سلسلة في الدّين ثوابت ومتغيّرات ـ رمضان 1436هـ

 images

لقد أعانني الله تعالى في شهر رمضان للعام 1432هـ لاستكمال (29) حلقة من سلسلة بعنوان (في الفقهِ شَواردُ ونَادِرات) ووفّقني في شهر رمضان للعام 1433هـ لتسطير (30) حلقة من سلسلة بعنوان (فِتَنٌ ومُنْجِيات) وسدّدني في شهر رمضان للعام 1434هـ لكتابة (29) حلقة من سلسلة بعنوان (حقوقٌ ومستحقّات) وأفاض عليّ من جوده وكرمه في شهر رمضان للعام 1435هـ لإخراج (29) حلقة من سلسلة بعنوان (اعتذاراتٌ ومُراجَعات) وما ذلك إلا بنعمة ربًّ كريم متفضّل حنّان منّان ، فقد دعتني منحة ربي أن أواصل اللقاء معكم للعام الخامس مستغلاً نفحات ربًّ كريم في شهر رمضان العظيم لهذا العام 1436هـ ، الذي أسأل الله أن يبلّغني وإياكم إيّاه أن أشرع في سلسلة جديدة بعنوان (في الدين ثوابت ومتغيرات) أحاول فيها أن أقدّم في كلّ يومٍ من أيامه على صفحتي في الفيس بوك وفي مدونتي وعبر بعض مجموعات الواتس أب سطوراً معدودة عن (ثوابت الدين ومتغيرات التنفيذ والفهم) ، ولعلّ في ذلك ما يفيد بأن يكون مما يدور في خلدي كمسلم يدور في خلد مسلمين آخرين هم مثلي أو أنا مثلهم فنفهم لنستقيم ، معتمداً في ذلك على قليلٍ من علمٍ أكسبنيه ربي وبعضِ تعليمٍ أنا سائر فيه باحثاً عن ضالّة المؤمن حتى اللحظة ، سائلاً ربي أن يعينَ ، ومبتهلاً لهُ أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه ، وأن يقينا وإياكم الشر ، مع شديد سعادتي لمتابعتكم وقراءتكم ونقدكم ومشاركتكم ..

————-

الحلقة الأولى
(المفطرات)
١٤٣٦/٩/١هـ
الثابت بأن الله تعالى قال (وكُلُوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) ولذلك ثبت بأن ما نحن ممنوعون منه في الصوم فيما يتعلق بشهوة البطن وحاجتها هو (الأكل والشرب) وقد استقر المعنى في اللغة على أن ما يطلق عليه أكلاً وسرباً واضح في المأكولات والمشروبات بينما نظر فقهاء لذات البطن والجسد والداخل له ولها من بوابة ذلك الأصلية وهي الفم أو ما يوصل إلى متوسط المجرى من الحلق عّم طريق أنف أو عين ونحو ذلك ونظروا أيضاً لسوائل تدخل البدن عن طريق أخرى من حَقْن ونحو ذلك فجعل ذلك نظر الصائم قائماً على حراسة البدن من دخول متغيرات لا على التزام في الامتناع عن ممنوعات هي أصل الصيام ليثبت حين استكمال تصوّر لهذه الشعيرة العظيمة بأن الصوم الشرعي الذي نتعبد الله به فقهاً هو امتناع عن أكل وشرب هو العادة وما لحق بذلك من شهوات الجماع والتزام بأخلاقيات الصوم التابعة لذلك الامتناع ..
والمتغيّر بحكم قدر الله تعالى في تقليب الزمان وبث المستجدات في الخلق عبر الأزمان أن تكون تصورات المأمورات الشرعية راسخة الثبات مع أصل التكليف في أن ما يجعل الإنسان مفطراً فسد صومه هو هتك الأمر بالامتناع عن الأكل والشرب الذي لا يكاد يختلف الناس في الإحاطة بما هو من الأمل والشرب تناولاً وبلوغاً وبذلك يمكن للمجتمع المسلم أن يرتقي بمفهوم الاستفتاء عن المفطرات إلى مجال أنفع وأعمق في جوانب تدعم تقدم الأمة فكراً وحضارة وتديناً بعيداً عن مخالفة لأمر الله تعالى (لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم) ومن اللزوم تغير التعاطي مع الحكم الشرعي لتملمس سبيل الامتثال بناء على تغير استعمالات الناس وأدواتهم وما يتعاملون معه من أشياء وحين ذلك يفهم السائل حكم الكحل وقطرة العين وحقن الأنسولين وعلاج الربو وتنظيف الأسنان بمعجونها ونحو ذلك بدل تكرار الاستفتاء والفتوى كل عام في إشغال عن مهمة مسلم في شهر الصوم يستدعيه ربه ليكون أقرب وأنقى ..
والله أعلم ..
———–
الحلقة الثانية
(المعتدات)
١٤٣٦/٩/٢هـ
الثابت عند أهل الفقه بأنّ الله تعالى أفرد مجال (العدّة) للنساء بآيات كثيرة تختص بهذا الأمر في كتابه العزيز ومن ذلك قال ربي (والمطلقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء) وقال (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً) وحيث بُني الحكم على التربص الذي ثبت في المعنى اللغوي بأنه الانتظار إلى أجل إضافة إلى ما يحمله المعنى من معاني الترقب لنقطة النهاية التي هي في ذاتها بداية لمرحلة أخرى وما ثبت بالدليل الشرعي والعلمي من اعتبارٍ في الحكم لطبيعة العلاقة الزوجية المنتجة للولد ورغبة في استبراء الأرحام طبيعة لأجل لا على التعيين فإن ما يثبت هو أن يلتزم المأمور بتلك المدة الزمنية على اختلاف نوعية تلك العدة امتثالاً لأمر صريح من رب العالمين ..
والمتغيّر حالُ المعتدات تبعاً لحال عموم الناس عبر الزمن في مجانسة لما يقصده الشارع الحكيم من دين وتشريع هو رحمة للعالمين ورفعاً للحرج والمشقة فلا يمكن تصوّر امتثال لأمر الشارع في التربص بعد انفصام عقد الزوجية بطلاق أو موت أو فسخ ونحو ذلك بظنيات أمور وشكليات ربما في الغالب تعطل معها الصالح العام والخاص للمأمورة بهذا الأمر ومسئولياتها تجاه نفسها أو من تعول ونحو ذلك مع عدم خروج عن أصل التكليف بلزوم التربص والانتظار ليكون مدار الأمر في تغيّر تنفيذ المأمورات وفق الحال والواقع امتثالاً لأمره تعالى وليس لأي شيء آخر ربما جعل من العدة حرجاً إن هي انصبّت على دخول في طقوس لم تحظ بدليل قطعي فالعدة من الدين تربصاً وانتظاراً وكثيرٌ من توابع ذلك إنما هي من المتغيرات التي يراعيها الشرع الحكيم في مقاصده ..
والله أعلم
———-
الحلقة الثالثة
(الكفّارات)
١٤٣٦/٩/٣هـ
الثابت بأن في ديننا بدائل على الترتيب وخيارات حسب الحال طُلِبٓت من الذين ارتكبوا بعض محظورات فكانت كفّارات لتلك الأعمال والذي يثبت في فحوى النص القرآني حيال هذه الكفارات من صيام أو إطعام أو عتق مملوكين كلها تُكفّر الذنب وتعيد الحال لسابق عهد لمن كان فعلها إثر غشيانه لشيء من ذلك ولا إلزام فيها إلا لمن أراد العودة لحال أسبق كما في الظهار أو الإتيان بما حلفٓ عنه بينما يبقى اختيار التكفير بالقيام بما يكفّر لمن رغب تكفير ذنب كما هي التوبة في حق كل المسيئين ..
والمتغيّر بحكم الفهم واجتماع أكبر قدر من معلومات المصادر وما اعتمد عليه الفهاء في التفصيل والشرح لمفهوم الكفارات هو أنّ الكفارة مرتبطة بالرغبة في التكفير كما جاء في الحديث عندما قال الصحابي للنبي صلى الله عليه وسلم (هلكت) فأمره صلى الله عليه وسلم بالكفارات على الترتيب حتى أعفاه حين علم فقره وضعفه وإلا فمن اقترف شيئاً من المحظورات فإن تكفيره مرتبط بماهية ما يستقبله من أعمال إضافة إلى أن إطعام المسكين الوارد في الكفارات لا غرو يدور مع حال الزمن والنَّاس وأقواتهم وطريقة إطعامهم وما هو مقصود في هذا المتغير محاولة لإحاطة فهم بمقاصد شرعية من فلسفة الكفارات زجراً أو تنقية للنفس دونما قَصْر في دائرة التنفيذ فقط ..
والله أعلم
———
الحلقة الرابعة
(الدّيات)
١٤٣٦/٩/٤هـ
الثابت بأن العوض عن الخطأ ركن دينيّ شديد شرعه الله تعالى في كتابه حقاً مصوناً عن الحيف والتأخير واجب الأداء حين الحكم إلا أن يعفوٓ صاحب الحق ومن ذلك أتت (الدّية) في مقابل النفس الإنسانية أو جزء منها لتكون أصل هذا التعويض المادي المنصبّ على ترضية القلوب لا مقابل إنسانٍ أو عضو منه لا يعوّضه مال الدنيا ولذلك نص ربي على التسليم فقال (وديةٌ مُسلّمة إلى أهله) ليكون الثابت الذي لا مرية فيه بأن نظر الشارع لكيان الإنسان واحدٌ باعتبار الإنسانية بغض النظر عن الجنس أو اللون بل وحتى المعتقد طالما الخطأ واقع على تلك النفس دونما حقّ ممّن تسبب فيه ناهيك عن الانتقال من القصاص للدية حين العمْد برغبة من صاحب الدّم وهذا الثابت العام في القرآن العظيم يجعل مناط الحكم بهذا الأمر مسلّطٌ على حق الإنسان في الحياة محفوظ البدن والروح إلا أن يأخذها ربها بإذن منه ومن اعتدى عمداً أو خطأ وجٓب بمقتضى عموم توجيه الشارع التعاطي مع اعتذائه أو خطأه باعتبار إنسانية من تضرر لا باعتبار صفاتٍ لم يجعل لها الشرع اعتباراً في مسألة الدماء والنفوس وثبت بأن الإسلام جعل العقوبة للردع والزجر والحفظ والدية أصالةً أو ترتيباً بعد عفو كذلك لا يمكن أن تؤدي غرضها من فاعلية أداء وتطبيقٍ وتجديد ..
والمتغيّر في دائرة ما ثبت في المرامي المتينة للفقه الإسلامي أن يتِّجه نظر الفقيه والمفتي إلى تفعيل المبدأ الذي جعله الله تعالى أصل التوجيه الرباني لتعاملات الناس بعضهم مع بعض حين قال (ولقد كرّمنا بني آدم) وحين جعل عموم آيات الدّيات توحي بالنفس الإنسانية من حيث هي كذلك لا من حيث الذكورة أو الأنوثة ولا الديانة والمرجع العقدي في سموّ حفظ وكرامة عدل لا تفرقة فيها لذلك فاليوم كان من الضروري صدور دلائل حكم تؤطر هذا الجانب بتحديد الدّية أولاً بقيمة مالية تتناسب مع تقدم الزمان وتغير الحال في العالم الإسلامي ويكون ذلك للإنسان من حيث هو كذلك ولأعضائه وجراحاته وشجاجه ونحو ذلك من حيث هي فلا فرق بين الكبير ولا الصغير ولا المرأة ولا الرجل ولا المسلم وغير المسلم في ديار المسلمين عُلُوًّا لقيمة الإنسان الذي جعله ربه كذلك في حالات الأمن والسلم ومؤسسات المجتمع المدني المنضبطة بضابط الشرع الذي يتغيّر معيار تعاطيه مع الأدوات والقيمة والتقديرات بتغير الزمان والمكان وحينها ستكون الديات ذات قانون من منبع أصل مقصد الدين ينزجر المتلاعبون بها عن فعلهم أو بعض فعلهم ويخشى كثيرٌ من المتساهلين في مراعاة حقوق الآخرين مغبة الغُرم المتناسب مع زمان المال والحضارة ..
والله أعلم
———
الحلقة الخامسة
(العادات)
١٤٣٦/٩/٥هـ
الثابتُ الذي لا يزول هو أنّ القرآن الكريم جعل حجّة من كفر أو مارس كفراً عادةً بقوله (إنَّا وجدنا آباءنا على أُمَّة) سبباً فاسداً لا يسمن ولا يُغني عن لوْمٍ وعقوبة حين قال (أولو كُنتُم أنتم وآباؤكم في ضلال مبينٍ) وليس لدينا من تصورات للعادات والتقاليد والأعراف أفصح مما أفصح عنه الكتاب العزيز في توارثها واستشرائها في جيلٍ بعد جيلٍ حتّى تستحكم من النفوس فيتنادى أصحابها (لا تذُرنّ آلهتكم ولا تذُرنّ وداً ولا سواع ويغوث ويعوق ونسراً) رغم أنّ المذموم في ذلك التوالد الاجتماعي الطبيعي للممارسات عبر حقب الزّمن هو جداريّة التسبيب لتكونٓ حاجزاً دون الأحسن والأفضل والأنفع وربما الحق والأصدق والأصح لما نراه من ترْك الشارع الحكيم مساحات الحريّة الأصلية للإنسان وفق هداية ربنا لكل الخلق حين أحسن خلقه وهداه فيما لا يكون ضدّ المصلحة الدينية ولا المصلحة الجمعية للأمة ولا المصلحة الإنسانية الحقوقية الأصلية التي عليها مبنى قصد الشارع حين الفصل في الحكم ليثبت بأن خضوع العادة لأصل مقصد الشريعة خضوع تنفيذ لا أن تكون العادات عاملةً في الحكم تُكيّفهُ ليعزّز استحكامها عداءً للتغيير الإيجابي ..
والمتغيّرُ الواضح الظاهر الملموس للجميع عاداتٌ وتقاليد وأعراف ولو طال زمانها وخفيِ هاتكو سترها خلسةً أو ثار ضدّها قلائل نَفَر ليبدو لنا قريبٓ فهمٍ بأن تكاثر المعلومات وتوفّر المعطيات واختلاف المصادر والدلائل وتنوّع الفهم والاستدلال والتعاطي مُعلناً بالحق لنا أن نُحكّم أصل الدين في كل مرة تجبرنا بوصلة الزمان للتغيير متغيّرين مع العوارض مستمسكين بثوابت الأصل أن لا حجة لما وجدنا عليه آباءنا لأنا وجدنا عليه آباءنا ما لم يكن حقاً بأصل عموم مقصد الشرع لا بعمل سابقٍ أو متقدّم لتكون الأعراف وإن أخذت من احترام الخجولين في وضع نصاب الحكم على جادّة الصراحة غير ذات اعتبارٍ طالما أنها أدت لهضم حق فردي أو ساهمت في شيوع ثقافة سلبية تعكس صورة مغايرة عمّا هو من ثابت ديننا بأنّه دين العدل والسلام والرحمة لذلك فتغيّر نمطية الاستدلال في استشعار الحق بما تتفق عليه أمة الإسلام من مقاصد مشتركة الإيمان أولى من تكرار الأخطاء بأنّ هذا عمل فلان أو هذا ما عليه أولئك ..
والله أعلم
———-
الحلقة السادسة
(النيّات)
١٤٣٦/٩/٦هـ
الثابت بأنّ قلوب العباد هي المستهدفة بتهذيب الشرع وبالمخاطبة الإلهية بالتكليف وإفراد الله تعالى بالعبادة امتثالاً لما أمر وطلب وخلق لأجله الناس وحين يثبت ذلك فإن ابتداء النية نحو مأمور الله تعالى هو التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وبعد ذلك فكل عمل جاء بعد هذا التأصيل تبعٌ لهذه الشهادة وحق لها إذ الثابت الأصل بأنه من غير المنطق إرادةٌ بعمل لله غير الله ولو بطريق الواسطة كما اعتذر به بعض المشركين وفق النص القرآني الجليل ليثبت حين ذاك بأن توجّه العمل بالجوارح لمحله الأصلي وهو امتثال أمر الله نابع من إرادة القلب والعزم عليه في فلسفة وجود لا يطّلع عليها إلا الله وحده وهي النية التي أراها وفق اعتقادي ثابتة الحق في عمل كل المسلمين ما لم يظهر صراحةً ما يخالفها ..
والمتغيّر وفق تراكم التجارب وتجدد العوالم وتعدد الثقافات والسلوكيات والطبائع هو ما يُستدل به على تلك النيات رغم أن الله تعالى لم يكلف مسلماً رقابة على قلب مسلم آخر بأي صورة وبأي شكل إنما هي وصايا أخلاقية واستراتيجيات عقائدية وجهنا البارئ جل وعلا إليها بأن لا نعبد إلا إياه وأنه إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه وبأن هذا الدين جاء لإصلاح القلوب ولذلك فلتتغير نظرة الفقهاء للنيات في شرطية صحة الأعمال حيث الحكم بالصحة عمل الإنسان والحكم بالقبول عمل الخالق وشتان بين اثنين خاصة إذا علمنا وتأكدنا بأن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وتذكرنا النص في السنة حين قيل للمستأذن إنكاراً (أشققتٓ عن قلبه؟) فالنيات التفصيلية تجاه الأعمال التعبدية لله تعالى من حيث الوصف أو الوقت أو الماهية أعتقد بأنها زيادة في مشاحّة هذا الدين الذي من خصائصه أنه يغلب من شاحّه ولا يعني ذلك أن لا تكون عناية المسلم المكلف منصبة على إخلاص العمل لله تعالى في تذكير للنفس بأن العبادة كلها لله تعالى من غير تنطع في نية كذا ونية كذا ..
والله أعلم
———
الحلقة السابعة
(الصّدقات)
١٤٣٦/٩/٧هـ
الثابت في كل مستويات الحثّ على الصدقة والأمر بها وتحفيز القلوب نحو السخاء بها امتثالاً ورغبة في الأجر من الله تعالى أنها مادّيات تقدّم لآخرين عن طيب نفس في تلمّس حاجة وإحساسٍ بواجبٍ نحو إنسان وعموميات التصدّق المادي جعلت المال وما يقوّم بالمال هو مناط التكليف بها نحو المستحق أو المُعطى بغض النظر عن حاجة أصليّة أو فرعية تتابعيّة ليكون الثابت بأن باب الصدقات واسعٌ حين العطاء كبير حين البذل متعدد الأشكال والأنواع عند وقاية النفوس من الشحّ والبخل والانعتاق من عبودية الرزق والدنيا فما ثبت بأنه صدقة ماديّة مستحقّة للأجر من الله تعالى مثل مالٍ أعطي لإنسان يزيد أجره عند تحقق الحاجة ولا يضيع أجره ولو كان الآخذ ذَا غنى فاليد العليا خير وأحب إلى الله من اليد السفلى ولا مجال فيما ثبت جعل تفاضل الأعطيات مادة لمنع الناس من اختيار طريقة أو نوعية صدقاتهم أنى شاءوا وكيف شاءوا وبما شاءوا طالما التزموا تابع ذلك من آداب قرآنية واضحة في منع المنّ والأذى ..
والمتغيّر هو أن العالم اليوم صار في أغلب مجتمعاته (النّقد) هو عَصب الحياة الذي عليه مدار تصرف الإنسان فيما يحتاجه والمتغير كذلك بأن الناظر في أحوال البيع والشراء يجدها مقتصرة على سلعة في مقابل مالٍ نقدي مسلَّم ولا مجال لاستحضار زمن المقايضة الذي ولّى بمعنى سلعة في مقابل سلعة إلا في القليل النادر لذلك فإن المتصدق بالمال نقداً حين اختياره ذلك الأسلوب مصيبٌ لعين الحقيقة الربانية التعبدية التي أمر الله تعالى بها وذلك سائغ في ترجمة معنى الأمر بإطعام الطعام أو إعطاء نوعية معينة من الأقوات في زمن من الأزمان ولا يعني ذلك خروج من اختار بذل طعام عيني أو موادّ عينية لفقراء من عمومية الامتثال لأن أصل حرية الاختيار اختبار وتمحيص للنفوس تجاه هذا العمل الذي يجعل المسلمين لحمة واحدة ومن ذلك أن تتغير تلك النظرة المتشبثة بأصناف في صدقة ما لسبب ما فتحقيق المقصد الشرعي أولى من قصر الفائدة على نوعٍ معيّن وأخذ عموميات تعبير الشارع أحب من محدودية المراد ..
والله أعلم
———
الحلقة الثامنة
(الاختلافات)
١٤٣٦/٩/٨هـ
الثابت بأن الله تعالى قال (ولا يزالون مختلفين) وبيّن في أكثر من موضع في كتابه بأن الناس ليسوا أمة واحدة ولا على سبيل واحد في اتباع الحق في الأصل ولو اتبعوه فليسوا على نسق واحد في فهم الحق ولو فهموه فهم في تطبيق الحق وفق نهج الله وسنته بأن جعل لكل (شرعةً ومنهاجاً) وثبت بأن الجعْل هنا قدري الوجود وتكليفي الطلب على الاتجاهين والمعنيين وحين يثبت بأن الاختلافات بين الناس في التداول لما جاء من ربهم ديناً فإن ذلك لا محالة من صبغة الله التي صبغ بها عباده وهو بهم أعلم وأدرى وله في ذلك حكمة بالغة لا تغني عنها مناداة باتحاد المفهوم في مخالفة لطبيعة ربانية جعل الله الناس عليها ومن ثبت لديه هذه الأصل بوجود الاختلافات رغم ما تعانيه الأمة منها انطلق مباشرة لما أمره الله به من أمرٍ واضح بمحاولة التلاقي والاعتصام والاجتماع والإصلاح بين الناس وأن يكون المسلمون في مجموع الأمر على سبيل يتسع للجميع وهو سبيل المؤمنين وإلا لكان الأمر مفرغاً عما أمر الله به وحاشا الله تعالى عن ذلك وقد أسّس لنا بأنه هو من جعل الطرق تختلف والمؤدى واحد هو عبادته وطاعته ..
والمتغير بعد أن ثبت تفرق الناس في طلب الحق للوصول إليه هو ذلك الحراك العقلي والنظر الإنساني والعمل من الجميع في بغية واحدة أن يحققوا مناط التكليف بما أمرهم الله به ورغم أن الغالب الأعم بأن الحق واحد لكن الوصول للحق من جهات متعددة ونيل أصل الحق درجات والاتجاه للخير حسب القرب منه والبعد عنه استقبالاً وانحرافاً واستدباراً ونحن في هذا الزمان أعتقد بأننا مأمورون بالتعاطي مع هذه الاختلافات بتعدد البدائل والطرق والممارسات في العلاج والتلاقي ليس لهدف محو تلك الاختلافات ولا إزالتها بقدر ما هو الهدف أن يكون البعيد أقرب والقاصي أدني والاتجاه شبه موحد طالما الوحدة الأصلية موجودة وهو أن الله تعالى واحد ومحمد صلى الله عليه وسلم هو النبي المشترك في كل نظر لمسلم اليوم في أي بقعة في هذه الدنيا وعليه فإن إعمال نفس أدوات التراث وذات الطرق لمعالجة أو ممارسة الاختلافات فيه من الانحسار عن تغير الزمن والمعطيات تجاه ما نحن مأمورون به (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) وميدان الإصلاح كبير السيّر زاخر المستجدات ..
والله أعلم
———
الحلقة التاسعة
(الدعوات)
١٤٣٦/٩/٩هـ
الثابت أن الله قريبٌ من دعاء من دعاه يسأله من أعطياته لأن ذلك من تحقيق العبودية لله تعالى وهو أساس الألوهية حين يدعو العبد ربه موقناً بأن الله تعالى هو صاحب القدرة والتصريف في هذا الكون وثبت بأن القرآن العظيم أورد من صيغ الدعوات الكثير على لسان الرسل والأنبياء عليهم صلوات ربي وسلامه وعلى لسان مؤمنين وصالحين على مر العصور والأزمان وأعقب ذلك بأن الله جل وعلا استجاب لهم بما دعوا في إشارة واضحة على أن الإجابة تعلقت بذلك الدعاء لثبت بأن قولهم ذلك له من الفضل عند الله ما استحق أن يرد كآيات قرآنية اشتملت على أنها من كلام الله وعلى أنها أسلوب دعاء مستجاب والثابت أيضاً بأن الله أمرنا بالدعاء فقال (ادعوني أستجب لكم) وما هذا الأمر إلا من أوامر التوحيد والعبادة في آن واحد لا يمكن أن نحصره في الحكم على الإستجابة في حق أحد دون أحد لأن المتحكم في ذلك الله وحده وهو لا يسأل عما يفعل نحن نُسأل ..
والمتغيّر ما يلزم من انتشار هذا الدين شرقاً وغرباً وفي كل أرجاء هذا الكون وانخراط كثير في الإسلام من أصحاب علوم وثقافات ولغات تختلف عن بعضها البعض وعطفاً على ذلك فإن مطالب الناس وحاجاتهم اختلفت عن زمن سبق رغم عودتها لأساس واحد في العموم وحين يتأكد المسلم بل الإنسان بأن الله تعالى أقرب للإنسان من نفسه وأنه يعلم السر وأخفى ويجيب دعوة الداعي إذا دعاه فإنه بذلك يكون ذَا خاطر مستقيم تجاه تلفظه بدعاء يدعو الله به مهما كانت لغته أو صيغته أو ترتيبه وما تغير في الدعاء العلني الذي يؤمن عليه المجموع في صلوات أو خطب جمعة وغيرها فإنه حسب اعتقادي في الطريق الموغل في الافتيات على الله تعالى لأن الدعاء خطاب موجه لله وليس خطاب دعوة موجه للمماثلين أو المخالفين بحيث ينحرف يميناً أو شمالاً بتفصيل تفصيل وتنسيق سجع وترتيب مذكورين وكأن من يسمع الدعاء لا يعلم حالاً (معاذ الله عن ذلك) فالظاهر بأنه لو تغير الزمان والمكان يبقى الأصل بأن الدعاء طلبٌ ذو مسلكين أولهما صيغ وردت وثانيهما قلوب تدعو بما شاءت حين انفردت ..
والله أعلم
———
الحلقة العاشرة
(التفجيرات)
١٤٣٦/٩/١٠هـ
الثابت بأنّ الله تعالى رب السلام والمحبة والوئام وهو خالق النفس والآمر بالمحافظة عليها حتى من نفسها وقال (ولا تقتلوا أنفسكم) وقال (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) والثابت بأن الله تعالى حرم دم الإنسان من حيث كان وَحَرَّم دم المسلم تحريم القطع والبيان والشدّة كما الثابت بأن الله حرم الفساد في الأرض وحرم الإفساد فيها وذم المفسدين والثابت القطعي أن الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر وهو بذلك لا يرضى لهم الفتنة والفتنة أعظم والقتل جريمة نكراء مخزية موغلة في الإفساد مخرجة النفوس من كينونة الأرواح العارفة بالإنسانية والثابت بأن الله تعالى لم يأمر في أي من نصوص القرآن آحاد الناس بقتال ولا اعتداء ولا جهاد ولا أمر مسلماً ولا مجموعة مسلمين باتخاذ قرار حرب على آخرين في همجية مزاحمة زاعمة الإسلام والثابت أن الله تعالى ما شرع للناس تكفير الناس ولا شرع للناس تصنيف الناس ولا شرع للناس زهق أرواح الناس والثابت بأن الدين كله مبناه على أن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول جامعة للمحبة والسلام وحتى ولو لم تحدث من آخرين فالله قال (لكم دينكم ولي دين) وقال (لا إكراه في الدين) والثابت بأن الأصل حق كل امرئ في الحياة لا يعتدي على هذا الحق إلا ظالم ولو قتل نفسه ليقتل آخرين والثابت بأن الشهيد الذي عناه ربي في القرآن ليس من يقتل نفسه ليقتل آخرين ولو كانوا كفاراً أو معتدين فما بالك بمن يقتل أهل الملة وهم في صلاتهم يسجدون ويركعون لرب العالمين وما أيقن الموت عبر تاريخ الجهاد الإسلامي صحابي ولا تابعي ولا ذو سيرة حسنة بل كلهم ذاهبون لجهاد حق ربما ماتوا وربما انتصروا وخالد بن الوليد رضي الله عنه أكبر مثال فالثابت بأن هؤلاء الذين يذهبون بأنفسهم لموتٍ محقق لا نزاع فيه واهمو خيرٍ وهم في ضلال مبين وفوق ذلك قتل مسلمين دون جريرة ولا ذنب فما ثبت في دين الله أعظم بأن هذا ورب الكعبة ظلم عظيم وفساد كبير وجرم لا يمحوه التاريخ ..
والمتغير ما أبداه تاريخ طويل من صراع بين فئة وأخرى فكرياً في تحقيق الدين لله تعالى حتى إذا بدا نفق الظلام تاه الناس حيارى من يتبعون ومن يصدقون والذي أعتقده وفق زمن نحن فيه وقد بانت فيه من مصادر العلوم أشياء وأشياء ربما لم تكن متوفرة فيما سبق واتضحت فيه من حقائق التاريخ مفزعات ومفرحات وأصبح العقل البشري قادراً على فهم معضلات ربما لم تكن مفهومة من قبل واتجه العالم المتحضر للسلام حيث يبني هذه الدنيا بمقاصد الأديان لا بفحوى آراء أهلها فإن التغير اليوم وفق ظني واجب الاتباع نحو الحق الذي هو أحق أن يتبع بأن التفجيرات وقتل المسلمين من أعظم الجرائم في الأرض وبأن أمة الإسلام واحدة حيث شهدت شهادة الحق وبأن التحريض على الكراهية وتكفير المسلمين سواء بالأعيان أو بالمجموع قتلٌ بالنتيجة فويلٌ لهم من رب العالمين من الفريقين من حرّضوا على قتل مسلم أو مسلمة أو عمدوا لتسويق فلسفة التكفير التي هي خصوصيات عمل رب العالمين وحده وهو الذي يسم الأعيان والأعمال بالكفر وليس في كتاب ربي ما بستطيع مجرمٌ أن يجعله دليل إجرامه ولو زعم والدين اليوم مسئولية الجميع متغيرٌ بأن يلتفتوا لتحقيق مقاصده لا أن يزيّن لهم الشيطان إضاعة الوقت في فروعٍ ما يملكون عليها من أدلة القطع شيئاً ..
والله أعلم
———
الحلقة الحادية عشر
(النفسيّات)
١٤٣٦/٩/١١هـ
الثابت بأن الله خلق الإنسان وخاطبه بصيغ مختلفة ومنها خطابه للنفس (يا أيتها النَّفْس المطمئنة) وتكلم عن النفس وقال (ونفسٍ وما سَوَّاهَا) ووصف النفس وقال (ولا أقسم بالنفس اللوامة) وغير ذلك متنوع ووارد في كتاب الله مما يثبت به بأن نفس الإنسان ذات ارتباط متين بالتكليف والتطبيع الديني والتربية الربانية وحيث ذلك ثابت فإن الثابت بأن للنفس أصل هو ما خلق الله عليه جميع النفوس من فطرة أصلية مستقلة ذات مواصفات صالحة لأي اتجاه حين يعتريها ما تتعرض له من تقلبات وتغيرات الزمن والأحداث والتجارب والمواقف ليثبت لنا بأن الحفاظ على النفوس واجب بالأمر الإلهي والمعنيُّ تلك النفوس بالمعنى الوجداني أن تبقى سليمة مستقيمة كما هو الغرض للنفس بالمعنى الجسدي حيث ربي قال (ولا تقتلوا أنفسكم) وقتل النفس روحاً بتعريضها لما ليس في مصلحتها فتنحرف بذاتها عن الحياة السائغة للبشر وثابتٌ للجميع بأن النفوس الصحية وإن لم تكن ذات دين ولا تديّن غالباً لا يصدر من أصحابها ما يعكّر صفو المجتمع ولا ما يهضم حقوق الناس لكن النفوس المريضة أصلاً أو تبعاً هي محط كل سوء متوقع في هذا العالم بل هي أساس كل ظلم وقد قال ربنا (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوّا) ..
والمتغيّر مشاهٓدٌ لكل صاحب نظر وتفطّن في قرارة نفسه وفي نفوس من يتعامل معهم ومن يراهم أو يراقبهم والله قال (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) وما الإبصار في زمن مضى كما الإبصار في زمن توافرت فيه من فتوحات رب العالمين المادية والملموسة ما الله به عليم الأمر الذي بجعل إلتفات المجتمعات المسلمة لصلاح النفوس وإصلاحها من منطلق عناية بالإنسان الذي هو مادة الدين والتدين وتكاليف الشرع الحكيم فكيف بنفس ترى وتشاهد من تناقضات الأمور والأحداث ما يحتار فيه العقل أن تظل مستقيمة التوجه لربها مع مشغلات الفكر المتعكر بكل عراكٍ وحراك هنا وهناك وفي غفلة من ذوي الشأن عن نفوس العالمين في كل مجتمع حتى بدت الأمور عند تمحيصها وإعادتها لأسبابها الحقيقية راجعة لمرض نفسيات لا لقناعات فكر أو فلسفة أو ثقافة فكيف لا يتغير الحال مع تغير كل شيء ويلتفت المعنيون بالدِّين نحو ما تستقيم به النفس عناية رحمة ورعاية كرامة وتهذيب احتضان وحب وسلام بجلب اطمئنان قلب هو لبّ النفس التي ترقى لخطاب الله تعالى لها فتسمع نداءه حين يقول لها (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) واليوم نرى من نفسيات كثير فينا وحولنا ومعنا ما يلهب التضجر النفسي ويملأ الوجدان فلا تجد العبادة والتكاليف الشرعية مساحة عند شباب وشابات وغيرهم إلا في عنت سلوك ومشقة ارتكاب ..
والله أعلم
———
الحلقة الثانية عشر
(العقوبات)
١٤٣٦/٩/١٢هـ
الثابت أن الله شديد العقاب وأنه توعد بالعقاب الأخروي من عاداه وكفر به وصدّ عن سبيله وحاربه ورسله والثابت بأن عقوبة رب العالمين الأخروية هي من شأنه الخاص كما ذكرها في كتابه تبياناً وتخويفاً وله جل وعلا عقوبات دنيوية دمّر بها أقواماً عصوا بعد أن حذرهم وأقام عليهم الحجة والثابت بأنه تعالى فرض بين الناس عقوبات ملموسة ذات نمط زجري على أفعال محددة جعل قصد الشارع فيها استقامة العلاقة بين الناس في هذه الدنيا وبقاء المجتمع المسلم على حد المحافظة على حقوق الآخرين ومن ثمّ ثبت بأن في الحدود المذكورة في القرآن العظيم كفاية عن الحيف والظلم والزيادة فقد قال ربي (فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً) وعلى ذلك فإن ثبوت عقوبة معينة في الكتاب الكريم على هيئة معينة مانعة من تغييرها أو تبديلها تطبيقاً إلا من حيث تكييف الجريمة التي وضعت لها والثابت أن لا مُلك لعقوبة من غير وصاية ذات أصل شرعي قانوني ..
والمتغير اليوم أن مبدأ الوقاية من وقوع آخرين في مخالفات نهى الشرع عنها لما فيها من ضرر وإفساد عائد لثقافة المجتمعات وما هم عليه من أحوال اقتصادية واجتماعية وسياسية لأن مبدأ الحرص على الإنسان كياناً وجسداً وكرامة هو أهم قصد للشارع الحكيم ولو خالف ذلك الإنسان باقتراف ذنب مستحق للعقوبة فهو بذلك لم ينزع عنه صفة الإنسانية التي لا تنفك عنها حقوق وواجبات معتبرة شرعاً وديناً لذلك فمتغيرات الناس والزمن والأمكنة عاملة وجوباً في تصنيف العقوبات وتحديدها وتنفيذها صلاحاً واستمراراً بعيداً عن مهانة وإذلال وتقليل من شأن وفي الوقت ذاته ففي عقوبات التعويض المالي لهذا الزمن بالذات أثر متغير نحو الأفضل أكثر من عقوبة تطال الجسد أو الحرية والنَّاس في الأموال أحرص وأحب كما أن العقوبات ذات النمط المجتمعي الخاصة بخدمة تفيد الجماعة وتؤدب الفرد لها من أثر التطبيق ما يجعلها حرية بالاهتمام وأما ما يتعلق بإزهاق النفس غير (القصاص) فالأولى أن يكون محط مراجعة في برنامج العقوبات الفقهية تمشياً مع مقاصد الشريعة والأصل الذي يفهمه الناس اليوم ويصلح لهم أن لا عقوبة من غير قانون وإن لم يحصل ذلك فعلى العدل السلام وعقوبات الوصاية أو الولاية بأي طريق كان ما لم تناسب عصراً وسناً وتلتزم بالحق والآداب فهي من نوازع السوء والشر ..
والله أعلم
———
الحلقة الثالثة عشر
(الافتراءات)
١٤٣٦/٩/١٣هـ
الثابت بأن القرآن الكريم ذكر كثيراً من الافتراءات على الله تعالى ارتكبها كثير من أناس صدوا عن سبيل الله تعالى بتصوراتهم واعتقاداتهم الخاطئة وذكر القرآن بأن تلك الافتراءات إنما هي أعمال قوم رغبوا في أن يتبعهم الناس على ما هم عليه من اعتقاد فكذبوا على ربهم واختلقوا من القصص والأقاويل والأحكام ما وصفها الله تعالى بأنها افتراء عليه وقد قال ربي (يفترون على الله الكذب) وقال (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يُدعى إلى الإسلام) وقال (افتراءً على الله) وقال (افتراءً عليه) وكل ذلك ثبت منه بأن غالب داعي الافتراء والاختلاق هو مناهضة الحق والدين القويم لله تعالى عبر عصور الرسالات ومن ذلك الافتراء ما قصه القرآن الكريم في افتراءات على الله تعالى بأن الملائكة بناته وأن عيسى عليه السلام ابنه وأن الله ثالث ثلاثة وأن عزير ابن الله وأن عيسى قد قتل وصلب وأن يد الله مغلولة وأن الله أمرهم بالمنكر تعالى الله عن كل ذلك والثابت بأن ما ذكره القرآن من الافتراء كان له الأثر العظيم في سير عملية الدعوة لله ودخول الناس في الدين أو رفضهم لهم ليثبت بأن تعامل القرآن مع الافتراء إثباتٌ وإيضاح ..
والمتغير هو أن نوعية رفض الناس للحق اختلفت طريقة وأسلوباً رغم ثبات النتيجة والمؤدّى وطرأ في ثقافة الناس من الافتراء والكذب على الله تعالى ورسوله ما لا يخطر ببال ولا يمكن أن يتصوره أحد في زمن مضى وليس ذلك بالعجيب تبعاً لتغير أحوال الناس وعلومهم ودرايتهم بفلسفة الشرق والغرب ومعطيات زمن حاضر لذلك فتغير الافتراء شكلاً لا يغيره بأنه افتراءً مضموناً وعليه فإن المتصدين لتبيين الدين الإسلامي اليوم مطالبون بأن يتلمسوا هذا التغيير في الافتراء بوضع الأمور في نصابها الحق وفق مصطلحات حاضرة ومفهومة للمعاصرين لا أن يكرروا ويجتهدوا في تلقين الناس نصوص مجادلة القدامى لخصومهم في قوالب لا تفند الافتراء القائم بقدر ما تظهر عجز المجادلين للحق ومن ذكاء المسلم الفطن أن يعلم بأن للافتراءات مزاجيات الشعوب ونسق الإعجاب وبرهان السطوع يغلب به أقوام آتاهم الله في اللسان سحراً فزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فأتبعهم الناس في ضلالهم حتى جاء زمن يصبح فيه الاستدلال بالقرآن على شنيع الأفكار والممارسات من أعظم أنواع الافتراء على الله تعالى ..
والله أعلم
——–
الحلقة الرابعة عشر
(الاستثناءات)
١٤٣٦/٩/١٤هـ
 الثابت في الدين بأن هناك نصوصاً كثيرة دخلها الاستثناء نصاً في القرآن العظيم وذلك خروجاً لهذا المستثنى من أحكام دنيوية أو أخروية وأكبرها الاعتقاد والنطق بكلمة الكفر فقد قال الله (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) وقال في الشعراء (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا) والثابت أيضاً بأن اعتبار بعض الحالات كمثال يمكن القياس عليه منهج الشرع في التكليف بالأحكام الشرعية كما في الصيام حين يقول الله (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فَعِدَّة من أيام أخر) وكما في نصوص أخرى (إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا) وقوله (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) وفي آيات الحجاب وإظهار الزينة من النساء مثل ذلك ليثبت في مقصد الشرع بالإيمان أصلاً وبالتكليف الشرعي العملي تبعاً فسحة استثناء تجعل من هذا الدين ذَا قيمة عالية في مراعاة الظروف والاحتمالات عطفاً على أن شرع هذا الدين هو الأعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير ..
والمتغير فيما يخص المكلفين هو إنزال الحالات التي طرأت والأمور التي استجدت على استثناءات الشارع الحكيم كأصل متين لا يمكن التغافل عنه فالأحكام العامة المحضة والتعميم والكلية من مستحيلات الرسوخ الديني في الدعوة إلا الله والمسامحة من الاستثناء خاصة وأن مجالات الفرص لمن يتبصر في القرآن الكريم كبيرة وواسعة وذات رحمة ورأفة بالناس عموماً لذلك فحجب الواقع الذي نعيشه عن مبدأ استثناءات رباني التنزيل هو ظلم عظيم وتدليس غير مبرر على من استرعاهم الله تعالى ليدخلوا في دين الله أفواجا ومن متغيرات الفهم الواجب الالتفات لها بأن مجمل الاستثناءات التي جاءت بها نصوص الكتاب الحكيم مسلطة ومنصبة على الحالات والاحتمالات والظروف ولا تركيز فيها على الأشخاص والأفراد إلا ما اختص به رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم من أحكام أما بقية السماحة الشرعية ورفع الحرج الإلهي فهو من شموليات هذا الدين العظيم لمن ألقى لذلك بالاً وتفكر في آيات ربه ..
والله أعلم
——–
الحلقة الخامسة عشر
(الأخلاقيات)
١٤٣٦/٩/١٥هـ
الثابت بأن مجمل توجيهات القرآن الكريم وسرده للآيات تتعلق بالأخلاق تعاملاً مع المماثل والمخالف والآخر ولم تقتصر آيات الذكر الحكيم على أمر بخلق أو نهي عن خلق بل ضربت الأمثال الواقعية في ذلك ليلتفت المخاطبون لهذه الأخلاق عملياً والثابت بأن كل أحكام الشرع الواردة في القرآن مكفولة التنفيذ بالأخلاق فلا عبادة ولا تعاملات ولا عقوبات خلت من خلق كريم وجه له القرآن الكريم ليثبت لمن تدبر الكتاب الحكيم بأن أي فعل أو عمل أو ردة فعل أو تصرف لمسلم انفك عن الخلق ولو كان ذَا أصل بدليل أمر فليس من الإسلام في شيء خاصة وأن نبينا صلى الله عليه وسلم جاء متمماً لمكارم الأخلاق وفي هذا ثابت دقيق مهم بأن مكارم الأخلاق غير الأخلاق ليثبت بأن الأخلاقيات أساس لا مناص منه وهي من أصول الدين بجانب العقائد لمن آمن بالإسلام منظومة حياة متكاملة ولم يأخذ طرفاً من الكتاب ليسيء لغيره ونفسه ومجتمعه بتصرفات غير مسئولة ..
والمتغير هو دوران الناس في مجتمعاتهم وأحوالهم مع هذه الأخلاق تطبيقاً وتنفيذاً وهذا زمان يشابه زماناً ظهرت فيه الرسالة المحمدية واستقر لها الأمر في المدينة المنورة بداية العهد النبوي الشريف بعد الهجرة يجب أن يصبغ بصبغة أخلاق هي من صميم الدين تنفيذاً للدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة وما يتغير الناس ليرقوا بأخلاقياتهم المستمسكة من العقل البشري إلا وبلغوا بثقافتهم التي يحملونها بغية يرجونها وتغيرات الأحوال ومشكلات الزمان وفتنه داعية بامتياز لأن تكون الأخلاق كقواعد ذات تفعيل واستراتيجيات تنفيذ هي الأولى في كل شيء دعوة ومناظرة وحكماً وتعاملاً لا أن تكون الأخلاقيات ملتصقة بالعواطف من باب الإحسان والتفضل على الناس حيث العواطف تخبو وتعلو لكن ما ارتبط بالفكر والقناعة من الأخلاقيات يصبح ثقافة عمل هي الفكرة الرئيسة في ثوابت القرآن الكريم وعلى مدار كل المتغيرات الأمر الذي يدعونني للقول في هذا الزمان بأن الخلق مقدم على حكم يختلف فيه الناس استدلالاً واسترشاداً ..
والله أعلم
———
الحلقة السادسة عشر
(اللّعٓنات)
١٤٣٦/٩/١٦هـ
الثابت بأن الله (لعن الكافرين وأعدّ لهم سعيراً) وأنه تعالى قال عن الشيطان (شيطاناً مريداً لعنه الله) وذكر عن بعض الكافرين (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً) وقال عن الذين يكتمون آيات الله (يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) وجاء في القرآن أنه جعل اللعن جزاء لبعض الكفار فقال (أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والنَّاس أجمعين) وقال عن الذين كفروا وماتوا وهم كفار (أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والنَّاس أجمعين) ويثبت من ذلك بأن اللعنات من الله تعالى أمرٌ قدري منه جزاء لمن حارب الله ورسوله ويثبت كذلك بأن لعن غيره تبعٌ للعنه ولا لعن من خاصة مكلف دون لعن الله التعالى وليثبت أيضاً بأن خاصية هذه اللعنات هي لله تعالى لما فهم منها أنها طرد من رحمة ربي ولا يطرد غير المالك أو من طلب منه ذلك وثابتٌ في القرآن والسنة أن هذا اللعن وغيره إنما هو عقاب رباني لا دخل للإنسان فيه إنشاءً وابتداءً ولا دخل له في دعاء يطلبه مسلم من ربه ليلعن آخرين إلا ما ذكرته سابقاً من قبيل اللعن لا طلب اللعن ..
والمتغير اليوم أن الناس ربما فاتها بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة لم يكن لعاناً ولا سباباً ولا شتاماً ثم فاتها بأن اللعنات التي جاءت في القرآن العظيم هي أحكام على صنفين صنفٌ هو الموجود في ذلك الوقت وأصابه اللعن وانتهى الأمر وصنف من استحق مثل ذلك الوصف وهو حكم يقتضي دليلاً وبياناً وما ذلك بالبيّن في كل حال من الأحوال التي بستخدم فيها غالب الناس اللعنات لآخرين ولم يثبت في القرآن الكريم لعن فرد بعينه إلا إبليس فليس لمسلم حسب وجهة نظري الحق في لعن فرد بعينه مهما بلغت الأمور إلا تبعاً لما بين الله تعالى في كتابه العزيز أما إشراك اللعن في الدعاء فلعل تغيرات المعلومات ومصادر الاستدلالات تبين بأنه من غير المؤكد أن يطلب من الله تعالى دعاء بصيغة (اللهم) لعن آخرين إلا إذا كان في خصوصية ضيقة جداً للرسول صلى الله عليه وسلم في حالات معينة أما لعن من لعنه الله ورسوله فهو بأسلوب اللعن لا طلب اللعن ولعل كون اللعن سباً ربما يدخل في أدبيات القرآن الكريم حين أمر بعدم سب المخالفين حتى لا يسبوا الله ورسوله لذلك فتغير الناس تجاه طلب الهداية والرحمة أولى من طلب ما لا يملكون هو إخراج من رحمة الله عز وجل التي وسعت كل شيء ..
والله أعلم
———
الحلقة السابعة عشر
(العلاقات)
١٤٣٦/٩/١٧هـ
 الثابت بأن الله جل وعلا في القرآن الكريم جعل العلاقات بين أفراد المجتمع البشري ذات خصوصية في ترتيب الأحكام والتوجيه أياً كان الموضوع أو المجال بل امتد الوصف بعلاقة معينة مثل (إخوانكم) من العلاقة البشرية ذات الأب والأم أو أحدهما إلى الإخوة في الدين والملة وجعل من علاقات الجوار علاقة ومن علاقات الوصف المؤقت علاقة كالفقر واليتم والضعف ونحو ذلك وثبت في القرآن الكريم لغوياً بأنه أضاف تلك العلاقة للمخاطبين بإلصاق ضمير المخاطب كلما وجه الكلام للمأمور به فيقول ربي (يوصيكم الله في أولادكم) ويقول (فإخوانكم في الدين) وجعل للوالدين خطاب مستقل في العلاقة لعموم البلوى فعرفهم بالألف واللام فقال (وبالوالدين إحساناً) ليثبت لنا ونحن نقرأ كتاب الله تعالى أن الدين ثابتٌ في تنظيم العلاقات البشرية بين الأشخاص على الوحدة الشخصية أياً كانت بإطار عام ذي مقصد رباني كبير في غير محدودية أداء ..
والمتغير بأن الناس إن أيقنت تأثير مقاصد الشريعة في أدق تفاصيلها في علاقاتهم مع بعضهم البعض على المستوى الفردي ستجد من فواتح التعاملات ومستجدات الطرق ما يدور في فلك ذلك التوجيه دونما عناء لكنها حين تنسل من ذلك التوجيه بأن تركن لنوازع نفسها فقط فإنها ستتخبط في ظلام عميق ولو ادعت منطقية إنسانية لأن الله تعالى هو الأعلم بما يصلح للناس مع أنه أتاح لهم حرية المواقف في إطار الشرع فلم يغفل حتى علاقة الصداقة فقال (أو صديقكم) في إشارة واضحة ذات مرمى عظيم أن العلاقة بالإحسان هي مدار كل الذي يربط أفراد الناس بالأفراد الآخرين ليحسن النظر اليوم نحو تغير المجتمع لتحسين تلك العلاقات بتدريب الأفراد على تحسين العلاقات مع الأفراد بطريقة الفرد مقابل الفرد لينتج عن ذلك مجتمع تتوطد فيه العلاقات وتتشابك فيه الأيدي نمطياً وضرورة فيصدق عليه الناتج البدهي بأن (اعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) والعلاقات الحسنة أم الآثار في علاج كل أمراض الشعوب بغض النظر عن أيدلوجيات وخلفيات وهو مقصد الشرع في (وكونوا عباد الله إخواناً) ..
والله أعلم
———
الحلقة الثامنة عشر
(السياسات)
١٤٣٦/٩/١٨هـ
الثابت الذي نؤمن به بأن الله تعالى وضع في كتابه الذي نزل لعباده معالم عظيمة يهتدي بها الناس لسياسة حياتهم ويتلمس فيها الحكام طريق العدل والمساواة انطلاقاً من أنهم أصحاب أمانة وقبل ذلك هم بشر ممن خلق والثابت أيضاً بأن سياسة الناس والدولة أيام العهد النبوي كانت تنزيلاً من حكيم مجيد حيث هو صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وما يثبت لنا حينذاك بأن السياسة كعلاقة محكوم بحاكم وعلاقة دولة بأخرى تأخذ نصيبها من التوجيه الرباني ملخصة في الطاعة المصلحية في غير مخالفة للثوابت فكم من مرة قال ربي (وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم) غير أن الثابت أيضاً بأن القرآن الكريم في تنويعه للتوجيه والإرشاد في مجال السياسات جعل خيارات الانتقاء من المناسب في الحكم والدولة متاحاً لما يناسب كل قوم ومنظومة اجتماعية وحالات حرب أو سلم ليثبت بالتالي بأن السياسة في الدين من الدين ..
والمتغير حتماً تغير الزمان والمكان والخلق والفكر والثقافات والأحوال ولا يستطيع صاحب سياسة اليوم أن ينفك عن واقع يعيش فيه بادعاء مثلية مطابقة لما كان عليه العهد النبوي إلا إذا كان واهم الافتراضات ومع ذلك فإنه يسع المسلمين ما وسع اجتهادات واسعة ومسجلة في التاريخ بعد العصر النبوي مباشرة من خلفاء وولاة في أمور سياسية شتى ترجع في أصلها لتوجيه النص الرباني للمصلحة العامة ولذلك فتغير التعاطي والتدارس للقواعد العامة العظيمة الزاخر بها إسلامنا وديننا في سياسة الأمر والدولة والعدل والإحسان وأداء الأمانة واجب لأهل الفكر الذين بشيرون على ولاة الأمر والحكام ورأس هذا كله السلام والحب والوئام والعافية حيث هي مطلب الإنسان عموماً ودين ربنا الإسلام خصوصاً وسياسة الناس نحو تحقيق ثقافة الخير في هذا الدين خير من مشاحة واقع وعناد مع منطقية قرار ومنهجية أداء فما اجتهد صاحب سياسة في طريق يوصله لأن يحقق في الناس كفاية دنياهم وهم سالمون إلا أعانه الله ذلك ..
والله أعلم
———
الحلقة التاسعة عشر
(المُلهيات)
١٤٣٦/٩/١٩هـ
الثابت بأن (لهو الحديث) حين يضل عن سبيل الله تعالى ويصد عن الصراط المستقيم فهو كغيره من أي شيء يلهي ويشغل عن الواجبات والثابت بأن الله تعالى عبر بـ (لهو الحديث) ليكون ذلك عام في كل حديث يفعل ذلك الفعل بسبب ذلك الفعل لا بسببه هو كشيء معين ما لم يكن ذَا فساد باعتبار آخر والاعتبار حينها لذلك السبب الآخر وليس لكونه حديثاً وثبت في القرآن بأن قسماً ممن يصد عن دين الله تعالى يتخذ لذلك أساليب كثيرة منها الإشغال والإلهاء والخوض في الله ورسوله يبغونها عوجاً ويقعدون بكل صراط يصدون عن سبيل ربنا تعالى ولهم في ذلك من الطرق الحديث والكلام واللعب والاستهزاء ونحو ذلك من الذي ذكره ربي في القرآن العظيم لكن الثابت بأن الله تعالى قال عن الحياة كحكم قدري خلْقي (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو) ورغم ما في هذا النص الشريف من زجر عن أن تكون الدنيا وزخرفها هي غاية المؤمن إلا أن ذلك لا يصرف الدنيا عن أنها لهو ولعب بعد أداء الواجبات والاحتراز من المحرمات والممنوعات حيث ربي قال (ولا تنس نصيبك من الدنيا) ليثبت عبر التاريخ بأن الناس في ذلك مقامات ودرجات ..
والمتغير اليوم بأن ما وعد الله به بأن فتح على الناس أبواب كل شيء يجعلنا في طريق استصحاب الأصل أكثر إلزاماً فلا استطاعة للإنسان تغيير سنة الله في خلقه لكنه مأمور باستعمال تلك السنة في خدمة الدين ونفسه ومجتمعه والعالم والالتفات للهو بعين البصيرة الثاقبة أن يكون ذَا رسالة دينية ودنيوية بالغة التأثير هو البغية التي من أجلها نتمكن من إعمار الأرض وتحقيق الاستخلاف فيها كما أمر الله تعالى وعلى ذلك فإن تغير الحكم الشرعي نحو الاستدلال بأن اللهو عام في كل شيء وأي وقت لذات ذلك اللهو فيه من أحقية الاستدراك ما فيه فالناس تلهو بعد أن تؤدي ما أمرها الله به وتلعب حين لا يكون في ذلك ما يضر بل ينفع بأن تفعل النفوس حيناً ما جبلت عليه بعد أن فعلت ما أكرهت عليه فالجنة محفوفة بالمكاره والذي هو من الأهمية بمكان بالتغيير في هذا المجال مطالعة مقاصد الشرع عموماً في أحوال الإنسان وفق ما نملك من نصوص قرآنية ونبوية هائلة ليس فيها ما يمحي الصبغة الإنسانية لمن كلفه الله بعبادته في أي حال من الأحوال ليكون مفهوم الملهيات للناس أوضح ولما عناه الشارع الحكيم أقرب للفهم ومن ثم الامتثال ..
والله أعلم
——–
الحلقة العشرون
(البدايات)
١٤٣٦/٩/٢٠هـ
الثابت بأن الله تعالى هو (المبدئ) وهو من (يبدأ الخلق ثم يعيده) وهو تعالى الذي قال (وبدأ خلق الإنسان من طين) ليثبت لنا بأن بداية كل الأشياء من الله تعالى بداهةً وقناعة وأصلاً لكن الله تعالى اختار في منهجه القرآني تعريف خلقه بهذا المبدأ العظيم الذي هو (البدايات) وصرح في أكثر من موقع في كتابه عن بدء أشياء معينه وكيف بدأت ومنها خلق أبينا آدم وزوجه وتكلم الله عن الماء وكيف يرفعه ربي للسماء وينزله غيثاً ويبدأ به دورة حياة جديدة وتكلم عم دورة حياة الإنسان من نطفة حتى يهرم ثم يموت والثابت بأن معرفة البدايات تعين كثيراً في توصيف المشكلات وتسهل اختيار بدائل المعاملات في التعامل مع الأشياء ديناً ودنيا والبداية اعتبار فقد قال ربي (وهم بدأوكم أول مرة) فمن تمكن عقله وقلبه من معرفة البداية والتحقق منها نشأة وسيراً استطاع بالثابت من التوجيه الشرعي أن يجعل من توسط ونهايات الأمور إلى خير هكذا كان نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في شتى أحكام ومقاصد ثريّة بها سنته المطهرة ..
والمتغير بأن يرجع النظر الجمعي للمجتمع المسلم إلى تحقيق تصورات البدايات ليعلموا في أي نقطة هم عنها بعداً أو قرباً وهل هم شطر ذلك الحق أم شطّوا عنه بشيء من اختلاقات أنفسهم ومن متغيرات الأمور أن لا تكون بدايات المشكلات ذات أهمية في علاج الخلافات بين الناس أو الاختلافات بين الأفكار ليكون الظن والشك والتوهم هو الحكم بينهم لكن التغير للأحسن والأفضل قراءة البدايات المستحقة قراءة من يبحث عن نقطة الاتصال والوصول ليكون هذا الدين موصول أوله بتاليه ويتحقق المقصد الشرعي بصلاح الأمة بما صلح به أولها على المعنى الكبير العام لا على المعنى الضيق مادة وملموسات ولعل بداية بعد بداية تلزم الناظر جمع البدايات لبعضها البعض حتى يميز الأصل من الفرع خاصة وإننا في زمان بدأت فيه المعلومة هي قائدة الاتجاه صدقت أم كذبت وأصدق بداية حقة هي ما ذكرها الله تعالى بنظرية (الفتق) حين قال (أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما) وما ذلك وفق وجهة نظري إلا متوافق مع أن الأشياء كلها معنوية وحسية كانت مجموعة الشمل في بدايتها ثم هي إلى انفجار ثم اختلاف ثم بداية جمع وتوافقات وهو أصل عظيم في دين الله ..
والله أعلم
———
الحلقة الحادية والعشرون
(الحسنات)
١٤٣٦/٩/٢١هـ
الثابت في ما ندين الله به بأنه يكتب الأجر على الأعمال الصالحة وأن الله تعالى يسمي العمل صالحاً ويجزي عنه بحسنة ويضاعف الحسنات بعشر أمثالها وثبت لدى كل من علم من القرآن شيئاً بأن العمل الذي حسّنه ربي هو الحسن والذي جعله ربي سيئاً كذلك ومن الأمور ما تنقلت بين الميزانين باعتبارات خارجة عنها عندما تكون عارضة لا أصلية والثابت في القرآن العموم مع عدم المخصص النصي الأصلي في ذات خطاب الله تعالى ومن ذلك أن ربنا يقول (إنّ الحسنات يذهبن السيئات) وتلك رحمة من الله تعالى أنه يعامل الخلق في الحياة بمداومة النظر في الصحائف بين خير وشر وغالباً ما يغلب الخير الشر فيمحوه أو يرجح عليه من رأفة الله بالناس لذلك فما ثبت في دين الله تعالى مثل هذا الأصل العظيم أن الخير بعد الشر خير وزيادة إذ يعمل عملين الأول إذهاب الشر والثاني ثبات الخير المستحق للأجر والنَّاس في ذلك عوانٌ على ما ذكر ربي ولهم فيه أسوة حسنة حيث قال الله (ادفع بالتي هي أحسن) ثم جعل النتيجة (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) ..
والمتغير نظر الناس لماهية الحسن والقبيح الذي يدينون به ربهم لكن تغير مادة الحسنات كأمور ملموسة متداولة لا تجعلها تخرج عن ذلك الأصل الثابت القطعي بأن أم الحسنات الإحسان للناس بنص القرآن العظيم وعلى كاهل المقصد الشرعي وفلسفته وثقافته والبحث فيه حمل عظيم ليري الناس الحسن حسناً والقبيح قبيحاً وأعظم التغيرات ضرراً في زماننا هذا أن تتمسك عقول بأن حسنات ليست في محلها المرادة كذلك فوق ما فيها من إيذاء البشر والنَّاس والله يقول (وقولوا للناس حسناً) وليس ذلك الذي هم فاعلوه بالحسن ولا قريب منه حتى يذهب سيئة أو يمحها ولا أدل على ذلك من أن قوماً ظنوا استجلاب الجزاء قبل وقته بإضرار الناس حسناً فمن الذي أخبر من يحتال في نفسه وشيطانه ليقتل ويموت ويميت ويؤذي أنه بذلك ناظر إلى جنة نعيم والأصل بأن الجنة جزاء المحسنين وما إحسانٌ من غير مراعاة لما جعله الله حسناً كأصل تشريعي لا يمكن أن يعرف معزولاً عن تغيرات الناس وأحوالهم وما يكون لهم إحسان ..
والله أعلم
———
الحلقة الثانية والعشرون
(الغوايات)
١٤٣٦/٩/٢٢هـ
الثابت بأن الشيطان كان من (الغاوين) والثابت بأن آدم خالف أمر ربه (فغوى) ثم تاب عليه وهدى والثابت بأن مبدأ الغواية عن الحق والصّرف عنه من سنة الله تعالى في كونه حين هبط آدم وزوجه وسلط عليه وعلى ذريته الشيطان وجنوده وملّكهم ربهم غواية بني آدم بالذات وقال (لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة) والثابت بأن الغواية مهارة وسلوك شيطاني قدري الوجود حتى يرث الله الأرض ومن عليها لا ينحصر في أسلوب ولا في جهة ولا وقت فقد قال الشيطان بأنه متعهد بالغواية والأماني والتغرير عن اليمين والشمال وفي كل هيئة وكل حال وأقره ربه على ذلك كوناً وخلْقاً وما منكرٌ لغواية الشيطان إلا منكرٌ لكتاب الله تعالى لكن الثابت أيضاً بأن الغواية بالغواية غوايات أيضاً بحيث يتعلم البشر من الشيطان حين أغواهم أساليب يغوون بها إخوانهم من بني البشر كما قال ربي (شياطين الإنس والجن) وقال عن الكفار بأنهم (يعبدون الشيطان) وما حال (السامري) و (فرعون) ببعيد عن هذا ..
والمتغير اليوم تلبيس إبليس وتلوين الغوايات حتى لا تكاد تبين للناس إلا من جعله الله (من عباده المخلٓصين) الذين ليس للشيطان عليهم سبيل وقليلٌ ما هم ومن غوايات الأزمان أن الغواية تتطور كما تطورات الثقافات والأفكار والعلم والمعلومات ليصدق قسم إبليس بأنه لن يبخل بجهد في الوصول للغواية التي ينشدها في بني آدم (فلا تجد أكثرهم شاكرين) وما الانصراف عن الشكر والحمد قولاً وعملاً لله تعالى إلا من أعظم علامات الغواية للغاوي ومن أغواه إلا من تاب عليه ربه ورحمه ليكون لذلك مجال الغوايات مسلك لكل ضلالات الفكر وشطحات الاعتقاد وإلحادات التدين وتنطع المتشددين وخرافة بعض الفلاسفة على النظرة العامة بأن ذلك محتمل لا على النظر الخاص بأن هذا أو ذاك منحرف وغاوي ليكون لزاماً على من يطلب الصراط المستقيم أن يجعل من مقصد الشارع الحكيم في القرآن أن يحمي بني آدم من غواية الشيطان وجنده بالدِّين ذي الأصل الجامع المانع الكبير لا بشيء يمسكه بعض بأفواههم وهم في داخل نفوسهم يعرفون بأنه غير ذي صدق ولا مرجعية والغواية المتغيرة المتجددة أعظم وأشد فتكاً من غواية أصلية عرفها المحققون فاجتنبها أغلب العقلاء وما حياة الشيطان وإنظاره من قبل ربه إلا ليكون من المتسابقين مع الناس في استحداث ما يضرهم ولا ينفعهم وكثير ما غوى بعض بالخير الظاهر كغواية آخرين بالشر الخفي ..
والله أعلم
———
الحلقة الثالثة والعشرون
(الحرّيات)
١٤٣٦/٩/٢٣هـ
الثابت بأن دين الله تعالى مطلوب من الإنسان مع بقاء حرية الإيمان والكفر (لا إكراه في الدين) وكذلك فإن الثابت بآن آلة ذلك خلقها الله تعالى في نفس كل إنسان (وهديناه النجدين) وحرية الإنسان مكفولة ولو كان تابعاً (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) والحريّة أصل عظيم نفساً ومعتقداً وفكراً والله تعالى قال (والله أخرجكم من بُطُون إمهاتكم لا تعلمون شيئاً) ولولا الحرية لم يعص آدم ربه ولم يأنف إبليس السجود له بعد أمر ربه وحين يثبت بأن كل الحريات المرتبطة بأصل خلقة الإنسان ذات مقصد عظيم في الشرع فلا مجال لضدها إلا بحق ارتبط بغير هذه الحرية كالعقوبات وصد الاعتداء على الله أو رسوله أو دينه وعباده أو الحق العام لمنظومة المجتمع وثبت أيضاً في كتاب الله تعالى مبدأ الحرية في كل المباحات فقال ربي (كلوا واشربوا) وقال (فامشوا في مناكبها) وقال (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطَّيِّبَات من الرزق) ليعلم كل مخاطب بأن الحرية التي خلقها الله غير مسلوبة بالأوامر الشرعية ولا بالنظام العام طالما التزمت حدودها التي بها يستقيم حال الناس ..
والمتغير بأن مفاهيم الحرية حين تختلط بالفوضى أو تضيق بالتسلط يتشوش الفكر حيال أقدار الله تعالى وأوامره ونواهيه فلا يجد المسلوب حريته من اعتراض إلا على تلك الثوابت فينال منها من منطلق حرية تنقصه وبذلك يصبح الضرر في الدين أكثر من خيره الذي هو أصله ومقصده وما ذاك إلا بسبب تجرؤ آخرين على حريات بعضهم البعض وما يتغير الناس لفهم حريات الحق الثابت في دين إلا الله إلا عاشوا سلاماً منقطع النظير في الدين والدنيا ولهم في رسول الله أسوة حسنة وعلى ذلك أعتقد بأن تغير أسلوب رعاية الديانات من لدن من يحمل هم هذا الدين ببث الحرية الأصلية للمكلفين أنجع وأحسن من إكراه الناس على المظاهر وهتك خصوصيات أحوالهم بحثاً عن مخالفات لا يُسأل عنها إلا هم يوم لا ينفع مال ولا بنون وما نهي الدين عم التجسس والغيبة والنميمة والاعتداء إلا من تحقيق حريات هي عماد دين يبقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها ولا يعني هذا المتغير في أحوال الناس أن يعتدي مدعي الحرية على الدين ولا الخلق ولا الأمة ولا رباط المجتمع ولا مستحقات الاتفاق بين الأفراد في أوطانهم ..
والله أعلم
———
الحلقة الرابعة والعشرون
(الشهادات)
١٤٣٦/٩/٢٤هـ
الثابت في القواعد الشرعية بأن الشهادة من الدين في مجالات عدة فلا دين من غير لسان يشهد على ما في القلب بأن (لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) والشهادات في الخلاف العقدي معتبرة (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم) بل إن الشهادة منبع القناعة باللوم الرباني (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم) والشهادة مؤداة من كل نبي على قومه (وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) والإشهاد فلسفة ثبات الحقوق (وأشهدوا ذوي عدل منكم) والاستشهاد مطلب الفقه في المعاملات (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) والثابت أيضاً بأن فحوى الشهادة ذات عمل في الناتج (فإن شهدوا فأمسكوهنّ في البيوت) وثبت بأن في تمايز الشهادات فن التقاط الحق (فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما) وفي الشهادة مقصد شرعي عظيم لدين يقوم بها بداية ونهاية (وأقيموا الشهادة لله) وثابت بأن إخفاء الحق الذي يظهر به ما للآخرين من واجب عمل أو فعل أو ماديات ظلم وإثم (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) ليثبت حينئذ بأن مبدأ الشهادات مرتبط بالقلب قناعة وعلماً وأداءً وثابت بأن الشهادات بنات العلم (ما شهدنا إلا بما علمنا) وأن الشهادة على النفس من أعظمها (واشهد بأننا مسلمون) والشهادات ربان العدل (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم) ..
والمتغير أن فساد الذمم والقلوب والضمائر يجعل الفكر يسترخص مبدأ الشهادات فقهاً وعقيدة لاحتمالية الكذب والتزوير فيطغى ذلك على المجتمع مانعاً من خير كثير بل أصل من أصول مقاصد الشرع باحثاً عن ماهية الصدق ليضيع الوقت في أمد يبقى فيه كثير من الناس تحت ظلم بيّن وكذلك فمتغيرات الأحداث وجرأة بعض على نقمة أن يقول فمٌ الحق تقاعسٓ كثيرٌ عن تحمّل الشهادة أو أدائها استحباباً أو وجوباً خوفاً من المساءلة أو الملاحقة أو خوض غمار رعاية الحقوق فاكتفوا بلا أدري ظناً أنها المنجية ليكون تغير الحال والزمان والفكر وحده هو فرس الرهان ويتأخر تثبيت مقصد الشارع الحكيم في الشهادات عن مواكبة ما يدين الناس به ربهم تعالى مع أن عصرنا الحاضر في حاجة ماسة لأن يسبر أغوار الشهادات علماء وفقهاء ومفكرون في مرامي واسعة وميادين شتى لا تقتصر على شاهد في قضية جرم أو شاهد على نكاح فالأمر من ذلك أكبر وأعظم حين يستقر في الأفهام بأن الدين كله قائم على شاهد واحد هو رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إبتداءً حين صُدّق في أمر الوحي وانتهاءً حين يستشهده ربه على أمته وفي منحى أننا نشهد بوحدانية الله رغم استغناء ربنا القدسي عن ذلك أمر عظيم رباني لمن يريد استقامة مجتمع مسلم بثقافة صدق لا تنفك عن كل ما يخرج من كلام أو خبر وزرع الثقة في قبول الشهادة مع تحمل مسئولية الخطأ هي بداية الطريق نحو تغير أظنه محموداً في هذا الصدد والمجتمع والرأي العام والإعلام والفكر والثقافة والتواصل كل أولئك شهودٌ إن صدقوا وصُدّقوا ..
والله أعلم
———
الحلقة الخامسة والعشرون
(الكفايات)
١٤٣٦/٩/٢٥هـ
ثابت بأن الله قال (أليس الله بكافٍ عبده ويخوفونك) وما الكفاية إلا قيام تام بالشأن في خضم تحديات قد تعرقل ذلك لكن الله تعالى هو الْقَيُّوم وما التخويف إلا تلك البيئة المحيطة بمرحلة عمل الكفايات تقعد من استسلم لها مع أن النجاح مكفول لمن توكل على الله فهو يقول (فسيكفيكهم الله) ومن الثابت بأن الله أمتن بالماديات كفاية للمسلمين فقال (ألن يكفيكم أن يمدكم الله) ومن استكفى بما كفاه الله تعالى فاز في ثبات سنة لرب يعلم ويبصر ويرحم ويغفر ففي الكفايات أصل شرعي ثابت عظيم يشتمل على كل حاجيات المسلم في موقف أو مواقف تتطلب منه النظر لما يعمله هو وما هو قدر من الله تعالى في غير تعارض بين تسخير وتسيير يدركه قلب المؤمن الذي تمكن الإيمان من قلبه لكن الثابت بأن نفساً لم تكتف بإيمان وتوكل مقترنين فهي لا محالة في اعتقادي مثل نار يملأ الله جنباتها بالكافرين ولا تستكفي فتقول (هل من مزيد) وكفايات الثابت الشرعي التزام أصل وتبحر فروع ..
والمتغير أن ما استكفى به المجتمع قديماً من أعمال هي غالب جهدهم ثم توكلوا على الله تعالى غير ما يصله غالب جهد الناس اليوم في منطقية واقع نعيش فيه ووفرة مجالات لم تكن قائمة ليتغير ما يطمح له الأنسان بعمل يده أو فكره دون أن يتغير توكله على الله تعالى لبقاء أصل كفاية الله لعبده وللمسلم بعد استفراغ الوسع في الطلب ومن الغالب أن وجهة النظر الشرعية حول المبالغة في طلب الناتج الدنيوي مكروه أو مذموم فاليوم نجد المبالغة الجدية والعمل الدءوب المهني الخالي من الشوائب أصل ديني مقترناً بالتوكل على الله تعالى حين يراعي الحال والإمكانيات والبيئة المحيطة فلا كفاية شرعية في التهور ولا في طلب المعجزات والكرامات والفتح بدون وسائل تقود لذلك فالسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة لكن سعي المسلم عن علم هو الأصل لتكتمل كفتي كفايات إلهية مستحقة للمسلمين ..
والله أعلم
———
الحلقة السادسة والعشرون
(التعديّات)
١٤٣٦/٩/٢٦هـ
ثابتٌ في الدين بأن لله تعالى حدوداً ألزمها من استرعى منهم الانتماء لدينه وقال (تلك حدود الله فلا تعتدوها) وثابت بأن الشرع حين يعطي الحق في أمر إجراءً وحكماً يجعل له ملامح وأوصافاً ذات نسق واضح إبتداءً وانتهاءً يجعل من تجاوز القدر المسموح به تعدياً وربي قال (فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً) ومن يتلمس في كتاب الله تعالى مقاصد الدين العظيمة يجد بأن الإلزام في الالتزام بالحد الفاصل بين الحق والظلم جلي ظاهر في آيات الذكر الحكيم الداعية لذلك فما من نص وضع أمراً مكان الأخذ به إلا خُتم بالنهي عن الحيف والتجرّؤ على الاعتداء في مثلية عدلية مقسطة والله يقول (فاعتدوا عليهم بمثل ما اعتدوا عليكم) ويقول (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) والتماثل هنا ثابت الأمر قدراً ومساحة لا يتخطاه إلا ظالم معتدي وَمِمَّا ثبت أيضاً أن في أحكام الشرع البينة الوقائع حدوداً في الكمية والقدر كما في الميراث الذي خُتمت آياته بقول ربنا (ومن يعص الله ورسوله ويتعدّٓ حدوده يدخله ناراً) في تنويه على قصد الشارع لتفصيل الربع والنصف والثلثين وغيرها من الأنصبة من زادها ظلم ومن نقصها ظلم ومن الثابت عند العقلاء أن أحكام الشرع خاصة بالموضوع الذي جاءت فيه واستصحابها لغيره مناط اختلاف لا يُلزم الناس به إلا معتدي فيما أظن وأحسب والله يبيّن ويفصل ثم يحذر فيقول (فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) ..
والمتغير اليوم بأن الناس في مسار التعديات أخذت ظاهراً وعرضاً من هذا الأدنى وجعلت منه أصلاً جامعاً تعتدي باسمه على حقوق الناس بالأخص وما منحهم ربهم فيه من فسحات امتثال هو الأعلم بها ولما تغيرت الأحوال وظهر الفساد في البر والبحر زعم قوم بأن في الاعتداء على النصوص والجرأة على التعدي بها لأشباه موضوعها خلاصاً من نوازع الشر وبواعث على الخير وما ذلك وفق اعتقادي إلا من تزيين الشيطان لسوء العمل حتى رَآه صاحبه حسناً فصحيحٌ بأن مقتضى التغيير في الأسلوب يستلزم تغييراً في التصور لكن الثابت يدور مع المتغير في أصل المقصد وإن انفك عنه فليس ذلك بتغيير بل هو التبديل وأصل قصد الشارع سماحة الدين ويُسر الارتباط بتكاليفه لا عسراً ابتدعه بعضٌ منّا والذي أعتقده بأن تغيير التوجه نحو النظر في الفقه كمجموع دين يجب أن يتجه لما حدده الشارع في مقادير المسموحات وأوصاف الأفعال بصورة دقيقة الوصف لا يتخطاها أحدٌ زيادةً من باب احتياط فلا احتياط في الضرر إلا نقصاً لا زيادة وأما في مجال الأموال والملوكات فليس من توافق مع تغير العصر أن تبقى الأمور مقدرة بمصطلحات تغيب عن فهم المكلفين أو تخضع لاجتهادات فتاوى هنا وهناك وحري بأمة الفقه تغيير نمطية تلك المقدرات بما لا يدع مجالاً للشك أو يقلل نسبته قدر الإمكان فنحن بعدم التفاتنا لما يتعلق بالتعديات تغييراً مع ثقافة شائعة في عالمنا تستسهل الظلم من زرعنا بيئة للظالمين ..
والله أعلم
——–
الحلقة السابعة والعشرون
(الشرِكات)
١٤٣٦/٩/٢٧هـ
الثابت في القرآن أن الناس قد يشتركون في ملك (ضرب الله مثلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل) ومن الثابت بأن الشركات من التجارة (إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم) والاشتراك في النصيب المادي قسمة ربانية في الميراث (فهم شركاء في الثلث) وكذلك القوم يشتركون في السماح بشيء معين (وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء) والثابت بأن الأصل في الشركات وفق معنى الاشتراك تساوي المقدار المملوك أو المعطى ما لم يتفق الشركاء على غير ذلك (إن أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها) وثبت بأن في الشركات عدل وبغي (وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وَمِمَّا ثبت بأن الأصل السابق ملكية فردية والاشتراك طارئ في التملك (وقليلٌ ما هم) وحينذاك فالإسلام جعل الاشتراك المعنوي في الانتساب لعبادة الله أمراً هاماً ليكون الاشتراك عموماً في تحقيق مقاصد الشرع قصدٌ للشارع من باب (وتعاونوا على البر والتقوى) فثبت بالاستدلال والاستقصاء بأن الاشتراك المالي تبع للأصل في مرامي هذا الدين الحنيف يجب فيه ما يجب في كل خلطة يبتغيها الدين ممن انتسب إليه عدلاً وحقاً ..
والمتغير أن زيادة الخلق وعدد البشر عما سبق في زمن مضى وتبع ذلك زيادة المسلمين وتفاوت حالهم مادياً يستلزم أن تكون الشركات بعموم معناها وأنواعها في الفقه مقصداً عملياً لمن يتولى اقتصاد المسلمين يعينه في ذلك أهل فكر رجّحوا المصلحة العامة لهذا الدين على التمسك بقناعات فردية نهوضاً بالفرد المسلم من حالة العوز واستقبال الهبات والصدقات إلى حال فرد مسلم عامل قوي يملك جزءً ولو يسيراً في شركات كبرى ليتغير نظر العامة للشركات أنها استحواذ أغنياء واستغلال فقراء وتغييب هذا الجانب عن ملاحقة بورصة الأسهم والاكتتابات العامة في الشركات المستجدة يزيد من حمى الجشع التي أكلت الأخضر واليابس من اخلاقيات المسلمين في سبيل دفع البسطاء لبيع حصصهم بثمن بخس يستغل فيه التجار حاجتهم وظروفهم ولنا في أمم إسلامية غير عربية جددت المصطلحات الفقهية والنظرة العملية القانونية للشركات في ديننا المبارك ورفعت من قيمة شعوبها وأوطانها باقتصاد إسلامي فعال رأس ماله إغناء الفقراء وتوفير فرص متكافئة شراكةً واختلاط إمكانيات ..
والله أعلم
———
الحلقة الثامنة والعشرون
(السُّلطات)
١٤٣٦/٩/٢٨هـ
 ثابت بما لا يدع مجالاً للشك بأن السلطة منها ما هو منحة ربانية إلهية بالأمر كسلطة الرسل عندما بعثهم الله تعالى طالما هم على قيد الحياة (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) وتلك السلطة ماضية بالانصياع دونما ريب (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) لكن سلطة الولاية العامة ربما دخلت تبعاً إبان عهد الرسل عليهم الصلاة والسلام بينما هي أيضاً منفردة عن الرسالة والنبوة قد تكون كذلك من الله (إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً) وقد تجتمع صراحة مع الرسالة كما في حال سليمان عليه السلام والثابت في الشرع القرآني بأن السلطة في الولاية العامة مقصد شرعي (وأَطِيعُوا الله والرسول وأولي الأمر منكم) وما جاء التفصيل بقوله (منكم) إلا لهكذا اتجاه وتلك سلطة تتبع العدل والقيام بأمر الله تعالى حين تستخدم لكن سلطات أخرى كما في النكاح (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) وكما في التزويج (فانكحوهنّ بإذن أهلهنّ) هي سلطة ثابتة لأمر خاص ليست مستقلة التصرف دون تفعيل مجريات الإذن الخاص الواجب لصاحب الشأن وثابتٌ بأن منح الشارع سلطة للبعض حين القيام على الوصاية على الأيتام وأعطى ربنا سلطة للوالدين للتربية مع الوصية حين وصاهما بهم ووصاهم بهما جزاء إحسان ومن ثبات القرآن في مسألة السلطة أن جعلها مرتبطة بالخير وما ينفع الناس (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم) ..
والمتغير بأن منبع السلطة قدريّ الحدوث وإن كان منوطاً بالوجوب الشرعي في الاتخاذ والولاية العامة لكن دوام السلطة العامة بالعدل والإنصاف والشورى والعمل للناس وما يصلح حالهم في شتى الميادين ليتغير أداء صاحب السلطة وفق حال من هو سلطان عليهم وإلا كانت السلطة ذات مشادة وضرر بين وفي عودة استقرارها يهلك الخلق وتضيع السنون والسلطات الأخرى دون الولاية العامة ما لم تتغير النظرة الفقهية تجاهها في المجال الاجتماعي بالإلزام بمقصد الشرع الذي يسلط أحداً على أحد لهضم حقوقه فإن المجتمعات المسلمة ستظل في وهم سلطات لأفراد وما هي لهم بحق يعنت بها كثير من الناس ومن فهم التغير في الحال والأوضاع والأفكار دار بسلطته المعنوية مع دورانها في جهد الباحث عن مصلحة حقيقية ملموسة لا تتعدى على حقوق الإنسان مهما كان وما سلطةٌ لشخص لوصف عارض أو أصلي هو فيه لذاته إنما لاعتبار عمل يقوم به هو واجب عليه ليس له فيه منة على الآخر ومن يفهم نصوص الشرع يستوعب رضا عظيماً في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً ونساءً وأطفالاً بما كان عليه حالهم وهم يمتثلون لأمر الله ورسوله فيهم وفي تعاملهم مع بعضهم البعض من غير ظلم ولا اختلاف تطبيق ومن تغير الأمور لو استرضى قوم أو مجتمع سلطة جماعية بشورى وتبادل مواقع فهو لهم أمر مشروع لا جدال فيه فالغاية أن يعيش المسلم آمناً في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه على الأقل ..
والله أعلم
———
الحلقة التاسعة والعشرون
(النّهايات)
١٤٣٦/٩/٢٩هـ
الثابت بأن الله تعالى قال (كل شيء هالك إلا وجهه) والشيئية متحققة في كل الدنيا وما فيها وما عليها والهلاك من المُهلِك تحويل من حال لحال والله يقول (كل من عليها فان) والفناء ذهاب عن صفات الأصل مع بقاء المادة ومن أسماء الله تعالى أنه (المميت) و (المعيد)  ومع ذلك من يتأمل ثوابت الحق في كلام الحق تعالى يعرف بأن ربي وضع للأشياء بدايات لكن النهايات لم يجعلها في الأغلب الأعم إلا تغيير صورة أو تبديل أداء تمهيداً لإعادة بشكل آخر لغرض آخر فالهلاك إذن ليس نهاية وربما هذا يدعم القول بأن الأشياء كلها ليست أزلية حيث لها ابتداء (والله خالق كل شيء) وهو الذي (يخلقكم خلقاً من بعد خلق) لكنها أي الأشياء ليست نهائية حتى يشاء الله تعالى بل هو معنى آخر وتوصيف يختلف (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) والثابت بأن الله يحول صفة السماء (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب) ويحول الماء ناراً (وإذا البحار سُجّرت) ومع ذلك يقول (خالدين فيها مادامت السموات والأرض) وغير ذلك كثير في أشكال قدرة الله تعالى في كونه ومن ذلك خلقه ليثبت حينها بأن النهاية بمعنى التلاشي إلى لا شيء ربما غير متصورة فالأمل يقود لحال غير الحال ومن ذلك أن الله يسلى نبيه صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا ويعده بأمر آخر في وقت آخر (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون) ويقول له (إن الدار الآخرة لهي الحيوان) ويخبره (لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) فيثبت حينها أن الأمد هو حال متبدل وربي يقول (فقطع دابر القوم الذين ظلموا) والقطع يستلزم جزءً وجزأه ..
والمتغير في هذه النهايات النظر فيها بقلب مؤمن يحسن الظن بربه في الدنيا (ستدخلون المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين) وتلك بداية الفتح ونهاية الظلم مع تغير لحال آخر يبدأ فيه شكل آخر لما كان قد انتهى بالنظرة الإنسانية القاصرة فمن علم كنه ذلك وحقيقته لا تنتهي عنده نوافذ الرغبة في الله ولا تشتعل فيه نار القنوط ولا اليأس (وتلك الأيام نداولها بين الناس) فلا نهاية إذن ومن تصفح القرآن حسب ظني لم يجد في الأغلب لفظ الانتهاء بمعنى النهاية والتلاشي فمن تغيرت نظرته دائرة مع ثوابت الدين الموقنة بنهاية مرحلية هي (إنك ميت وإنهم ميتون) وتبديل بداية هي (قل بلى وربي لتبعثنّ) أحسن الظن كذلك بربه في الآخرة مآلاً حين يصلح القلب ويخلص عمل لله تعالى وكذلك هي القلوب لا ينتهي منها خير وشر في مطاردة أملٍ ما بقيت وحين انتهت بدأت بقدر رباني آخر فلا يعجزنّ أحد أن يحاول فهم مناط النهايات في الدين دوارناً لا انقطاعاً ففي ذلك حسب اعتقادي دينٌ عظيم لرب العالمين الذي قال عن نفسه (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين) والنهاية القطعية إلى العدم في الأظهر منزهٌ عنها الله حين ابتدأ وخلق ..
والله أعلم
———
(اللهم يا ربنا ورب كل شيء وإلهنا وإله كل شيء لك الحمد حمد المستغفرين إن كان هذا آخر يوم في شهرك رمضان فاجعلني وإخوتي والمسلمين من أهل رحمتك ولطفك وعنايتك فلا نشقى وأنت تدرك الأبصار ولا تدركك الأبصار واعف عنا واصفح عنا على الخطأ واهدنا للحق بالحق المبين الذي عليه نبينا محمد رسولك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين)
والتوفيق من ربي والخطأ ومجانبة الصواب مني ونفسي والشيطان فسامحوني ولكم الشكر على تحمل تواضع كلماتي وبضاعتي المزجاة ..
وكل عام وأنتم بخير ..
——–
كتبه/ محمد أحمد بابا – السعودية – المدينة المنورة
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: