموع،ففيه أذى يتفرّق قدره على قدر من استفاد وقلتُ بأنّ الحفاظ على شعور من نودّ مساعدتهم أولى من توفير الطعام والشراب لهم ومن ثمّ أذى لن يفارق قلوبهم ولو أخفوه،فاشتدّ غضبه عليّ بأنني من الداعين لإغلاق باب الخير،ومن ذلك الوقت راجعتُ نفسي وتلمّست طريقاً غير طريقهم ولو كنتُ على يقين بحسن الظنّ فيما يعملونه ..

 

 

 

واليومَ أقول: بأنّ النبي صلى الله عليه وسلّم دعا للصدقة على أحدهم في المسجد وعلى مجموعة بعينها في وقتها وحفّز الناس على الصدقة في ظروف وأوقات متفاوتة وفق ما ورد في السنّة والتاريخ،لكنّه لم يسمح بأن تكونَ تلك دعاية لشأن معيّن وهو يتنزّل عليه القرآن بأنّ القول المعروف خير من صدقة يتبعها أذى،فحاشا لله أن يكونَ من نبيّ الرحمة تصرّف يثير شعور الفقراء بحنقٍ على المتصدّقين والهدف الأسمى في رسالته الأخوة الإيمانية بشرع هذا الدين الحنيف،فأدبيّات انتقال المال من غنيّ لفقير لها من المتاسبة والتأسّي أكثر من ذات المال المعنيّ،فلعلّي وجدتُ وفق اعتقادي الشخصي بأن إعادة برمجة سياسات الصدقات الجماعية ومؤسسات الخير الباذلة في بلادنا الإسلاميّة عموماً أصبح ملحّاً وضروريّاً لكي نتجاوز هذه العقبة التي تقبع في نفوس كثير من العالمين لا يسألون النّاس إلحافاً وحرموا من نيل نصيبهم من الزكوات والصدقات ليحافظوا على صفحة نفوسهم بيضاء،فكم من لامزٍ آخاه والآخرين بأنهم يعيشون على هبات جمعية كذا ودار كذا،وكم من جمعية ومحسنٍ يتندّر بين جلسائه بأنه ينفق على عائلات في مدينة كذا وبلد كذا،وكلّ ذلك ربما يقترب لأن يكون أذى جماعياَ كالغيبة الجماعية وما تحمله هذا التصرفات من إنعكاس خطير في سلبية الهدف المراد،فحريّ بنا أن نقدّم لكل فقير ومستحق اعتذارين،أحدهما عن تهاوننا في إيصال الحقّ له،والآخر عن تشهيرنا بما نفعله تجاهه من حيث لا ندري أو ندري،وفوق ذلك فالتّوسّع في استخدام نصّ (والعاملون عليها) كأحد مصارف الصدقات لتكون باباً للصرف على الدعاية والإعلان والترويج فيه من محطّ إعادة النظر والمراجعة ما فيه .. والله أعلم

المسألة الحادية عشرة (آداب دوراتِ المياه) 11/9/1435هـ
راجعتُ نفسي في أحكام الطّهارة الأوليّة للإنسان المسلم ليكون على هيئة الاستعداد لأداء ما افترض عليه ربّه من العبادات التي تستوجب الطهارة بالمعنى المقصود اصطلاحاً،واستصحبتُ معي قاعدة إصولية بأنّ ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب،ولزِمْتُ ترتيب الأمور على النّحو الذي أراده الله تعالى في هذا المبدأ الروحاني وفق ما ورد في آية الوضوء وآية التيمّم،ووقفتُ عند قوله تعالى (ولكنْ يُريدُ ليُطهَركم) وكان التفكّر في إرادة الله التعالى بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونيّة القدريّة هو محكّ هذه المراجعة،فقلتُ لنفسي ــ وأنا الموقنُ بأنّ القيام بواجبات الدّين نافذٌ ولو لم نتمعّن أو نعرف سرّاً أو علّة ـ لعلّ الدّين الإسلامي وهو الهادف للنظافة الروحية والشكلية والجسدية يرقى بنفوس المسلمين ليكونوا على تمامٍ من كلّ درَنٍ في ثيابهم وأجسادهم وأمكنتهم استشرافاً ليعلموا بأن البراءة من الأوساخ والأدران تقودهم في ممارسة أعمالهم وأفعالهم للبراءة من النَجس المعنوي المقصود في حراك المجتمع المسلم مع بعضه البعض وحين يتّجه لربه داعياً أو عابداً،لذلك تمنّيتُ لو أنّنا حين تلقينا دروساً في الماء الطاهر والطهور والاستنجاء والاستجمار والوضوء والغسل من الجنابة والتيمّم جنحَ من علّمنا لزرع قيمٍ وآداب مرتبطة بالنفس الإنسانية تفيعلاً للمعنى الشرعي فائق النّضارة بدلَ الحزْمِ والتأكيد على مجرّد الالتزام والامتثال بالتخويف من العذاب ومغبّة الإثم في المخالفة،حتى نتج عن ذلك طابعٌ فقهي يميّز بعض المذاهب عن بعض في تشدد في أبواب الطهارة وتخفيف في أبوابٍ غيرها وعكس ذلك صحيحٌ في مذاهب أخرى،وندَر بذلك ـ حسب اعتقادي ـ من يجعلُ هذه العبادة ديدناً وثقافة تعامل مع نفسه وذاته لتكون العبادة الخاصة التي لا يطلع عليها الغير مماثلة في التقرّب لله تعالى عن حبّ للعبادة العامّة الظاهرة ..

واليوم أقول: بأنّ تصميم النّاس للأداوات والأمكنة والأجهزة والتجهيزات التي تساعدهم على النظافة والطهارة وقضاء الحاجة تتأثر سلباً وإيجاباً بما يعتقدونه ديناً ومسلكاً نحو ربّ العالمين،كما تتأثر بقناعاتهم ودراساتهم وتجاربهم في طريق يؤدّي للصحة والمحافظة على النظافة العامّة،والمسلم الذي يؤمن بأنّ الله تعالى اختار له من الأديان ما يبقى حتى يوم القيامة هو الدين القائم الظاهر القيوم أولى بمثل هذا المضمار من التأثير والفعالية حين يعيش ويتصرف ويحيا،وطبيعة الحياة العملية تجعل من التنقيب في أحكام الظهارة من المصادر الاستدلاليّة أملاً في توضيح ما يكفلُ صحّة الطهارة الحكميّة وسهولة التناول والتعامل والاستخدام مع الحفاظ على الخصوصيّة مع النفس التي يدعو لها الأدب الإسلاميّ،وما جاء في الحديث (من عذابٍ في القبر لرجل لا يتنزّه من بوله) مع تعدّد صيغ الرويات يقودنا إن صحّ لخطورة أن يكون نشر التوعية بالطهارة الإسلاميّة قليلاً ومحدوداً ومحصوراً،ومن انتقدنا بأنّ العالم وصل للقمر والفضاء الخارجي ونحن لا زلنا نتكلّم عن أحكام الاستنجاء والا ستجمار ونحوها مُحقّ قي إرادة باطل لأنه سمعَ منا أو من بعضنا حديثَ قرونٍ مضت عن هذا الجانب مع أقوامٍ يعيشون في عصر (دورات المياه)،فكيف نعتذر لأبداننا وأجسادنا من مخالفة توجيه من خلقها وخلقَ ما يصلح لها تطهيراً وتنقيةً ونحن لم نسلك بهذا الجانب مسلك التأسيس والتأصيل الحديث،فوُجِدَ من الناس من يسأل عن حكم غسل داخل العين في الوضوء ويأبى أن يكون لاستخدام أدوات للطهارة معيّنةً في الأماكن العامّة شرعيّة إباحة وإتاحة .. والله أعلم

المسألة الثانية عشرة (فخّ المصرفية الإسلامية) ١٤٣٥/٩/١٢هـ

راجعتُ نفسي في معترك نفوس ذوي الدخل المحدود وغالبية أمة الإسلام الذين تعتريهم للمال احتياجات وللمادة اضطرارات،وقرأت في خط زمن عشته صعودا وهبوطاً وبعض اتزان واستسلاماً واعتراضاً وممانعة وقبولاً مع غصّة تجاه تعاملات البنوك معنا وتعاملاتنا معها على المستوي الإنساني العاديّ بعيداً عن أمور التجارة وبغية الربح،فوجدتنا قد شُرح لنا باب الربا في الفقه الابتدائي والمتوسط والمتقدم كما بُيّن لنا كل باب في أحكامه أسوة لطبيعة التدريس والتعليم والتربية بما ندين الله به،وعرفنا ربا الفضل وربا النسيئة ولا يجهل أغلبنا على الأقل مدار الغبن والظلم والجشع في فلسفة المراباة،لكني مع ذلك عاصرت عهداً لا نعرف فيه سوى مصطلح (بنك) يجعلنا لا نشك في أن تعامله بما هو حرام يقين لا يخالجه شك،حتى فجّر الواعدون ما سموه (مصرفية إسلامية) حاربها في بداية الأمر من حاربها ونصرها من نصرها،ثم استتبّ الأمن (الفائدي) لمن يعرف من أين تؤكل الكتف ونخر في البنوك القائمة والمستحدثة مبدأ التحول لهذه النمطية المهنية الحرفية بالمزامنة مع الاسم ذي الجاذبية العاطفية خالطاً الحق بالكذب والحلال ببعض الحرام واستندت بعض الدعايات على فتوى هنا وأخرى هناك ربما لا يقصد من أفتى بها ذات عمل من استفتاه بقدر ما يعني صورة شرعية صاغ فتواه على أساسها فوسّع المنفذون وتمدّدوا واستحلّوا وغشوا الممنوع من باب الاسم لا غير – هكذا أرى – ولم نجد من يفصّل لنا الأمر عملياً بأسلوب يفهمه عامة الناس غير تساؤلات أصبحت حديث المجالس ليكون بعد ذلك مبدأ سموه (المرابحة) بديلاً إسلامياً و (الإيجار مع وعد التمليك) طوق نجاة شرعي (والأسهم في شركات الحلال) كما يصنفون تجارة غالب المتدينين،ولم يتردد صغير ولا كبير في خوض غمار وحل القروض والسيارات والعقارات والأسهم وبطاقات الإئتمان التي عليها صورة مسجد أو كلمة إسلام ليستفيق بعضنا وقد أضناه الدين فسأل نفسه فوجد في مراجعة أسلوبه المالي فوجده من لوثات الربا قد تلطخ وتعفّر ومن أسباب ذلك هيجان الفتوى وذكاء استخدام المستفتين،وكنتُ من الذين اعتمدوا على شيءٍ من علم شرعي قليل جعلتُه سبباً لانتصاري لأن ذلك من الحلال الظاهر الذي لا يأنفه إلا متشدد متنطع ولم أكن ذا مراس تريّث ولا بمنفكّ عن عجلة وتسرّع ..

واليوم أقول: بأن من استبرأ لدينه في باب (المعاملات) بالذات وفصول (الربا) على الأخص سيكتشف حين استفتاء تمحيصه بعد أن يحكّم الله ورسوله دون خيَرةٍ في أمره بأنّ القوم استضعفوا عقولنا وتستخفّوا بإعادة مراجعتنا لأنفسنا واستباحوا عواطفنا تجاه ديننا وشرّعوا لنا من تدليسٍ في التطبيق لا في أصل الحكم ومحلّ إنزاله ما أوقعنا في فخّ المصرفية الإسلامية الظاهرة ليجدوا لنا مبرّراً لكل ما هو في صورة الحرام ويدلج إلى مصبغة التحليل فيأتينا بنكهة ما نستظرفه فنق ترفع غير مبالين،حتى إذا وقعنا في مأزق دنيوي أرّقنا تذكرنا كل دقائق التفاصيل وتعجبنا من وسوسة الشيطان ومداخل النفس والهوى،لا غروَ أنّ في اعتقادي الشخصي اليوم بعد أن وقفتُ على كثير من جزئيات تعامل المصرفية الإسلامية المزعومة (وحاشا الإسلام ذلك) بأنّ وراء الأكمة ما وراءها من دوران العلّة مع المعلول والمسبب مع السبب،ولو اختلفت الصورة ظاهراً وفي الباطن عين الحرام،فعن أية مرابحة إسلامية يتحدثون وهم يتقون الله زعماً بورق وتواقيع وصياغة محكمة الفصاحة،وعن أيّ سلَمٍ في بيع يلحقون معاملاتهم وهم لا يحقّقون من عين المبيع سوى اسم و (ماركة) تسجل في عقد،وعن أية بطاقات إسلامية يعلنون وهم إن ام تلتزم بما أمروك وقعتَ في الربا شئت أم أبيت،لعلّي لا أبالغ حين أدعو كل الذين نافحوا وعبّدوا ليدخل الربا من باب الفقه أن يعتذروا للأمة وللناس لعلّ الربا يخرج يوماً من ذات الباب الذي دخل منه،كيف لا ونحن نرى في أنفسنا خبالاً ووهناً وضعفاً وضيق حال وضائقات نفس وكثير مشكلات لنكون ونحن نقرأ قوله تعالى (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ) وما حُجة كثير إلا (بيعٌ مثل الربا) وما وقر في صدورهم (تحريم الله الربا وتحليله البيع) ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .. والله أعلم

المسألة الثالثة عشرة (شُغل البيت) 13/9/1435هـ

راجعتُ نفسي في أعرافنا وعاداتنا وتقاليدنا وما استقرّ عليه تواصي السلف الاجتماعي مع الخلف الجمْعي ممّن عايشتهم واعرفهم وهم يروون عن الذين سبقوهم ويؤكدون ويعضّدون في شأن قيام المرأة ومسئوليتها عن الخدمة المنزلية وكون أمر أشغال البيت من اختصاصاتها حتماً حتى غدت من مسلّمات الأمور التي انبرى قومٌ ـ وإن قلّوا ـ يُفسحون للاستدلال الشرعي مجالاً من بعيد وقريب ليدرجون طهي الطعام وغسيل الملابس وتنظيف المقاعد والحجرات وإعداد الفُرش ونحو ذلك من حقوق الزوج على زوجته وتوسّع بعضهم لتضحي هذه الأمور من حقوق الأخت على أخيها حتى نالَ بعضهم من الأمومة وجعلها حقّاً للولد على أمّه ولو كبر أو كبرت،واطّلعت بنفسي على أكثر من قضية في المحاكم مرفوعة من زوج على زوجته يتهمها فيها بالتقصير في الواجبات المنزليّة التي ذكرتُها،ومثل غيري عشتُ زمناً وأنا وإن مررتُ على النصوص الاستدلالية في حقوق الزوجين موقناً بأن العادةَ مُحكّمة،وبنيتُ على ذلك توازن رؤيتي للحياة الارتباطية وتقييمي الإقصائي لفلسفة المعاملات داخل البيوت،وغدا المجتمع يستغلّ نصوصاً دلّت على التزام المرأة بأوامر زوجها واستئذانه في تصرفات حياتها كالخروج أو السفر أو إدخال أحد للبيت لينسحب ذلك على أنّ الزوج هو الحاكم بأمر عقدٍ عقده مع وليّها لتتفرّغ للخدمة المنزليّة وحدها بعد أن كانت تشارك على الأقل أخواتها وأمها في ذلك،ومن أبت أو تمنّعت ربما قال بعضهم عنها بأنّها قريبة حمى من غضب زوج يُلزم لعناً وطرداً من رحمة الله ـ والعياذ بالله ـ ورغم أنني لم أقف على من يدلّني على أصلٍ اعتمد عليه من يقول بذلك والقائلون به هم ذو علم ووعظ وإرشاد واستفتاء إلا أنني لم أقف في اطلاعي القليل المتواضع على ما يشجّع على الاستمرار في الظنّ الذي كنت أسير به بأنّ شُغل البيت مهمّة المرأة ديناً ووجوباً ..

 

 

 

 

واليوم أقول: من يقرأ سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلّم وتعامله مع زوجاته أمهات المؤمنين ووصيّته بالنساء خيراً بل وطريقة سلوكه مع خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه يقع في قلبه بما لا يدع مجالاً للشكّ بأنّ عقد الزوجيّة والالتزام للعيش في مكان واحد لا يعني استصحاب وجوبٍ للخدمة في أيّ شيءِ يخصّ الرجل أو بيته او وولده إلا ما كان من قبيل المعاشرة بالمعروف والحبّ والكرامة،وذلك من خصائص النفس البشرية المسلمة التي تتعاون على الخير وعلى البرّ والتقوى،فلم نسمع ولم نقرأ بأنّ في السيرة والتاريخ النبوي ما يدلّ على أنّ خلافاً وقع بين زوجين لأجل هذا وحكمَ فيه النبيّ صلى الله عليه وسلّم أو من بعده من الراشدين بحكمٍ شرعيّ دينيّ بأنّ الزوجة عليها كذا أو كذا من هذا القبيل،صحيحٌ بأنّ العرف والعادة وطبائع المسئوليات قضت بذلك وفي الشرع مساحة لاحتواء ذلك لكنّ أسْرَ المرأة بالتخويف من اللعن والنار إن هي لم تعد طعاماً للزوج او لم تنظف غبار بيتٍ ونحو ذلك فيه تدليس بيان،ألم تر الله تعالى يقول (فإنْ أرضعنَ لكم فآتوهنّ أجورهنّ) وهو ولدها وإن طلّقها أبوه،فكيف بما هو أقلّ من ذلك،والعمدة بأنّ نفقة الزوجة على زوجها هو مسئول عنها بكتاب رب العالمين ولا ينقص من تلك النفقة ولا يحجبها خدمة منزلية حصلت أم لم تحصل،وما قصدتُه أن يكون هذا التكليف للنساء المتزوجات من قبيل الواجب الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه لا من قبيل ما ترغبه أو يرغبه أو يرغبانه،وأمّا الأخت والأم تجاه قرابتهما فذلك أبعد وأنفى،فلنعتذر بكلّ جرأة لكل أنثى فهِمَتْ من وليّها أو زوجها وجوباً قرنتْهُ بطاعة الله فقدّمتْ إجادة عمل (الحلويات) على إجادة إقامة (الصّلوات) .. والله أعلم

المسألة الرابعة عشرة (المساجد) ١٤٣٥/٩/١٤هـ

راجعتُ نفسي في تاريخ المساجد ورسالة المسجد وطبيعة ما يؤدَّى فيه من منهجيات غير (إقامة الصلاة) فوجدت بأن المثل الذي يُحتذى به والذي هو مصبّ سياقة البعض الأدلّة لما يقولون هو حاله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ومجتمعه ودولته أنداك الذي كان (مسجده) الشريف ظرفاً مكانياً له ولما يدعو إليه ويشرعه وينظمه ويحكم به عدلاً ووحياً،ولا غرابة حين جعل الذين يرون المسجد منارة الانطلاق أصلاً وأصل الانطلاق تبعاً هذه السيرة النبوية المطهرة استدلالهم بالظاهر منها تمشياً مع أن سلوكه صلى الله عليه وسلم في ممارسة الحياة المدنية من شرائع الدين التي وإن لم تكن واجبة الامتثال فهي الأولى والأسلم،وجرى هذا النمط من التوجه لجعل (المسجد) ملاذاً ومنبعاً ومسرحاً لكل أمر وكل شيء وكل طارئ مجرى المسلّم من الثقافة العملية في التطبيق ليستقرّ بعد زمن عند بعضهم أنه أساس الحكم ورباط السياسة الشرعية فالإسلام دين ودولة كما افتتح مؤلف كتاب تيسير العلام مصنّفه بها،وعلى أساس ذلك قامت توعية وتعليم وتنشئة لهذا الغرض رغم أن الواقع من ذات من يقولون بهذا القول خالف مجموع قولهم ليقتصر تطبيقهم على موافقة ما يقال في المساجد لما هو مُقامٌ في ديدن الأولياء،وافتقدنا ابتداء النص التشريعي والفكرة المنهجية في سياسة من النظر من المسجد نفسه،وعشنا زمناً تفرّغ فيه المسجد لوعظ وإرشاد قصّر فقهاً وأفرط ترغيباً وترهيباً في الالتزام الظاهري،وعجّ كثير من المساجد ببرامج للعامة والفتية والفتيات تغاير ما هو في يقين المنظرين لرسالة المسجد،وعشنا زماناً آخر اضطربت فيه الرؤية والتأطير حول المسجد بتجربة إجراءات منعٍ وسماحٍ وسكوتٍ ومتابعةٍ وتغافلٍ وتتبّعٍ في مدّ وجزر إلى أن قيل من بعضهم وبعضنا (طهروا مساجدكم من سياسة تفرق ولا تجمع) وحاول آخرون الإقناع بأن قدر المساجد العظيم يربأ بها أن تكون مكاناً للجدال أو الثورات أو الفئوية،ولكنّني حين أعود بذاكرتي للخلف مراجعاً ما بُني عليه المتاح من مصادر العلم في ذلك الوقت أجد تحرير الأمر اقتصر على احترام المسجد بالنظافة والسلوكيات الحسنة وإقامة الصلاة وتدارس العلم بذات الكيفية التي نقرأها في سير أعلام النبلاء،ولم يكن من برنامج التوجيه والفقه في الدين لا ربط بين مسجد وعموم أمر ولا فكّ ارتباط بين مساجد وموائد أطروحات سياسيّة أو مدنية عملية تشريعيّة فدخل الأمر في لبس سُكِتَ عنه لزمن حتى انفتح العالم بإعلامه ..

واليوم أقول: بأن قول ربي (وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً) قاعدة في شرط استغلال واستخدام المسجد وهو توحيد الله تعالى عبادة واعتقاداً،وأن قوله تعالى (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخروأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) قاعدة في صفات من تلبّس بالمسجد مكوثاُ واستغلالاً لتكون خشيته لله تعالى مرتبطة بما يدعو الله تعالى له من حفاظ على حق الأمة الجمعية بممارسة الفرد المسلم،وأن قوله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله) قاعدة في انتماء الناس لمكان باركه الخالق بكونه أصل ذكره وعبادته والتبتّل له،فجعل من سنته في خلقه أن يحتاط الناس لأمانهم بما يقدّسونه من أماكن هي لذكر الله أصلاً حماية وأمناً وصيانة،ومن الواضح بأنّ توقير المساجد واحترام بيوت الله تعالى ليست اجتهادية الطرح ولا الفعل ولا الفتوى،بل مسير ذلك متوقّف على أمة أسّست بنيانها بأنّ قوله تعالى (ومن يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) شعيرة ومعتقد،وكلّ صيرورة الأحوال والمآلات والمجتمعات إلى حدّ تقف عنده احتراماً لما تعتنقه من دين،والمسلمون في هذا آخذون بقصب السبق حين أمرهم ربّهم بالاستعداد المسبق للطائفين والعاكفين والرّكع السجود بالتطهير الحسّي والمعنوي،والفطِن الحاذق يعرف خيطاً رفيعاً بين قطع الصلة بين المسجد وخارجه حياة وثقافة وخلقاً وسياسة بما يعكس مفهوم الشخصيّة المزدوجة المتضادّة،وبين بناء مرصوص هو أساس هذا الدّين لا ينفكّ بعضه عن بعض تكاملاً وليس فوضى يفعل كلّ منا ما يشاء حيث يشاء،ومن احتجّ أو استدلّ بفعله صلى الله عليه وسلّم في ذات المكان الذي أرى اليوم عدم مجانسته لبعض أفعال منّا،لعلّي أقول له بأنّ الاحتكام لسنة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام تقتضي بأن نقف على الأمر التطبيقيّ بمحاكاة المثل إن ناسبَه وأمكَن وإلا فالأمر واسعٌ ومتاحٌ أن يكون الهدف هو مرجوّ عمل المؤمنين لا نفس البيئة والزمان والمكان التي لم يدعها الله تعالى قائمة على حال لا تتغيّر،ومن سهّل له ربه من المجتمعات ما يعينهم على تفاعلات حياتهم استغلوها حامدين شاكرين،نحن اليوم نقف في حيرة من أمرنا وسلوكياتنا حيال مساجدنا لا يناسبنا إلا أن نعتذر لهذه البيوت العظيمة عن تقصيرنا في حقها وعن أخذها لما هو آيلٌ إليها بالأصل أو تنحيتها عمّا هو لها في الأصل لنحتاج لمراجعة من ذوي تخصص تفيد وتوضّح أبلغ من قولي أو بعض قولي .. والله أعلم

المسألة الخامسة عشرة (الإحداث والابتداع) ١٤٣٥/٩/١٥هـ

راجعتُ نفسي في شروح العلماء والمصنّفين في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد) فوجدته من أكثر نصوص هذا الدين القويم حساسية تأصيل ودقّة بيان لمن تمعّن وتفكّر واعتصم بمجموع أصول الشرع ومقاصده ورأس أمره،وراجعت نفسي كذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) وكلام الأولين والمتأخرين في معنى ما ورد فيه من اصطلاحات فوجدته حديثاً من صاحب جوامع كلم وكلاماً من متحدث بوحي السماء ووقفت على كثير خوض وعظيم إسقاط لواسع أمور ومتفرّق أحوال عليه،ثمّ قلت لنفسي لقد عرفنا ووقر في صدورنا الحق من الباطل حين ظهر الأول وزهق الثاني،ولقد بان اتجاه مقاصد توحيد رب العالمين حين تركنا الرسول صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك،ومن ذلك فلعلّ القوم حين استظهروا هذين الحديثين للاستدلال المطلق على بدعية تصرفات وأفعال آخرين ولو كانت على مثال سابق من دين وأحكام استبق حكمهم التبعية في تسلسل الشرع ليتمسّك بالعموم في لفظ (من) و (ما) في الحديث الأول،ولفظ العموم كذلك (كل) في الحديث الثاني ليتوصلوا إلى أن ما لم يأتِ من أمور كما هي فعلاً وأصلا فهو من محظورات الابتداع والإنشاء،ولذلك عاش كثير منا زمنهم وجزءً من زمن من قبلهم وهم واصمون لكل ما لا يعرفون أو يعلمون بالبدعة والرد اللذان يقودان للملاحظة العقدية في مقياس الدخول أو الخروج من دائرة أهل السنة والجماعة،ولعلنا قبعنا في ذلك زمناً معتمدين على أنّ ما لدينا هو الأمر وما لدى آخرين هو الإحداث المردود والبدعة الضلاليّة في صغائر الأشياء وكبائرها،ومحكّ كون الأفعال على ما كان عليه الأمر إبّان تكلّم الرسول صلى الله عليه وسلّم بالحديث هو ما نعرفه من أدلّة وأصول مقارنة بما عند غيرنا من أدلّة وأصول ولو اختلفت طرق الوصول،ولم يأنف أحدنا ولم يستنكف في ذلك الزمن أن ينكر على القاصي والداني بعلم وبغير علم على مجاهيل الأمور بأنها بدعة لمجرّد أنه لم يعرف لها أصلاً مما وصل له علمه،وكنتُ من الذين صالوا وجالوا في هذا المجال دون تريّث تدقيق ..

 

 

 

واليوم أقول: إن نصّ النبي صلى الله عليه وسلّم على الأمر المردود بوصفه الدقيق (ما ليس منه) والضمير عائد للأمر المذكور قبله يضعنا في قاعدة نبويّة تنطلق من كون الفعل من الأمر السابق أولا،وحين نصل إلى تحديد دقيق لنوعيّة (من) هذه هل هي على التبعيض ليكون الحادث بعض من القديم أو للبيان ليكون المستحدث من جنس القديم حينذاك نستطيع الحكم بغالب الظن لا القطع،أمّا ولم نصل لهذا فأنى لنا الحكم على كثير من الأشياء ببدعيّة وإنكار وإن صدق لنا الأمر أو سُلّم في بعضها،وكذلك أقول: حينَ نصل لتحقيق (البدعة) التي قُصدت في الحديث الثاني والتي وُسمت بالضلال مستشهدين بالحقّ الذي عليه لسان العرب وما نُقل من صحيح فهم للأقدمين حينها نستطيع أيضاً الإشارة دونما خوف للبدعة والتحذير منها بما لا يدع مجالاً لشك شاك ولا ظنّ ظانّ أنها ربما لا تكون كذلك،أمّا وقد قسّم بعضهم البدعة لحسنة وسيئة مع أنّ الحديث جرى مجرى العموم بلفظ (كلّ) فتلك معاناة أن نلجأ لتخصيص العام داخلةٌ علينا انتقادات مستحقّة من آخرين،وصحيحٌ وواجبٌ بأن صيانة الدين في حمله بالحقّ والحفاظ عليه من الدواخل ولكنّ ربما كانت هناك من الوسائل لتوضيح الأمر غير ما سُلِكَ بنا سابقاً،كيف سيعتذر بعضٌ ممن صرّحوا بأن ما قالوه عن أمور في زمن سابق بدعة ولم يستمرّوا في ذلك بل وتناسوا انتقادها والإنكار علي أهلها لما آلت الأمور لغير ما توجّهوا له،وكيف سنقول لبعض جهلاء جعلوا البدعة حتى في الأحكام الفقهيّة العملية المختلف فيها ونحن من أطّر لهم ذلك الإطار العام في الاستدلال بعموم الحديث على كلّ شيء .. والله أعلم

 

المسألة السادسة عشرة (المحامي) 16/9/1435هـ

راجعتُ نفسي في توعيةٍ تلقيتها وزملائي أيام الدراسة والتعليم ذي الطبيعية الشرعيّة وتذكرت كثيراً من وعظ وإرشاد وبيانِ إلزامٍ حينها عن خطورة نظرية (المحاماة) على تطبيق الشريعة الإسلامية،ولا أنسى أنه كان بعض مدرسينا ينعتون المحامي في البلدان العربية التي تطبق هذا المبدأ قبلنا بأنّه (نصير الشيطان) وكنا نُسلّم بأن الأمر على ما يصفون،وبأنّ شريعة الله تعالى لا تحتاج إلى من يحامي عن متهم،حيث احتجّ لنا بعض من درسني بقوله تعالى (إنّ الله يدافع عن الذين آمنوا) ومن استغنى بالله أغناه الله،ورسخَ في أذهاننا حينها صورة المحامي ذي اللبس الأسود في العروض التلفزيونية الذي يدافع عن متهم نحن عرفنا من قصة العرض بأنه ليس ببريء،وفي المقابل كنا نحتار في متهمين أبرياء كان يدافع عنهم محامون بذات اللبس الأسود وديباجة مخاطبة القضاة،ومضت السنون ونحن جازمون بأنّ ميزتنا هو عدم وجود نظام للمحاماة عندنا لأننا نطبق شرع الله تعالى وشرع ربنا لا يحتاج إلى محامي وفق هذا المفهوم البسيط المتواضع الذي تربينا عليه وكُرّر على آذاننا استدلال بقوله تعالى (ولا تكنْ للخائنين خصيماً)،بل إنني كنتُ من الذين يناصرون جهازنا القضائي في ذلك الزمن تعاطفاً وتشبهاً بأن المحاماة من فتن هذا الزمان وهي الزور والبهتان العظيم الذي يستقطع به الحق لغير أهله وأنّ الدفاع عن المتهم دفاع عن المذنب ولم يدر في خلدي حينها بأنّ المتهم بريء حتى تثبت إدانته رغم ورود هذا المصطلح في ذات العروض التلفزيوينية التي تأثرنا بها،لكنّ تأثرنا بتأصيل المسألة على النحو العفوي الذي ذكرته هو الغالب والأعم من متعلمين وعلماء سمعنا منهم وأخذنا عنهم هذا التعميم الخاطئ،وأعرف كما يعرف غيري كثيراً من القضايا ذهبت لغير مسارها الصحيح حيفاً وجوراً لمجرد أن لا يوجد شخص محايد يظهر الحق للطرفين من باب البيان لا من باب الدفاع عن الظالمين ..

 

واليوم أقول: بأنّ حساسية الفضاء في الفكر الإسلامي وتأكيد النبي صلى الله عليه وسلّم على أهمية وضرورة العدل في ذلك ،ولفتُه صلى الله عليه وسلّم الأنظار إلى اللحن في القول والحجة الكاذبة رغم فصاحتها،وحثّه صلى الله عليه وسلم القلوب على الورع والتقوى وذلك الإرشاد الديني القريب من العهد النبوي والعهد الراشد الصافي المفضّل أنتج عبر التاريخ الإسلامي قضاة يقضون بالحقّ وبه يعدلون،وذلك دعاني لأن أزعم بأنهم من منطلق عدلهم وفقههم كانوا يقومون بما يقوم به المحامي كمستشار قانوني يوضّح للطرفين ما عليهما وما هو لهما،ومن يستقرئ سيرة قضائه صلى الله عليه وسلم بين الناس وآيات الذكر الحكيم في مسائل كالقصاص واللعان ونحوهما يعرف رحمة هذا الدين في بيان الأسلوب المتبع في التقاضي وما لكل طرف من حق وإجراءات ومستمسكات،ولمّا صار عالمنا لما هو عليه منذ زمن تأخرنا عنه وبقينا في تخوّف من كل جديد مستصحبين أدلتنا لنعمّم الضر ونحرم أنفسنا من النّفع،فاليوم لكل باحث وناظر ومفتّش في مجال القضاء والمحاكمات وجهة نظر إن لم تكن عامّة فهي غالبة بأنّ جهل الناس بحقوقهم وحقوق غيرهم جعل مسار التقاضي إلى خطأ في النتائج ظلماً أو استظلاماً،فلزامٌ على المجتمع أن يقتنع بمبدأ (المحاماة) كعائد وفائدة لا كمصطلح اقتصر على (الحمية) ولا مشاحة في الاصطلاح،ومن تطبيقات العالم اليوم أن جعل بعض الشعوب وجود (محام) لكل متهم في قضية وجوباً ولو على الدّولة وهذا هو عينُ ما نصّ عليه فكرنا الإسلامي من وجود البيان والتوضيح ولو كان بطريق غير ما توصّل إليه التعامل الحديث،ونحن بذلك أولى،وحيث دار الزمان وخضع كل العلماء والمفتين والمفكرين في غالب وطننا لهذه الرؤية التي أعطت للفقه دوراً أوسع مما كان عليه اختفت تلك الاستدلالات السابقة وسكت أو مات أولئك الذين كانوا يخوّفوننا من نار جهنّم التي ستنال المحامين،ومن هذا المنطلق كغيري من الناس رغم فرحنا بهذا التحول الإيجابي إلا أننا نستغرب عودةً من غير اعتذار على الأقل لكل ما مضى من عدم ملائمة للحقّ اجتهاداً وتطبيقاً .. والله أعلم

المسألة السابعة عشرة (معذرة إلى جنائزنا) 17/9/1435هـ

راجعتُ نفسي في رحلة تاريخيّة مات فيها الكثير من الذين أعرف والذين أسمع بهم والذين لا أعرف وحضرتُ الصلاة عليهم في المسجد النبوي الشريف وفي الحرم المكي الشريف،ومنذ صغري وأنا أراقب دهشةً وفضولاً ما يجري منذ أن يموت الميت حتى يوارى قبره،وحين درست كتاب الجنائز في الفقه الأحاديّ في التعليم الأساسي ثمّ استزدت في التعلم العالي من بعض اختلافات مذاهب وأقوال وعرضتُ ذلك على ما يجري وجدتُ بأنّ دائرة التعامل مع الجنائز منذ الموت وحتى الإقبار دائرة من حال لحال حتى وقتنا الحالي،في السابق لفت نظري الاختلاف في المناداة على صلاة الجنازة بين مكة والمدينة بألفاظ تؤدّي ذات الغرض لكنّ الصيغة تختلف كأن يقال الصلاة على الميت أو الميتة وأن يقال الصلاة على الرجل أو المرأة ولم أعرف حتى اللحظة عزوَ هذا الاصطلاح رغم أنه ثانوي البحث،وقبل فترة قصيرة لاحظتُ صدفة توحّد الصيغة بين الحرمين الشريفين لصالح ما كان ينادى عليه في مكة ولا أعرف أيضاً ترجيح ذلك،ومن الأمور أيضاً أن المالكية يرون كراهة إدخال الجنازة للمسجد فدأبنا على تسمية موقع عند باب جبريل في الحرم النبوي (مُصلّى الجنائز) وكان لا يصلى فيه على جنازة إلا من يرى ذووها هذا الرأي،ودأب أغلب الناس على إدخال الجنازة للحرم المدني ومزاحمة الصف الأول حتى أنشأت الدولة الجزء الأمامي ليكون هو مصلى الجنائز ومكان وضع الجنازة فيه والإمام يتقدّم لها وكل من في الحرم يأتمّون به،والإشكال بأن هذا المدّ والجزر هل وافق رأي المالكية وعاد من يرى غير رأيهم لرأيهم أم الأمر متعلق بالتنظيم ولمّا نجد تحرير محلّ ديانة وائتمار،ثمّ إن مقتضى الإسراع بالجنازة وتجهيزها عند من يرى ذلك جعل كثيراً ممن أعرف في المدينة لا يحرصون على انتظار الصلاة المكتوبة بل قد يلصون على ميتهم بعد العصر ويدفنونه دون انتظار المغرب،وآخرون يفضلون اجتماع الناس لعل في دعوة أحدهم ما يرحم الله به ميتهم فينتظرون بجنازتهم لو ماتت صباح اليوم أكثر من يبع ساعات لوقت صلاة الظهر،وفي كون الصلاة على الميّت دُبر الصلاة المكتوبة ما يدعو للتساؤل عن العزوِ والبيان،وفي اللحد والشقذ ما يقال ويستحق أن يُحرّر للناس ليعرفوه، حيث لم يكن بمكة إلا المعلاة وهي ذات شقّ وأغلب من بمكة يدفنون موتاهم فيها استئناساً بمن فيها من الصحابة والتابعين والصالحين،حتى ظهرن مقبرة فيها شبه لحد وهو عند من يقول بأفضليته محبّب لهم،والإشكال في كون الأفضل في الخطاب لذوي المتوفي أم هو أفضل للميت ديانة وراحة وأجراً،وهذا يستحقّ تمحيصاً لم نقف عليه ولم يوضحه لنا أحد،لنصل لما كان قبل ذلك من قراءة القرآن على الميت ثم نقضها بمحتسبين ينهون عن ذلك في المقابر مستبدلينها بالدعاء للميت فحسب،وصبّ الماء ووضع جذوع الشجر ونحوها من الأمور التي لها بعض أصل ولها بعض إنكار،ولو دخلنا في موضوع رفع اليدين في تكبيرات الصلاة على الميت وصيغة الدعاء له ونحو ذلك لما كفانا هذا المقام قولاً وتفصيلاً ..

 

واليوم أقول: كيف لنا أن نُعطي لمن مات حقه ومستحقّه مما فرض الله له بالغين أقصى مراتب الإكرام بالحقّ والدين القويم ونحن مررنا بكثير من الأنواع دفنا بها موتانا دون أن يتشابه بعضهم مع بعض في فصول ذلك التجهيز ولا ذلك الدفن،وغابت المبررات والتحريرات التي تجعل من هذا العمل الفقهي الذي خوطبنا به ذا أصل تكليفيّ من الدين بالضرورة في الجزئيات لا في المجموع،ولكنّ الذي أعتقده اليوم بأنّ المسألة تكمن في المبدأ والنتيجة،فالمبدأ الإكرام والنتيجة مواراة الميتّ الثرى،وعلى أية حال وقعت هذه المسألة بعد صلاة عليه فإنها مجزية بإذن الله تعالى في قول أظن بأنه تبيينه للناس وتوعيتهم به من الضرورة بمكان،فالعالمون في الوقت الذي يدفنون فيه موتاهم أو يفقدونهم يحرصون على جزئيات وكأنها قاعدة من القواعد التي لو خالفتها في ذلك الوقت نلت من مشاعرهم وحزنهم في بتوقيت حساس بالنسبة لهم،وبما أن للموت رهبة ولموقفه مكانة وعظمة ذهول فالناس معه ليسو في مناخ جدال ولا نقاش وهم أرض خصبة لقبول ما ليس من الدين ورفض ما كان من الدين في هذه الحالة الخارجة عن إطار بعض العقل على حسب قلوب الآدميين وإيمانهم،فحريّ بنا أن نلوم من سبقنا وعلّمنا أن لم يبلغ بنا مبلغ التأكيد والحزم والجزم والتثبيت لمواضيع كثيرة تخصّ هذا الجانب إلا النزر اليسير الذي يُنسى ولا يذكر،وحريّ بنا أن نجعل من أحكام الجنائز في أبواب الفقه الأولى حين التعليم الأساسيّ،لا أن تكون هي علامة تديّن الناس إن كبروا فيعقدون دورات لكيفيّة غسيل الميّت احتساباً في صورة تهابها الناس وتستهجنها،واعتذارنا لكلّ ميت مات ـ إن نفع ـ عن خطأ ارتكبناه تقليداً وعُرفاً من حيث لا ندري ونحن نزفّه لمثوى سيكون يوماً ما من يزّفنا إليه لعلّ أن يرحمنا ربّنا باعترافنا بتقصيرنا .. والله أعلم

 

المسألة الثامنة عشرة (فقه المرأة وفقه الرجل) 18/9/1435هـ

راجعتُ نفسي في ما تعلّمناه ونحن في طور تهذيب النفس حيال الإيمان بقواعد الشرع الحكيم في مسألة الأحكام الخاصة والتي تتعلّق بجنس الذكر من جهة والأخرى المتعلّقة بجنس الأنثى من جهة أخرى،وجمعتُ شتات ذلك التعليم لأجده محاطاً بفكرة عامّة تقتضى الفصل بين الرجال والنساء في تلك المسائل لنفهم قاعدة عامّة استخلصناها ورسخت في أذهاننا وإن لم تكن ذات كتابة وتصريح وهي (كلّ أمرٍ لا يجوز للرجل رؤيته من المرأة جاز للمرأة رؤيتها منها والعكس صحيح) وإن خرج عن هذه القاعدة بعض أمر في توجيه خجول وقليل لم يلقَ اهتماماً،حتى صار ترك النساء مع النساء والرجال مع الرجال والبنات مع البنات والأولاد مع الأولاد محلّ أمانٍ غير قابل للنقاش طالما ليس هناك (اختلاط) كما تعوّدنا أن نرى ونسمع ونُسلّم ونفهم،حتى غدا الاطلاع على بعض فقه في غير ما كنّا نتعلّمه من أحكام تتعلّق في إفضاء الرجل للرجل والمرأة للمرأة في الثوب الواحد مثلاً من قبيل الغريب والنادر وغير الضروري،حتى زُرعت هذه الثقافة فينا ـ ورغم وجاهة احترام القول بعدم جواز الاختلاط بالكلية ـ إلا أن ترك الأمر على العموم جعل منّا بيئة صالحة للاختباء في هذا الثوب من التعمية والتغطية لتحدث أمور وأمورٌ لم نضع لها توجيهاً يجعل جيلاً بأكمله يعرف كيف يتعامل معها ويحذر من مغبّاتها،وحقيقيٌّ بأننا كنا سابقاً في بعض عذر نثق في نساء ورجال عهدنا منهم التربية الدينية والأخلاقية المجتمعيّة محميّين من انفتاح لم يحن أوانه، لكنّنا استفقنا بعد فترة وليس لدينا سلاح نواجه به مستجدات المنكر بين كل جنس وحده فما بالك بسلاح هرِمَ ونحن نواجه به منكرات بين الجنسين بعضهما البعض،لم أتعلّم صغيراً من المعلّمين بأنّ هناك منكرات بين النساء والنساء والرجال والرجال غير ما مررنا عليه مرور الكرام في أبواب الفقه من حكم قضائي في جريمتي اللواط والسحاق والعياذ بالله،لم ينبهنا أحدٌ فقهاً وديناً بأنّ في مجتمع النساء كذا ولم ينبّه أحد النساء بأن في مجتمع الرجال كذا،حتى غدت كلماتنا عن تصوّر هذا الأمر على استحياء كما أفعل أنا الآن رغم طول السنين وتقدّم العمر،كان الأمر فقط على أن مخالفة أخلاقية تقع وعقابها كذا وكذا في الدنيا والآخرة،فجاء جيلٌ لم يعرف عن تفاصيل الأمور والتربية إلا ما استحدثه غيرنا في تربيتنا بعد أن تركنا تهذيب جوامع كلم ديننا شرحاً وتوضيحاً وصراحة،ولا أنس مدرساً درسنا باب (الحيض) من نص (زاد المستقنع) ونحن في الصف الأول متوسط يتمعّر وجهه وهو يشرح ولا يسمح بسؤال ولا استفصال،وكنا نحفظ ونجيب في الاختبار ونحن لا نعرف ما الأمر غير ابتسامات على خجل بين الحين والآخر وعلى ذلك فقِسْ ..

 

 

واليوم أقول: إن لمْ نجعل للدين أصلاً في بدايات تلقّي التعليم والتهذيب بمواكبة انفتاح العصر توضيحاً وإبانة للحلال والحرام ستغلبنا شقوتنا وستصل المعارف للجيل مشوّهة المعالم ذات طابع خفيّ تؤثر سلباً في النفوس إن استمرّت لتصبح بعد ذلك من المألوف فلا نستغرب من مجاهرة بالشذوذ الجنسي والعياذ بالله،وللمرأة مع المرأة آداب وقيم وأخلاقيات وحدود تعامل وكلام وتصرفات،وللرجل مع الرجل قواعد اختلاط وأسس تفاعل وحدود حرية أعمال،ولهما معاً فقه وأحكام واشتراطات،وكوْن الأمور تنفصل لدرجة لا يعلم هذا عن أحكام وخصائص الآخر تشريعاً وتهذيباً فذلك هو الشرّ الذي منه أتى ما لم نكن نعرف أو نستسيغ،وحين تساهل الناس في اشتقاق ألفاظ التحبّب والتودد بين النساء والنساء والرجال والرجال لتسمع ما لم تكن تتوقّع ذهب الحياء ونقص الإيمان واكتفى بعض أناس بنزوات حيال جنسهم مسامحين أنفسهم وغيرهم بأن لا اختلاط في الأمر لتصل الأمور لزرع الثقافة الروحية في عشق الرجل للرجل والمرأة للمرأة هوى واستحساناً وهياماً وإن لم يرتكب أحدهما جريمة مسّ من لواط أو سحاق،وإنّ عدم اعتبار أقوال عند بعض الفقهاء في مجال وجه المرأة وتعامل الرجل مع المرأة وحديثه معها في مجال واسع وكبير وما شابه ذلك جعلَ من هذا الرأي حين أثير يوماً ما غريب الأطوار ذا قبولٍ عند بعضهم دون إعلان وذا نفور عند بعضهم مع استحسان عقل وأصل،ليجيء التناقض قولاً وعملاً في خلط أوراق لم تُبق ظهراً ولم تقطع أرضاً،ومن فهِمَ توجيه الله تعالى للطرفين حين قال (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) وقال (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ) يفهم بأن طبيعة الغضّ عن شيء معيّن ووجود ما أُمِر الغض عنه من طبيعة الحياة التي يأتي الشرع ليُحكم تصرّفاتها،فلنعتذر جميعاً لكل ابن وبنت لم نجعل لهم من بعض تصريح في تأديب وتعليم وشرح وتنبيه عن كيفيّة المحافظة على الفطرة السليمة للإنسان السوي بما حفظه الله تعالى حين قال (ولقد كرّمنا بني آدم) ليصل بعضهم وبين أظهرنا للمثليّة الجنسية لدرجة أنهم يحتاجون لعلاج نفسيّ وتدخل طبي مع إعادة تأهيل .. والله أعلم

المسألة التاسعة عشرة (القتالُ أمِ الجهادُ في سبيل الله؟) 19/9/1435هـ

راجعتُ نفسي في تراوح ألفاظ القرآن الكريم في الأمر بين قوله تعالى (وقاتلوا في سبيل الله) وقوله تعالى عن المؤمنين ووصفهم (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله) وقلتُ لهذه النفس التي أحمل بين جنبيّ لعلك تتجرّدين من الهوى والشيطان لتفهمي مقتضى أمر ربّك،واستعدتُ بيان الأقدمين لكتابٍ في الفقه أسموه الجهاد ولم يسمّوه القتال رغم أنّ الفقه هو الأمور العملية ولا تعلّق له في الاصطلاح الخاص بالحديث عن جهاد النفس ونحو ذلك،ووضعتُ نصب عيني بأن قتال النبي صلى الله عليه وسلّم وأصحابه للمشركين لم يحصل إلا بعد إذنٍ من الله في الآية المعروفة (أُذن للذين يقاتلون بأنّهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير) لكنّي تعلّمت في مقاعد الدراسة الشرعيّة بأنّ فقه الجهاد بمغنى القتال هو تفصيلٌ لأعمال تقتضيها حالة الحرب مع عدوّ وكيف يفعل المسلمون حينها وما بعد ذلك من أمور تترتّب عليها مادياً ومعنوياً،وكان الأمر في عامّة ما تلقّينا من تعليم بأنْ لا قتال ابتداءً إلا بأمرين (سببٌ وإذن) أما السبب فهو ما جاء في آية الإذن السابقة وأما الإذن فهو من صاحب الصلاحية حين يكون مسلمون على أمر واحد ولو كانوا فئة،والغريب بأنّ كل تركيز في ذلك التعليم كان على استبعاد مثل هذا الأمر تطبيقاً إذ الأمور على ما نحن عليها من أمن وأمان وعافية ومع ذلك كنا إذا حضرنا محاضرة أو ندوة أو وعظاً دينياً خارجاً عن إطار الدراسة النظامية من باب النشاط أو مستلزمات نوعية التعليم نجد من الدعوة لجهاد بمفهومٍ حصره قائلوه في أن لزومَ وجود كافرين يقتضي لزوم قتال دعوةً لدين الله مع استغلال عاطفة لا يخلو منها قلب مسلم حيال مسلمين ظُلموا في شتى بقاع الأرض،حتى وصل الأمر إلا أن من درجات إنكار المنكر ما يكون باليد فأسقطَ من أرشد ووعظ هذا المعنى على قتالٍ استعجالاً وحميّة من غير أصل علم،ولمّا وصلنا في دراسة الفقه لقتال أهل البغي وهو فصل من أبواب الجهاد الذي ذكرته سابقاً حمله بعضهم في ذلك الزمان على من يخرج على الإمام وحمله أهل الوعظ والخطابة اللامنهجيّة في الخطب والأشرطة التسجيلية على قتال المخالفين صراحةً أو بطانةً،وتشتّت العلوم في ذروة سنام الإسلام ذي المعنى العظيم في مغالبة الهوى لينحصر في بعض أجزائه وهو (القتال) رغم أنه كرهٌ مع فرضه إن توجّب،ولم يستطع أحد في تلك المرحلة تحرير محلّ نزاع ولا خلاف ولا تباين وجهات النظر إلا من نأى بنفسه وقبض على دينه وعبد الله حتى مات أو عجز،ولمستُ حين راجعت نفسي مراحل دارت فيها هذه القضية من صمتٍ واقتصار على فقه عمل،إلى مجاهرة بعداءة لكل مخالف ووجوب قتال،ثم إلى نصرة معتدى عليهم بقتال ومشاركة جسدية،ثم إلى شكوى وتذمر من حال جهاد وبيئة فوضى ونظرة تشكلت عند العالم عن الإسلام،ثمّ إلى شبه إنكار لمبدأه الأصليّ كردّة فعل،ثم إلى عودة لتخبّط فتوى واجتهادات ضلال في عصرنا الحاضر ..

 

 

واليوم أقول: عبّر ربي عن القتال بقوله (كُتبَ عليكم القتال وهو كرهٌ لكم) ومن يتتبع كل الفروض التي جاءت في القرآن بلفظ (الكتابة) كالصيام والقصاص وغيرهما يجد بأن هذا يعني في الغالب أمراً مفروضاً لوجود سببه،والسبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم،ولا يغني وجود بعض سبب عن تحققه بالكامل خاصة ما يتعلّق بنهايات الحياة والأرواح التي صانها الله تعالى،ومن أقوى أسباب القتال ظلمٌ واقع في دين أو نفس أو عرض أو مال وحدة وجماعة،واليوم لا يستطيع مسلمٌ أن يتحقق من هذا الظلم إلا ما يقع في بلاد فلسطين من اليهود وفي نقاش وضعهم على عكس ما يتحمّله من أُعتدي عليهم نقصان دين وجرأة على الله،وأما كافة الاجتهادات التي نراها في مشرقنا ومغربنا والتي تكوّنت ليكون المسلم عدوَّ المسلم بعد أن حكم عليه بالكفر فاستحل قتاله ودمه زاعماً الاستدلال بأي الذكر الحكيم حين قال تعالى (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) فتلك مصيبة المصائب حين غابت الأسئلة في ذهن من تحمّس بجهل وتصرّف في ضلال،ولم يقل لنفسه من المستنصَر ومن الناصر،وما معنى في الدّين،وأين اللحمة والرأي الواحد وجماعة المسلمين،وأين الشورى وأين بيعة لولي أمر وأين شر أعظم من خير مظنون وأين حرمة دماء المسلمين وأين بالتي هي أحسن وأين واقع نعيشه لا يأمن فيه مسلم من مسلم مع أمنه في غالب ظنه في بلاد الكافرين،وأما هذا الذي شاع في فدائية جنون وإرهاب في بلاد المسلمين فغالب ظنّي واعتقادي الشخصي بأنّه استهداف لشباب يئسوا من الدنيا فشارفوا على الانتحار فتلقاهم في سوق الانتحارات نوعان من تسويقه أحدهما انتحار على مبدأ عند الغرب لم يرق لمن له بعض أصل دين وثانيهما تضليل وتدليس وتلبيس بإغراء شباب بموت وجنّة وخروج من الدنيا لما هو أجمل استغلالاً لحالهم وضعف قلوبهم وغياب صبرهم على أمراض نفوسهم،فماذا أنتج هؤلاء؟واليوم يجب أن يعتذر كلّ من أخذ بيد هؤلاء للجرأة على فوضى الفتوى بالقتال والخروج والتفجير والاستفداء للمسلمين عموماً ولمن مات بسبب فكرة كهذه من الطرفين البريئين والمتّهمين ولجيل بأكمله ملأه خطأً وعظٌ وغلطُ إرشادٍ في غير محلّه وأصله .. والله أعلم

 

المسألة العشرون (النيّة) 20/9/1435هـ

راجعتُ نفسي في من قال لنا قديماً هذه القاعدة (النية محلها القلب والتلفظ بها بدعة) ولم أستغرب في الوقت الحالي أنني لا زلت معتقداً بأن محل النية القلب دون شك وريب،وإن كانوا يعرّفونها لنا بأنّها (القصد) وذلك يعني عزم القلب كانوا يصرّون على حماية هذا التعريف ليكون مصوراً في الجّنان غير خارجٍ منه لا بدلالة ولا بعلامة غير الشروع في العمل والبدء فيه،ومع أنّ كثيراً منا عاش مع آخرين نسمع نيّاتهم ومقصودهم من أعمالهم قبل شروعهم في الصلاة أو العمرة أو الحج أو أي من العبادات العملية المطلوبة من المسلم إلا أننا مكثنا فترة تجاه هذه التصرفات نصفها بالمنكر ونستغرب قولهم وتحديدهم نيتهم لرب يعرف خائنة الأعين وما تخفي الصدور،ولا نتردد أن نقول لهم (قل أتعلّمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الأرض) ولقد أفتى قديماً لي من يعلّمني بعض علوم شرعيّة بأن من تلفّظ بالنيّة ابتدع ومن ابتدع فقد أتى بما ردّه النبي صلى الله عليه وسلم وفق الحديث فعمله بهذا الاتجاه باطل،وسرت الأمور على هذا وأنا أنصح جدتي رحمها الله تعالى وهي العابدة الساجدة وأنا ابن بضع عشرة سنة أن لا تتلفّظ بالنيّة وكانت تبتسم وتقول لي (الله يهديك) لكنّ مراجعتي لنفسي في عمدة الأحاديث (إنما الأعمال بالنّيات) جعلتني أقول بأنّ القوم ذهبوا بنا بعيداً في منأى عن قريب رأي وظاهر بيان غير الذي كنّا نعلم ونرى،ودليل ذلك غياب التركيز اليوم على مثل هذا التوجّه وغياب من يحلّل ذات التحليل من نفس المدرسة والاتجاه ويفتي به ..

 

واليوم أقول: بأنّ قوله صلى الله عليه وسلّم حصراً (إنما الأعمال بالنّيات) جعل النية معتبرة شرعاً بحيث لا يكون عمل من غير نية،وحين يتضح ذلك يلزم منه كون النية أمراً خارجاً عن العمل منفصلاً وحده وإلا لما احتاجت لبيان وحصر،وحين يثبت ذلك كانت النية بحد ذاتها رغم ارتباطها بغيرها عبادة عملية،والعبادة العملية ولو كانت بالقلب فقد جعل اللسان على الفؤاد دليلاً،ومن ذلك أن لا يكون اشتراط التلفظ بالنيّة هو تلفظ بها بقدر ما هو تلفظ بأنها قد قصدت وعزم على ما نواه الشخص،كمن يقول صراحة وبالأمر الشرعي (اللهم لبيك عمرة) ثم يستثني صراحة (اللهم إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) وترتب نوع النسك على ذلك ظاهر وحال ومعلوم،فالذي أظنه شخصياً أن من تلفظ بما نواه لم يبتدع البتة فقد جاء بما طلبه منه الشرع بنفس الصيغة في مكان آخر كما بينته،ولعلّ انقسام الناس وفق تحليل الشخصيات إلى سمعيين وبصريين ونحو ذلك من الأمور التي تجعل بعض القلوب لا تتجه للمقصود من غير صوت من داخلها تسمعه دافع لمثل هذه التصرفات المعتمدة على رأي شرعي فقهيّ ولا ريب عند من قال بها،ومع ذلك فالتلفظ بها ليس بشرط،ألا ترون بأننا نناجي ربنا وهو أعلم بما في قلوبنا،مع فارق القياس حين التفصيل لكنّه في ذات المساق وإلى ذات المعنى يقود،وبذلك لعلّ من قال يوماً بأن التلفظ بالنية إثم والجهر بذلك أكثر إثماً وفعل ذلك نقص عقل يلتمس للناس عذراً حين يتضح له بعض ما يراه غيره،فحسبي أن أعتذر لجدتي الفاضلة التقية رحمها الله تعالى أن تفلسفتُ على جنابها وأنا صغير ظننتُني من علماء الأمصار وأنا لم أبلغ معشار ما علّمتني إياه .. والله أعلم

 

المسألة الحادية والعشرون (عدة غير المدخول بها سبب في فهم الخلوة والنظرة) 21/9/1435هـ

راجعت نفسي في قناعة سابقة لديّ بوجاهة القول بأنّ الاعتماد في دخول الرجل بالمرأة بعد العقد أن يرفع نقاباً أو يغلق باباً أو يكون وإياها في خلوة في عموم حكم،وبذلك تكتسب صفة المدخول بها عدّة إن طلقها وتخرج من عهدة عدم العدّة في آية (فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدونها) ووجدتُ نفسي قد مضيتُ مع هذا الرأي عقدين من الزمن أجيب من سألني به وأنتصر له لا لشيء سوى أنه الذي درستُه وتعلّمته باستدلال من نصوص اجتهاد من أهل علم وفقه ودراية،وحين مضى الزمان بهذا القول وقلّ في الناس من لا عدّة لها بسبب أن غالب النساء بعد العقد في حكم المدخول بهنّ على هذا القول العام،وجنح البعض للرجوع للحكمة من العدّة بعد الطلاق بالذات لما في ذلك من استبراء للرحم خوفاً من اختلاط الأنساب وإعطاء فرصة للزوجين في التراجع إن صلُح طلاقهم لذلك وجد كثيرٌ حرجاُ كبيراً في عدّة لا لسبب لها سوى شبهة دخول والأصل فيه المس،ولزمت المرأة المطلقة قبل الدخول الحكمي سُبّة  من غير ميزان،وانحرف الرأي ليطال بعض الاحتسابات المالية المادّية حين موت الزوج ونحو ذلك عند من يشترط الدخول ولو ندَر،ومن ذلك وافق هذا الرأي الحكم بالخلوة غير الشرعية في وجود أجنبية من غير المحارم مع رجل باعتبار الخلوة ذات ما يعنيه الدّخول عند من قال بما سبق بيانه،ولهذا الربط العجيب وجدنا من بعضٍ ما أظنّه إجحافاً في حق الحكم بالخلوة غير الشرعية في غير محلّها لنعاقب أحداً عليها،ووجدنا تضييقاً في النظرة الشرعية للمخطوبة،واتساعاً في حين آخر من غير مبرّر منضبط شوّش القناعة والاطمئنان للرأي المعمول به في التعليم حتى حين ..

 

واليوم أقول: بأنّ للشرع نحو الأمور اعتباران أحدهما حقيقيّ والآخر حُكمي،ومن ذلك معنى الدخول المرتبط بالعدة وجوداً وعدماً،ولا يخفى على الجميع بأن المعنى الحقيقي وهو المس والعلاقة الحميمية بالمرأة تعني الدخول بلا إشكال ولا نزاع ولو لم يقصدا الدخول بالمعنى العرفى وهو الزواج والبناء بحفلة ونحو ذلك،لأن ما تحقق تابعه تحقق هو بالأولى،وجلّ كلامي على المعنى الحكمي والاعتباري،وفي ذلك أعتقد بأنّه ما لم تحصل (الدخلة) أو البناء كما يعبّر المجتمع وحصل طلاق فلا عدّة ووجَب نصف المهر فقط تطبيقاً لمقصود النّص،وذلك بشرط أن يتحقق عدم المعنى الحقيقي وهو (المس) والقول في هذا قول الزوجين وهما مصدقان ديانة في الأمر،وإن اختلفت أقوالهما فالقول قول المرأة كسائر الأمور المتعلّقة بها حيث يقبل كلامها في الخروج من العدّة والحمل والرضاع،ولأنّ الزوج في هذا متهم بسبب بذل المهر لو قالت حصل الدخول وزعم هو عدمه،ومن ذلك أن لا اعتبار لمعاقبة الناس على خلوة غير شرعية كما يعبرون لا تنسجم وما أظنّه هو المسلك السليم في البناء والتحليل،كما لا مجال لأن تكون النظرة الشرعية للمخطوبة مقصودة لعينها وبحضور وليّ أمرها ونحو ذلك من أمر لو حمّلناه نصّ الحديث لما احتمله في رأيي واعتقادي الشخصي،لتكون النظرة الشرعية الواردة في الحديث أيَّ نظرة يحصل بها للخاطب اطمئنان رغبة في غير ما كان حراماً،والناس في ذلك أعرافٌ وثقافات،وهنا يسوق الاعتذار لمن حُبِسَتْ عن حق من غير حقّ واضح بفرض عدّة قد لا تكون ذات وجوب أو على العكس هُضّم حقها من نصف مهر هو لها بزعم عدم دخول،وللذين أخذوا بجريرة الخلوة غير الشرعية في تعنيف عقوبة كان أخف منها أولى بها ولمن وصَمنا حياتهم بذلك في معنى للدخول،ولامرأة اعتبر بعضنا أنها سلعة تُرى لتُشترى أو لا في بروتوكول نظرة شرعية زعموا أنها كذلك عن قصد وفي نصوصنا مندوحة لما هو أسمى .. والله أعلم

المسألة الثانية والعشرون (وقّروا كلام الله) ١٤٣٥/٩/٢٢هـ

راجعتُ نفسي كما فعل غيري في تخمة أصابتنا طيلة سنوات مضت مما تسمّى بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم والذي أراه في اعتقادي تنزيلاً للنص المقدس على نوازل واكتشافات علمية تجعل مما رآه الزاعمون هو مقصود كلام الله فقالوا في ذلك ما قالوا وحلّلوا وربطوا وراج سوق حديثهم وإقناع طرحهم في كل مكان من عالمنا الإسلامي زاعمين بأن من تبعات ما يشتغلون به دعوة للإسلام جذبت الناس فدخلوا في دين الله أفواجا،ولا يمكن أن يغيب عن ذاكرتي وأنا في سن الخامسة عشرة يُذهب بنا إلى محاضرة الشيخ الزنداني أتذكر منها حديثه عن قوله تعالى (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان) ثم ذُهب بنا وأنا ابن ثمان عشرة سنة لمحاضرة للدكتور زعلول أتذكر منها حديثه عن قوله تعالى (ومن الجبال جدد بيض وحمر) وكنا نتعرض قبل تلك المحاضرات لتهيئة نفسية تسمح بقبول القول لا من جانب علمي بل إنه إعجاز حيث قيل لنا الأعجاز أن القرآن سبق لأمر اكتُشف حديثاً،ونتعرض لعامل من تثبيت ذلك التوجه بعد المحاضرات بأن يستمر لدينا الأنبهار مما لم نكن نعلم مكبّرين ومسبّحين،وكنت أقول بأنه وفق ما خُيّل لنا بأن الإعجاز هو ترك الناس يبحثون حتى إذا وجدوا عادوا ليعرفوا بأن ما وصلوا إليه في كلام الله موجود،وفي هذه النظرة البسيطة تراوح كلام المتقدّمين والمتأخرين في مجال إثبات إعجاز علمي في القرآن بهذه الطريقة التي أول ما بُدِأَ بها حين قالوا عن قوله (ويخلق ما لا تعلمون) بعد ذكر وسائل الركوب من الخيل والبغال والحمير بأنها دالة على ما نحن فيها من سيارات وطيارات ووسائل أخرى،ولم يتورّع أحد ممن انتصر لهذا المبدأ من تعجيز كلامه بالقرآن وجعل كلام الله ـ وحاشاه ـ خاضعاً لما يزعمه من نظريات مع أن  ربي قال (لظلت أعناقهم لها خاضعين)،واقتفى أهل العلوم التي أتت بقالب جديد من إدارة الذات والبرمجة العصبية ونحوها من التناولات القابلة للين ما تقتضيه الأحوال فأسقط كل قاص ودان كلامه على النصّ قرآناً وسنّة من وحي ربي إلى من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلّم زاعماً بأنه دالٌ عليه وربما ذهب بعض منهم إلى أنه عين المقصود وتلقفناه بالرضا لمخاطبته العواطف الإيمانية الفطريّة ..

 

واليوم أقول: بأنني وغيري نعرف بأنّ الله تعالى قال عن كتابه بأنه كلامه وكلام الله صفة من صفاته وصفات الخالق جل وعلا ليس من مبدأ فيها للمؤمن إلا (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) وإيمانٌ مثل إيمان الفطريين والأمّيين الذين شاع فيهم قول حكيم (كلّ ما خطر في بالك فهو مخالف لذلك) فإذا استقرّ هذا في الذهن فالله يقول عن كلامه بأنه قرآن ويقول (ولو أنّ قرآناً سُيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتي بل لله الأمر جميعاً) ومن يفهم ذلك يؤمن به يعرف بأنّ من يحيط بمقصود الله تعالى يكون قد خالف ما اقتضاه حكمه الكوني حين قال (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) وليس معنى هذا التحليل نفي ما توصّل إليه العلم وبأن في القرآن إشارات على كلّ ما يصل له الإنسان من اكتشافات لأنه مداد التأثير في الكون بما نصت عليه الآية السابقة،لكنّ الحرج الذي وقع فيه أهل ترويج الإعجاز العلمي هذا وبهذه الطريقة المشوّهة بأنّ مثل قولهم هو إعجاز للقرآن فهم راحوا يحاولون إثبات الإيمان بغير ما يليق بكلام الله تعالى،فحاشا لله تعالى أن يكون إعجازه في كلامه الذي هو صفته للبشر الذين هم من خلقه وللكون الذي هو من صنعه بصفات للجنين ومراحل له أو بطبقات الجو العليا أو بحياة في حيوان معيّن دلت آيات على ما قال الله فيه وهو الحق،وهو الذي أعجز البشر أن يأتوا بمثله او مثل بعضه،والحقّ أن يقال عن ذلك بأنه عين الحق لأن الله قاله وعقولنا وإمكانياتنا هي التي قصرت عن فهمه لأن الحق قال (بلسانٍ عربيّ مبين) والإبانة تقتضي فهم السامع والمتلقي واستيعابه في أصل الخطاب،ومن يقول بهذا الكلام في الإعجاز وبأنه اكتشف للقرآن فرادى إعجازيات لزمه أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلّم لا يعلم ذلك،ومعاذ الله أن يخاطب نبيّه بما لم يفهمه،ومعاذ الله أن لا يسأل النبي صلى الله عليه وسلّم ربّه عن أمر ورد في كتابه،ومعاذ الله أن يكتم النبي صلى الله عليه وسلم علماً أوتيه بنص الكتاب،ومعاذ الله أن لا يفهم الصحابة كلهم المقصود ولم يستفصل ولا يستفهم منهم أحد،ثمّ من ادّعى بأن نظريته العلمية أو الواقعية التجريبيّة التي اكتشفها وعزاها للقرآن هي معنى النص القرآني فقد وضع نفسه في اختبار السنين والأيام حين يظهر غير ما قال أو عكسه أو زائد عنه،وحينها يكون قد قال في كتاب الله ما لا يعلم،وأمّا مكتشفون على غير ديننا وقيل لنا بأنهم آمنوا بسبب أن القرآن وافق ما توصّلت له عقولهم في العلوم التجريبيّة فذلك والله موضوع تلبيس وتدليس ولو كان القصد طيباً وحسناً،فقد وضعوا أنفسهم وكلام ربّ العالمين على طرفي استواء فوافقهم فآمنوا وهذا والله من أكثر الهراء والكذب والافتراء،في اعتقادي بأن كل الهيئات واللجان التي عقدت وسميت بهذا الاسم الإعجاز العلمي في القرآن يجب أن تعتذر لعقول العرب والمسلمين بالذات فالقرآن وكلام ربنا أكبر من ذلك،أو تدافع عن نفسها بحجّة لا نعلمها فنذعن ونسلم .. والله أعلم

المسألة الثالثة والعشرون (بيت المقدس وأكناف بيت المقدس) 23/9/1435هـ

راجعت نفسي الأمّارة بالسوء في تاريخ ما يقبع بداخلي تجاه مرابطين عند بيت المقدس وما حوله في فلسطين منذ أن كنت طفلاً وحتى اليوم،فوجدتني في غاية السلبية النفسية مع يقيني ووازع ديني بسبب مني ومن تنشئة عامّة اضطربت بين تصالح مع أصل القضايا المستحقّة في وجهة نظر تجاه قومٍ غاصبين ظالمين وقومٍ مُعتدى عليهم ومهجّرين،ومسجد أقصى هو للمسلمين كافّة هوية إيمانية راسخة في كتاب الله تعالى في علاقة بين مسجدين مباركين (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) وأتذكر مراحل من العمر نعمنا في اطمئنان حال بأن فلسطين هي قلوبنا وهي أنفسنا بل هي الرؤية التي من أجلها يعمل كلّ مسلم،وكما تأثرت كل النظريات بنوازل الزمان تأثر الطرح والتناول وتحولت الثقافة من عمود راسخ في مبنى الإصرار على التربية بفلسطين إلى وجود ذات القضية كحقبة من التاريخ تدرس وتقرأ ويتطرق لها حسب الحال،وصحيحٌ أن لم يتجرء مسلم يصلح إسلامه على مصادرة الحق بباطل إلا أن ضعف الأخذ بزمام المبادرة في تهذيب الإحساس بشريان فلسطين النابض بدم مسلمين من نسيهم نسي نفسه ودينه عدوّه الأكبر،وقلتُ لنفسي ما الذي أوصل بعض مجتمعات أن يقفزوا على كلّ الاحتمالات ويجاهروا بسوء تجاه مسلمين تراق دماؤهم من صهاينة معتدين ولا يتحرّك له جفن ولا قلب ؟ أخشى من عقود تأتي بما لم يأت به هذا الزمن من فواجعنا في أنفسنا قبل عدوّنا ..

واليوم أقول: اللهم اغفر لي خطيئتي يوم الدين ويوم يبعثون ولا تؤاخذني بضعف نفسي وتقصير يقيني بحقّ إخوة في دينك لا تزال تذكرنا بهم يا ربنا في كل كتابك وذكرك الحكيم لكنني كنت من قومٍ خاطئين،وأقول وحدها (فلسطين) هي الحبل الرشيد والأصل الشديد الذي فيه وحدة الاتجاه نحو ثوابت العداء بين مغتصب وصاحب حق يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله،ووحدها (فلسطين) هي التي تؤكد لكل شاكّ في أحداث آخر الزمان ووعد الله للمسلمين بالنصر على من اعتدى وغصب وتجبّر وطغى في كفر وزندقة وإهلاك حرث ونسل،وأقول بأنّ تقصير إيضاح رؤية ذات تعليم مؤسساتي يفصل للقوم ما يجب عليهم في قلوبهم وقناعاتهم ورؤيتهم وألسنتهم على الأقل تجاه قضيتهم الكبرى باعتبار أنها من الدّين بل من أصل الدّين والمعلوم منه بالضرورة هو السبب في تنامي الجرأة على النسيان،ثم تعالي أصوات المستهزئين من المرجفين والمنافقين الذين لا يعنيهم من الإسلام سوى أنه دين مكتوب في بطاقاتهم وأوراقهم الرسميّة،ولعلي أقول بأن تجهيز وتهيئة كامل العالم الإسلامي بمؤسسات ذات مهنية عالية مناسبة للوقت والعصر والزمان في الإبانة للحق الثابت في هذه القضية الأصلية ونفض غبار التشويش المقصود وغير المقصود هو الواجب قبل أي بكاء أو عويل أو تعاطف وقتي،مع أنني معترف بأن لوازم الدين تعني التوجّع لأذى يصيب مسلم،وتوابع توحيد ربّ العالمين تقتضي التألم لهذا المصاب الجلل للمسلمين،فأي جسد واحدٍ حققناه بتوجيهه صلى الله عليه وسلّم ونحن في هيئة جسد بعدت علينا فيه الشقّة ولا يصل إحساس لأجزاء منه ولو بالصّعق الكهربائي،وهنا معذرةً إلى ربّنا إنا كنا خاطئين،ومعذرةً لأقصانا إنا كنّا نائمين،ومعذرةً إلى إخوتنا إنا كنا لاهين،ومعذرة إلى أنفسنا أن ضاع منها بعض عمر من غير فلسطين .. والله أعلم

المسألة الرابعة والعشرون (النّصارى واليهود والمجوس والمشركون والكفار) 24/9/1435هـ

راجعت نفسي في مسائل تعلّمناها في أبواب الفقه عنيت بتعامل المسلمين مع غير ديانتهم حين يحكمون أرضاً ويستتبّ لهم الأمر،واقتصر التلقّي حينها منذ مرحلة تدارس الفقه التلقيني حتى الجامعة على إيراد الحكم وشرحه والاستدلال عليه وتوضيح خلاف حصل بين فقهاء في جزئية من جزئياته،وسألت نفسي يوماً ما عن أصل حكم المسلمين وأصل حكم غيرهم،ووجدت في ذلك الوقت بأن الله تعالى هو الذي جعل الأيام بين الناس دولاً،وجعل الحكم لفئة دون اخرى وربما عادت لفئة نزع منها أو آلت لفئة أخرى غيرهما،ولكنّ الإسلام وكونه دين ارتضاه الله تعالى للبشريّة لا ينفكّ داخلاً في التعامل حين يكون الحاكم مسلماً ومن معه مسلمون ولو بين جنباتهم وفيهم من لا يدين بدينهم،ورغم فهمي الصغير لهذه القضية في أوان تعليمي إلا أنني كغيري لم نجد شفاء غليل في تغاير التطبيق بين زمن وزمن،وقوم وقوم،وحكام وحكام،وطريقة وصول وطريقة وصول،فرسَخ في أذهاننا الحكم على هيئته التي تركها بها مصنّفو وشرّاح الفقه بأمثلتهم التي كانت توافق زمناً كتبوا فيها تلك الكتب،وصحيحٌ أنّ القرآن الكريم أورد ألفاظاً كالتي في عنوان هذه المقالة وشرحها أهل التفسير وربطوا بينها بأسلوبهم اللغوي لكنّنا افتقدنا ميزة الوصف وأهمية التعبير في الاصطلاح القرآني اعتماداً على أن الله تعالى هو الحكيم ولا يقول من القول إلا ما له مراد وغاية علمنا ذلك أو جهلناه،ولمّا استقرت هذه المعلومات على هذا الخط في ذهني وذهن من هو مثلي لا شكّ حين استدعائها بما يحدث في هذا الزمن تجد عجباً وترى منكراً وتقرأ فجوراً،رغم أنّ من أضرّ بالمسلمين يستدل بأدلتهم ويقرأ قرآنهم ويزعم أنه يفهمه كما يفهمونه إذ في تطبيقه ذات ما هو موجود في الكتب ولو لم يكن ذا تحديد وقياس صحيح ..

 

واليوم أقول: بأنّ الله تعالى وهو الحاكم أوجب الرضا بما قضى به في كتابه،ومن أقضية رب العالمين أن سمّى فئات من الناس بأسماء على حسب ديانتهم وأفعالهم العقدية،فهو الذي سمّى النصارى واليهود والمجوس بهذه الألفاظ،وهو الذي نعت معاندي مكّة بالمشركين،وهو الذي قال عنهم جميعاً بأنهم كفّار،ولسنا نحن من أطلق هذه المسمّيات،والاتجاه نحو هذه الأوصاف بحسب الفعل دون أي اعتبار لعين من يفعل هذا الفعل أياً كان،وقيمة الوصف بالغة التأثير في الأصليّ منها،ولذلك أعتقد بأن التعبير القديم المصطلح عليه في كتب الفقه بقولهم (الكافر الأصلي) يجب أن يكون ذا عناية حين التعليم ليفهم من يتعلّم المعنى حين يذهب ببصره للواقع الذي يعيشه من حوله،وفي ذات السياق يجب أن لا يكون في تحديد مناط تلك الأوصاف ضعفُ تبرير لترضى عنا اليهود أو النصارى ونحو ذلك،أبداً،لأنّ الأصل سماحة الإسلام وعدم عدائيته لأحد لم يكن عدواً لله ورسوله،فما بالك حين وزّع القرآن القرب في المودّة بين اليهود والنصارى والمشركين وهو أعلم بما يدعوهم إليه تحريف كتبهم وتزوير حقائقها وطبيعة الإشراك بالله تعالى،فمن الضروري أن لا يصبح العالم اليوم مسرحاً لتمثيل قصة قديمة حصلت فيما يناسبها من الوقت ليسقط بعض الأشرار نصوصاً قرأوها وما وقر في صدورهم شيء منها على واقع آخرين بحجّة كلام حقّ أريد به باطل،وهذا النبي صلى الله عليه وسلّم الشاهد البشير النذير السراج المنير من يقرأ سيرته وسيرة إدارته لدولة الإسلام يعرف الفرق بين من أسس بنيانه على تقوى من الله وبين من بنى على شفا جرف هار فانهار به في وحل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق،لذلك وبصفتي مسلمٌ أشهد بما شهد به النبي صلى الله عليه وسلّم وصحابته اعتذر لقوم نصارى في العراق زعمَ أهل خطأ وحيف بأن عليهم جزية وسلبوا منهم أرضهم وديارهم وأموالهم وما ذلك من دين الله في شيء غير الإساءة لدين حفظه الله من كل تحريف حتى تقوم الساعة .. والله أعلم

المسألة الخامسة والعشرون (ثوب الشّهرة) 25/9/1435هـ

راجعتُ نفسي في معنى حديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم الذي جاء فيه بأنه نهى عن ثوب الشهرة،وعن الشهرتين،ووعيد من لبسه ونحو ذلك من الأحاديث بطرق مختلفة وروايات متعدّدة،وتذكرت بأنّ دراسة هذا الحديث بالذات جاءت في باب اللباس عند تعليمنا من مدرسينا الفقه الأوّلي،ولا أستطيع أن أنسى بأن من مثّل لنا في تلك الفترة بمثال لنفهم المقصود قال لنا (كمن يلبس ثوباً أحمر) فتعجّبنا وقلتُ في نفسي حينها ومن يلبسه! رغم أنّ ذلك الزمن ليس ببعيد من وقتنا هذا وكان هناك من ملبوسات للرجال والنساء غير ما تعوّدنا عليه لكننا حُرمنا التمثيل فقبعَ المعنى في ذهني وفي ذهن غيري من الذين هم مثلي عارياً عن حقيقة الاستيعاب وصريح الحكمة المقنعة،وتوسّمت في نفسي خيراً حين انبريت لنصح الناس وإرشادهم في ذلك الوقت لأن يقتصر لبسهم على الثياب دون ملابس كانت تعدّ لمن تفرنج وتشبّه بالكفار وأنا لا أملك غير مختصر من هذا الشرح الذي ذكرت،رغم أننا في ذلك الزمن كنا نلبس غير الأبيض في الشتاء مما له ألوان تتغاير حسب المكان والعرف السائد،وعدتُ لنفسي اليوم قائلاً كيف مثّل لنا معلمنا باللون الأحمر وقد جاء في بعض أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم بأنه ظهر لأصحابه وهو يلبس حلة حمراء،فعذرتُ نفسي حين تخبّط المعنى في عقلي طيلة فترات مضت ولم أستطع أن أبلغ الحكمة وأنا أعمل في إدارة المدارس لأستطيع تأثيراً في نفوس طلاب المرحلة الثانوية غير أسلوبي الخاطئ (من الاستهزاء بملابسهم التي أستهجنها ويستهجنها المعلمون دون أن يكون لنا دليل على منع ما يفعلون أو وجاهة حق في الاعتداء على خصوصيات اختياراتهم) ثمّ عدت لنفسي وسكتّ زمناً عن هذا الأمر متغاضياً عن فعلهم خجلاً من سوء صنيعي ولا آلة لي غير شيء من بقية تعليم قليل ..

 

واليوم أقول: بأنّ الأحاديث الواردة في النهي عن ثوب الشهرة والتي تصلح للاحتجاج وفق بيان علماء الفنّ فائقة المرامي في التوجيه النبوي الكريم نحو فحوى كلّ تصرّف حادث أو قديم حيال هذا الموضوع منذ أن تكلم صلى الله عليه وسلم بذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها،وكان الأوجه في مناط التعليم والتلقّي أن يُنحى بالأمر منحى التأطير والتنظيم لنظرية توجيه لا لخصوصيّة لباس،فالقصد من الشهرة والاشتهار ليس التميّز كما ظن البعض في اعتقادي الشخصي،حيث بنى بعض من تكلّم في ذلك على حرص الإسلام جعل المسلمين سواسيّة خوفاً من كسر قلوب الفقراء،وهذا في ظني دنوٌّ مستغربٌ بالنص الشريف القيّم عن بلاغة وحكمة من صدر عنه صلى الله عليه وسلّم،وقصرٌ لغاية الإسلام أنها تسوية من غير عدل على عكس ما نطقت به الآية حين قالت (لينفق ذو سعة من سعته) رغم ورودها في سياق نفقة العيال،وديننا دين العدل وظهور نعمة الخالق على العبد حين رزقه وآتاه من غير خيلاء ولا تكبّر ولا إسراف وتبذير هما من المعاصي والآثام،والقصد وفق اعتقادي الشخصي أن لا يلبس المسلم رجلاً كان أو امرأة من اللباس وما ينطوي تحت مفهوم المظهر ما يجعله عرضة لانتقاد في مشكلة،واستغراب في حدث،وبهرجة في إشغال،وانصراف نظر في غير بيان،وليس المقصد ثوبٌ يشتهر به عن الآخرين،فكثيرٌ من الصحابة والتابعين لمن يقرأ التاريخ تميّزوا بملابس عن غيرهم في ذات عصرهم وهم الأولى بفهم النص،والعادل في النّص أن لا يكون حديث ثوب الشهرة مدعاة لإقصاء كلّ لباس مستجلب خلا من لوازم التحريم الخارجة عن كونه لباساً،ولقد تحدثت العام الماضي في سلسلة (حقوق ومستحقات) عن حقّ المظهر وتطرقت لجزئية الحرّية فيه،واليوم ناسب أن أعتذر لمن ملكتُ يوماً ما أمرهم وأخطأت أيما خطأ في توجيههم بل والنيل منهم كلاماً أو نصحاً غير ذي بال زاعماً بأنني أمارس تربيةً وتعليماً،رغم أنّه للعرف دور وللعادة مكان لكنّ دين الله أحق أن يتّبع في قوله (قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطّيبات من الرزق) .. والله أعلم

المسألة السادسة والعشرون (التبرّع بالأعضاء) 26/9/1435هـ

راجعتُ نفسي فيما تلقّفناه بالقبول قبل عقدين من الزّمن حول جواز التبرّع بالأعضاء البشريّة لمن يحتاجها،وكان اعتبار ذلك الجواز على الاحتياج والضرورة ومن مبدأ أن المحافظة على النفس من ضروريات خمسة تعارف عليها العلماء،وقيل في ذلك بأن للحيّ التبرّع للحيّ بما لا يضرّه كالتبرع بالكلى وأجزاء من الكبد ونحو ذلك،وقيل جواز تبرع الميت موتاً محققاً بكل عضو يمكن أن يستفاد منه في حياة آخر،وبالفعل وجد الناس في ذلك من مقاصد الشرع وفق استحسان المتخصصين لهذا الأمر ما يسّر عليهم حياتهم والتعامل مع مشكلاتهم الطبيّة،وفي ذلك من هذه الناحية الإنسانية عينُ ما ترمي إليه شريعة الله التي لم تأتِ لتجعل على الناس حرجاً أو أغلالاً،ولكنّي راجعت ذلك الاستدلال في مجمله فوجدت بأن أغلب تلك الاستدلالات والطرق التي عليها بنى بعض من أجاز هذا الأمر لا تقود لقوله بالجواز كما أراد،وإن دلت له على بعض ما يقصده ولكنّ الأعم قائدٌ إلى نقيض ما حُكِمَ به،خاصة لمن يرجع ويجمع قواعد فقهية بني بعضها على بعض يجد بعض ثغرات ربما يتضخم معها سؤال هل هذا جائز حقيقةً أم لا؟ ورغم تطرق كثير من الدارسين وفقهاء العصر الحديث لهذا الصدد إلا أن الصفة الغالبة في تلك الدراسات الشكل الإنساني العاطفي نحو من يصارعون المرض الذي أفقد الأمر كمية ضروريّة من الموضوعية ليفهم الناس الحقّ ويستوعبونه ..

 

 

واليوم أقول: بأنّ في رأس المصطلح إشكال،فتسمية المسألة (التبرّع بالأعضاء) تعني ملكيّة العضو،لأن الملكية من لوازم التبرّع،وحين ذاك معرفة حقيقة ملكيّة الإنسان لأعضائه،لأنه ووفق التفكيك نعرف بأنّ الإنسان لا يكون إنساناً من الناحية المادّية إلا بماهيّته التي هي جسده المكون من مجموعة أعضاء،فلولا وجود عضو مع عضو إلى آخره لم يكن هناك شيء اسمه هذا الإنسان ومن يقرأ قوله تعالى (في أي صورة ما شاء ركّبك) يعرف القصد من التركيب،وحين ذاك فمجموع هذه الأعضاء هي الإنسان والإنسان يملك أعضاءه إذن فمجموع الأعضاء تملك الأعضاء وفي ذلك دوْرٌ في الفهم والمنطق لا يقبل منه حكم،ثمّ ولو قيل بجواز الملكيّة عقلاً،فهل تجوز فقهاً وحكماً؟ وتلك مسألة عويصة،إذ لو سلمنا بجواز ذلك لأجزنا بيعها لأن ما جاز التبر هبه وهبته جاز بيعه وفي نظر،ثمّ لو أجزنا البيع فهل ينطبق عليها أحكام البيع من الخيار والردّ للعيب ونحو ذلك أو لا؟ ثم لو قلنا بالتبرّع فهل التبرّع بالأعضاء جاز للضرورة أم على العموم،فإن كان للضرورة فكيف هو تبرّع والأصل فيه التبرع الرضا،وإن كان عملاً إنسانياً مشروعاُ للضرورة فهل يجوز إجبار الابن على التبرع لوالده بكلية مثلاً لو احتاجها وأبى الابن والعكس كذلك،وفي المسألة إشكالٌ آخر متعلّق باستمرار الملكيّة بعد الانفصال،بمعنى أن العضو لو انفصل عن الجسد دون تدخل هل يكون ملك من هو كان فيه يتبرّع به أم هو ملك للتراب أم الدولة؟ وأما أعضاء الميت فالإشكالات كثيرة،ومنها ما قلته في مبدأ التبرّع،والميت لا يملك فكيف يتبرّع،ولو تبرّع في حياته فكيف يتبرّع بأمر لا يستقرّ التبرّع به إلا بعد الوفاة،إذ هي سبب في ذلك،وهل يجوز أخذ أعضاء ميت بغير إذنه،وكيف يستأذن وقد مات،أم استئذانه قبل موته كالوصيّة،وهل هي واجبة التنفيذ،وأما القاعدة في انفصال جزء من حيّ حال حياته فهو ميّت،وقاعدة أن الجزء الذي ينفصل عن الحي يدفن وكونه فيه الخلاف في الطهارة ونحوها كل ذلك من مداخل هذا الأمر،ثمّ وهل لو سلمنا بالجواز وزرع العضو فهل زرعه يملكه للمزروع فيه وهل يجوز له التبرع ما تبرع به آخر،وهل زراعة الأعضاء تدخل في باب الحلال والحرام من ناحية المس والمحارم؟ كلها أسئلة تحتاج لمن يسبر غورها ليأتي بالقول الفصل في ذلك،وهنا وفي اعتقادي الشخصي وبعد أن قرأت في كثير من التقارير رغم نجاح مثل هذه العمليات بأنّ المداومة على عضو في جسد آخر لا تعطيه من الصحة مثل الذي فقده ولو أبقته على قيد الحياة،فإن هذا الأمر مدخل إنساني هام ربما فهمه البعض مما تعمّ به البلوى،لكنني أعتذر لكل أحد فلن أتبرّع بشيء من أعضاء هي جسدي لا في حياتي ولا بعد مماتي .. والله أعلم 

المسألة السابعة والعشرون (الإجابة والفتوى) 27/9/1435هـ

راجعت نفسي مراراً وتكراراً طيلة عشرين سنة مضت في موضوع الفتوى وارتباطها بالدّين وكونها من الأمور التي تستمر مع من أُفتيَ له ربما حتى يلقى الله بسبب من أفتاه،وبذلك تكون هي والقضاء بين الناس من مصاعب الأشغال ومحرجات الاشتغالات،وسبب هذه المراجعة بأننا كنا نتعلم العلم الشرعي للتطبيق كما قيل لنا إبّان ذلك التعليم وكان جلّ من يتولى تعليمنا العلوم الشرعية يؤكّد علينا ضرورة انعكاس ما نتعلمه على حياتنا ومن حولنا وأهلنا وذوينا ومجتمعنا،وحين كنا نسأل عن تفصيل ذلك كانت الإجابة بالدّعوة إلى الله عن طريق تبيين أحكام الله لعباده،وللجميع أن يتخيّل ابن الخامسة عشرة أو الثامنة عشرة يتولى هذا الأمر آمراً أباه وأمّه وأخواته وجيرانه وأصدقاء أبيه ونحو ذلك،وليس معنى ذلك بأن هذا العمل غير ذي بال أبداً،إنما الذي ترتّب عليه فيما بعد حين مرّ عليّ وعلى من هم مثلي يفتون ويقطعون ويجزمون بأن القول قولهم وما قالوه هو الموافق للشرع الصحيح حتى كرهني وبعض من معي كثير من أهل زماني ذلك لتطفلنا وفضولنا وكثرة تدخلاتنا فيما لا يعنينا حتى أننا كنا نفتّش عن الخطأ ونتمنى وقوعه كي يكون لنا نصيب من فرض عضلات الإفتاء والوعظ والحديث ـ غفر الله لنا ـ ومع ذلك فمن محاسن التأصيل العلمي أننا درسنا جانباً كبيراً من أصول الفتيا وأصول الاجتهاد في الدّين والكلام عن الأحكام دراسة أظنها كانت ذا مردود فائق الندرة لمن اهتمّ وراجع وبنى وربط،لكنّ وجود شواهد من التاريخ اطلعنا عليها يهرب فيها أفذاذ علماء من الفتيا والقطع بالحكم الشرعي خائفين من عقاب ربهم وتبعة ذلك على دينهم وأوزار من أفتوهم كنا لا نعوّل إلا على التخويف من كتم العلم ولجام من نار لمن كتمه،حتى استيقظنا على واقع اليوم أضحت فيه الفتوى من لوازم الدعاية للمنتجات والمعاملات والقنوات الفضائية ولا حول ولا قوة إلا بالله ..

 

واليوم أقول: من يربط بين نصوص تخوّف من كتم العلم ونصوص تخوّف من القول على الله ورسوله بلا علم والفتيا للناس في مسائل الاستفتاء يعرف إن عقِلَ بأن كتم العلم معناه الإخفاء ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان من يعلمه لا يعلم غيره بذات علمه في المكان الذي هو فيه،وأنّى يتحقق هذا الشرط في هذا الزمان والجميع ـ ومنهم أنا ـ تدعونا نفوسنا للكلام أكثر من الاستماع،وفي هذا العصر أيضاً لا شاردة ولا واردة إلا في كتاب أو موقع أو على لسان قائل،ثمّ التخويف من الفتيا والقول والحكم قُصد به القطع به أو الإجابة على سؤال المستفتي بحيث يعمل به،وأما نقل الأحكام من الكتب وقولها ونسبتها لقائلها في معرض الحديث والمحاضرات ومواقع الأنترنت فليست بفتوى ولا هي إجابة لمن لو أجيب لفعل ولو فعل لكان من ذلك القول،وهذا في غالب الممارسات اليوم،فلا يقول قائل أفتي فلان بكذا وكذا ليقتنع الناس نتيجة حبهم لفلان أو حسن ظنهم به فذلك في اعتقادي كذب على فلان وتدليس في نقل الدين،أما الإجابة الصريحة على السؤال من المستفتي أو المستفتين فإن كانت لذي فتوى وفق تنظيم المسلمين لأمورهم الدنيّة فهي الفتوى،وإن كانت لذي علم وفظ ودراسة فهو قول على قول وتعليق على الكلام ونقل لوجهة نظر ما هو في الكتب أو ما سُمع من المختصين وليست بفتوى،وفي ظني بأن التفاف المجتمعات ليروا كيف يأخذون دينهم تنظيماً وتقنيناً وتأطيراً يحميهم من الزيغ والضلال،وهو كذلك رافع من شأن اهتمامات أهل العلم الشرعي بأن لا يكون كلّ قاص ودان يحلل ويحرّم وفق ما يراه وليس هو بأهل لأن يرى بمعنى رؤية مقارنة وفهم وتمحيص للأحكام،والويل الويل ـ في اعتقادي ـ لمن تجرّأ بالقطع في تحليل أو تحريم أو حكم شرعي أضحى له أثراً على حياة الناس وحالهم وحصانة نفوسهم وأعراضهم وأموالهم وأديانهم بما يسع فيه الخلاف والتباين،فليسارع كلّ من لمس في الناس أخذاً بما يقول للاعتذار علناً وخفية للفرادى وللجماعات فالله غفور رحيم .. والله أعلم

 

المسألة الثامنة والعشرون (شيءٌ بديلٌ شيء) ١٤٣٥/٩/٢٨هـ

راجعت نفسي في محاولات عديدة مرّ بها نشاط إعادة الناس لدينهم ومعالمِه فيما دُعينا إليه مما اصطلح على تسميته (الالتزام)،فكان يقال عن فلان إن ترك التدخين أو واظب على صلاة الجماعة واقتنع بأن حلق اللحية حرام فأعفاها وهجر الأغاني بأنه (التزم) وهي كلمة أتى بها مهذبون في ذلك الوقت لتطغى على مصطلح عامي شاع وهو (فلان تطّوع) ليكون كل من ظهر فيه مظهر إسلام بأنه (مطوع)،وبالفعل كنا في فترة المراهقة نستمع لمحاضرات عن من يحكي لنا قصص هدايته فيقول (التزمت في عام كذا بسبب كذا)،ودارت مجريات التعليم والتربية حينها بإقناعنا أو محاولات ذلك أن في الأشرطة الدينية بديلاً عن كاسيتات الأغاني وفي مسابقات عن أوائل من أسلم أو سيرة الصحابة بديلاً عن لعب الورق وفي التدارس للعلم بالمساجد بديلاً عن قضاء الأوقات في الشوارع،فوجد بعضنا في جماعة (التبليغ) مبتغاه،ووجد آخرون في غيرها مبتغاه،وشرَق الشباب والمراهقون وغربوا في مراكز صيفية يُقضى فيها جُلَ الوقت ما بين صلاة وتعليم قرآن ومسابقات في معلومات دينية وتدريب على الخطابة وشيء من (كرة قدم) قليل على استحياء،وكانت النظرة بأن لابد للشيء من شيء بديل عنه،فالمسواك قيل لنا هو بديل التعود على السيجارة والدف بديل عن الوتر والأناشيد بديل عن الغناء والتكبير بديل عن التصفيق والمحاضرات في حفلات الزواج بديل عن الرقص والموسيقى وهدايا العود وكتيّب حصن المسلم وشريط يخوَف من النار بديل عن ساعة أو خاتم أو شيء من حلوى،ليؤسس ذلك لما نحن فيه اليوم من بدائل تطورت آخذةً نفس المصدر ولو لم يصرح أهلها بها،فقنوات دينية بديل عن غيرها،وتطبيقات جوال فيها تسبيح وذكر بديل عن ألعاب إلكترونية،وعلى ذلك فقس،ليكون كل الجهد هو ردة فعل لوجهة نظر عن (منكر) وفق ما يرون،وتنعدم الشخصية الابتدارية في نهج تنشئة مجتمع مسلم ..

 

واليوم أقول: بأن الله تعالى حين قال (ورضيتُ لكم الإسلام ديناً) جعله دين كل شيء وكل وقت وكل مجال،وجعل له شخصية استثنائية أتت بما لم تأت به أديان قبله ليتم الله نعمته على عباده،ومن يطالع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم طيلة فترة رسالته مع أصحابه ومجتمعه حينذاك يلمس الفارق الكبير بين هدايته صلى الله عليه وسلم للحق في نصوص شعائر الدين وتركه للناس يغشون من حلال ربهم ما لا مشكلة فيه بل له حظ من تقدير الشرع لعباً ولهواً وترويحاً عن النفس،وبين ما يقوم به القوم إبّان تعليمنا وتوجيهنا.وهذا رب العزة والجلال حرم الخمر ولم يضع بديلاً عنها ولم نجد في خطابه لنا بالتحريم فلسفتنا التي نسلكها أن هذا بدل ذاك،فالدين ليس بالمقايضة،وجَعْلُهُ هكذا جناية على الإسلام بأسره،ودين الله بالرضا والإيمان وتهذيب النفس ثم تركها تعيش كما أراد لها الله أن تعيش في مراتب ثلاث (سابق بالخيرات ومقتصد وظالم لنفسه ربما يتوب أو يغفر الله له)،وليس معنى البديل الذي يسوقه من يريد الخير بأن المستبدل منكرٌ ولو زعم هو ذلك،وليس معنى عدم وجود البديل بأن الدين يعجز عن تلبية الاحتياج،فمقياس مطالب النفس هو دين الله لا هواها،فالله حرم وحلل ثم سكت عن أشياء والناس في ذلك أحرار وأعراف،ومن مداخل الشيطان أن يدعم البعض الرقية بديلاً للطب،والحجامة بديلاً للدواء،وكلمة (جزاك الله خيراً بديلاً عن كلمة شكراً) والذهاب للعمرة أو الحج بديلاً عن نزهة في أي مكان في العالم،ومطالعة قناة المجد بديلاً عن مشاهدة قناة أخرى،فمن التزمَ البدائل ضاعَ وقتَ الابتكار والابتداء،فعذراً ألف عذراً من معالم ديننا ووصايا ربنا التي قرنَّاها بممارسة آخرين لنقدمها لهم بديلاً لا مبدأً أصيلاً .. والله أعلم

المسألة التاسعة والعشرون (الأذكار بين التعوّد والاتّباع) 29/9/1435هـ

راجعتُ نفسي مرّات ومرّات منذ أن بدأت أتعلّم النطق وعلّمتني أمي وأبي كيف أذكر الله تعالى وماذا أقول في الصباح والمساء وعند الخوف وبعد النعمة وعند المصيبة ونحو ذلك،فوجدتُني وغيري متنقّلين بين حين وآخر في امتداد وانحسار لكثير مما نسمع ونقرأ ويُقال لنا،وكثيرٍ مما ورد في السنة من صحيح وحسن ومقبول،وكثير مما قيل عنه لا أصل لها،وكثير أيضاً مما أنشأناه من تلقاء أنفسنا نذكر الله به لأننا نكلمه وليس بيننا وبينه واسطة وفق توحيد هو أصل تعليمنا،لكنّنا وفي بدايات تعليمنا كنّا نحمل من مكان الدراسة الكثير والكثير من الانتقاد لأهلينا ومن نعرف خاصة كبار السن منهم حين نسمعهم يذكرون الله تعالى ويتمتمون بأذكار أوحي إلينا من معلمينا بأنها من أحاديث مختلقة وموضوعة،أو أنها لا أصل لها،وانتقادات أكثر حين نرى منا كباراً وصغاراً يعدّون ما يذكرون بأعداد لا يفتُرون حتى يبلغوها وحين بلوغها لا يتعدّوها في إصرار على أنها مقصودة بالعدّ،وحين صحّ لنا من ذات معلمينا أن في بعض الذكر عدداً كالذي في الصلاة وبعدها ومائة التسبيح والاستغفار ونحو ذلك،وجدنا أنفسنا في حيرة حين ننتقد على عدّ آخر،ولم نقتنع في داخل نفوسنا بحمل الأمر على أنّه مقصود الاتّباع لما ورد،وما لم يرد فهو (بدعة) أو لا أصل له كأخف الأضرار،ومن ذلك جانب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وصيغها غير الصلاة الإبراهميّة،وغير ما فيه بعض ما ينتقد في إطراء منهيّ عنه ربّما،ففي عالمنا من يصلي عليه صلى الله عليه وسلم بصيغ لو سمعها أحدنا وهو حاضر القلب لبكى حباً لهذا النبي صلى الله عليه وسلّم،ومع ذلك كنا نجد أنفسنا نذكر أو نصلي عليه صلى الله عليه وسلّم قسراً بما فرض علينا ولو فعلنا بغيره فسرّاً وفي خلوة رقيب ..

 

واليوم أقول: من الواجب على المسلم أن يتّبع ما صحّ من السنّة في مجال الأذكار حين يقصد ذات الذكر الذي قاله صلى الله عليه وسلّم من غير زيادة ونقص احتراماً للنص الشريف وتأكيداً على أنه وبلا الشك الأفضل والأرجى في القبول والاستجابة من رسول لا ينطق عن الهوى،وحيث ثبت بأن الله تعالى هو معلّم الكلام الذي نذكره به بنص القرآن حين قال (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) وحين قال (فتلقى آدم من ربّه كلمات) وقال (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونّنّ من الخاسرين)،فإنّه ثبت في نفس القرآن حريّة دعاء وقول حين قال ربنا عن غير الأنبياء الذين يوحى لهم بأنّهم قالوا (ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيّئ لنا من أمرنا رشدا) وغير أصحاب الكهف كثير لمن يتتبّع،ولا شكّ بأنّ من أوحى ليونس أن يقول (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) هو الله،ولا شكّ بأن صحابياً اجتهد وقال (اللهم إني أحمدك حمداً يليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك) وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك،وغير ذلك كثير،لنفهم بأن الدعاء اجتهاديّ الطبع رغم أن مبدأه أصليّ التلقي بقوله (ادعوني أستجب لكم)،فكذلك الذكر اجتهادي القول رغم أنه أصلي المأخذ بقوله (اذكروني أذكركم)،وكذلك الصلاة عليه صلى الله عليه وسّلم اجتهاديّة الإنشاء إن التزمت الأمر بقوله (صلّوا عليه وسلّموا تسليماً)،وفي اعتقادي الشخصي بأنّ العدد وإن خفي على البعض له مقصد من ألهمه الله تعالى إياه وعرف مبناه من غير إلزام ولا غلوّ ولا دفاع هجوم،فالله تعالى قصد بعضه في القرآن بذكر السبعين في الاستغفار،والنبي صلى الله عليه وسلم قصد بعضه في تعليم الناس الصلاة والنسك،والله قال (والذاكرين الله كثيراً) والكثرة تتحقّق بالعدد والتنوّع ولا مشاحّة في تحقيق اعتبارها،وخلاصة الأمر في ظنّي بأن لا إنكار على من ذكر الله كيفما ذكره،ولا على من صلى على النبي صلى الله عليه وسلّم وسلّمَ عليه كيفما فعل،ولا على من دعا الله تعالى كيفما دعا،ولعلّي من المقتنعين بأنه وحتى سجع الدعاء وشعر الدعاء وتلحين الدعاء كل ذلك من فعل العبد ليمدح ربه ويرجوه فالله يحبّ الحمد والمدح والتضرع،ويحب الدعاء سراً وجهراً،ولا غرو أن لا يجعل ذلك من لوازم الأمور لكن منع اختياره لمن أراده أو لمجتمع ارتضاه محض فضول بين العبد وربّه،وبين المسلم ونبيّه صلى الله عليه وسلّم،وكم من مسلم أرى أن عليه الاعتذار لآخرين شتمهم وسبّهم بسبب سماعه لذكرهم أو دعائهم أو صلاتهم على نبيّهم بغير ما تعوّد عليه،ومن الشواهد التي أعرفها وأتعجّب من عدم نسيانها في ذاكرتي أنني سمعتُ رجلاً ثمانيّ العمر أمّي الحال من أهل بادية في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول في كل ركعة من صلاة القيام بلهجته العامّية (ياللهْ إنّي في وجهكْ ياللهْ) ونداء السوريّين حين يقولون (ما إلنا غيركْ يا اللهْ) فما أكبر هيبتها من أدعية .. والله أعلم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اللهمّ إن كان هذا هو آخر يوم من شهرك رمضان فاصفحْ عني وعن المسلمين صفحاً جميلاً يليق برحمتك ورأفتك،وتجاوز يا عظيم الإنعام عن خطأ وقعتُ فيه سابقاً ولاحقاً والمسلمين،وتقبّل يا حنان مني عملاً رجوتُ به وجهك ونفع عبادك،واعفُ عنّي إن خالطني في نيتي ما ليس لك،فأنت جبّار الكسور،ومظهر الجميل،وصلّ يا ربّ صلاةً لا انتهاء لها وسلّم سلاماً لا حدّ له في أكوانك على سيد ولد آدم حبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلّم ..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: