عالجوا وسيلة

بورما التي تمسك بتلابيب أكثر من ١٦٠ ألف مسلم في سجن كبير يفوق غوانتانامو بشاعة وفظاعة وإجراماً ومصادرة للحقوق الإنسانية ، دختلتها مذيعة الجزيرة (وسيلة عولمي) قبل فترة ليست بالبعيدة بجهاد الباحثين عن كشف حقيقة مكشوفٌ جرحُها ومستورٌ عفَنُ آلامها .متأكد أنا بأن ما نقلته لنا وسيلة لا يساوي عُشر ما شاهدته هي واطلعت عليه وعاشته وعاينته ، ومع ذلك أصابنا من مرض النفس تضاربات الشعور ومعاول الإحباط وسهام القهر حتى فقد كثير منا صواب ردة فعله .

حين تقف مهنيّة إعلامية مسلمة على ما يُِفعل بأهل ديانتها وبني جنس بشريّتها كالذي يرتكبه مسئولو ماينمار وفق تعاليم (بوذاهم) وتصلنا التقارير المصورة والتغطيات اليومية في سلامة حرفية وعلوّ جودة فإنني أجزم بأن ذلك أخذ من قلب وسيلة الراحة ومن نفسيتها السلامة ومن تفكيرها الاستقرار .

عجيبٌ أمر (أراكان) ومخيمات الظلم والاضطهاد فيها لفئة من الناس أكبر ذنبها أن تقول ربي الله على مرأى ومسمع من عالم زعم تحضراً وديموقراطية وحقوق إنسان في زمن يموت فيه الطفل (الروهنغي) بسبب بعض إسهال أو قليل حُمّى .

لا أصادر حق آخرين في فتح جروح مثل فلسطين والعراق وسوريا وغيرها لكنّي أفهم بأن مسلمي تلك البقعة الغربية من (بورما) جاءتهم وسيلة وسمعت منهم ورأتهم حتى أيقنت بأنه ليس في وجه العالم أقبح من غطرسة وطغيان (الرهبان) من البوذيين في أراكان .

بعد تغطيات المؤسسات الإعلامية لمواطن الحروب والنزاعات والكوارث يهتم برنامج الحفاظ على الناحية النفسية بفرق الشجاعة هذه مراعاةً وعناية ذات ، إما لأسباب إنسانية رداً للجميل أو اهتماماً مباشراً باستدامة عطاء كوادر بشرية متميزة .

هنا أقول (عالجوا وسيلة) ليس لأنني أعرفها أو أتفاءل لها بوعكة نفسية لا قدر الله ، بل لأنني واثق بأن (وسيلة) هي بيان ختامي لمؤتمر عظيم الأهمية حساس التوقيت انعقد في نفس كل إنسان ذي ضمير في العالم شاهد ما بثته الجزيرة عن مسلمي الروهينغا .

علاج (وسيلة) رغم إتاحته على المستوى النظري واحتمال نجاعته على المستوى العملي فائق الحساسية خطورةً في إلحاح إسراع واستعجال مبادرة وجرأة مواقف .

ماينمار اليوم دولة ، وإن فشلت ، وجزء من مجتمع دولي وإن تعجرفت ، ويحكمها اقتصاد وسياسة وتبادل مصالح وإن عاندت ، ليتضح لنا بأن مداخل رفع الظلم عن المظلومين فيها ليس عزيز ذكاء ولا بعيد منال ولا مستحيل نقاش ولا غريب فرْض .

وحين نكفكف بعض دمع من عيني (ماينمار) لا نجد لدموع تترى من عيون (حلب وحمص ودرعا) إلا مناديل المساعدات ومخدرات المظاهرات وبلسم الشجب والاستنكار وبعض ضماد منتهي الصلاحية من منظمات عالمية لجروح لا تفتأ تنكأ ..

لكن (وسيلة عولمي) ذهبت حيث (ريف حلب) ووجدناها تظهر في تقارير الجزيرة بين مساحة خراب ومشاهد بؤس لا يستطيع ماهر في (هوليود) محاكاتها ولو رغب .

ظهرت مذيعة الجزيرة متحدية كل المخاطر ، تقابل الأمهات وتتحدث للأطفال وتحاور بعض العائدين وتقف سائلة ومناقشة عناصر من الجيش الحر وكأنها تأذن ببداية نافذة جديدة على سقوط الإنسانية في وحل الحروب ومستنقع القتل وبوابة التهجير والتطهير والظلم .

تعنيني وتعني كل إنسان أية كارثة تحصل في العالم اليوم مخلفة وراءها إنساناً يموت أو يجرح أو يجوع ويمرض ثم يضطر للجوء ولا يجده لكنه يجد وسيلة إيصال معاناته للعالم من خلال وسيلة .

وتعنينا أيضاً (وسيلة) التي تذهب حيث الألم واضعة المؤشر على عين المكان والزمان والإنسان رغم مخاطر الفحص ومهددات الصحافة ..

حلب وأخواتها اليوم ماثلة للشخوص الإنساني ، طويلة القامة باسقة الظلال رغم الافتراس البشري والظلمات الأسدية ، تطلعنا عليها وسيلة كما أطلعتنا على جراحات ماينمار سابقاً ، في إثبات للنفسيات بأن علاج المذيعين والمذيعات في أزمان الفظائع هو استمرار العطاء في منهجية الحق والموضوعية صوتاً وصورة وتعليقاً .

وسيلة عولمي مذيعة الجزيرة لديها الصندوق الأسود لمن أراد الوقوف على حقيقة ما جرى ويجري في ساحة المهانة تلك وبقعة الإهانة تلك ومكان الحقد البشري ذاك كغيرها من فرسان الحق في الإعلام فلا تشرعوا في التحقيق مع من ارتكبوا جرائم حرب دون وسيلة .

لماذا وسيلة ؟ 

لأن فريق الجزيرة المرافق والداعم لهذه التغطيات كان يصبّ في ضميرها قبل حفظها وكنّاشها عظائم الحقائق صعبة التحمّل وصوادم الممارسات عالية الضغط وفظائع الشهادات مرهقة الاحتواء ، فتُشركنا وسيلة بعض همها بتقرير تلو آخر أكلَ قلوبنا ونحن أمام شاشة تقطرُ حزناً .

وصلتنا الرسالة يا وسيلة رغم حيادك فجُنّت الروح ، كيف لبشر أن يسكتَ والإنسان هناك يُباع ويُشترى ويساق للموت وينتزع منه حتى الأمل في الحياة على يد قوم عرف العالم كله بأنهم ورهبانهم إرهابيون باسم الدين ، ومعادون للإنسانية باسم القداسة .

وصلتنا الرسالة يا وسيلة عن حلب التهجير ، وحلب الإبادة ، وحلب التدمير بدم بارد واجتماع ظالمين .

اليوم لا غداً (عالجوا وسيلة) بأن تسمحوا لها أن تُخطط ولو (حلماً) لرحلة عمل في تغطية إعلامية (لأراكان) وقد نصرها المسلمون فأمِنتْ ، ورحلة عمل أخرى في نقل تلفزيوني حي (لحلب) وقد اكتظت بالعائدين وأعيد بناؤها واستقبلهم العالم بالورود والأحضان . 

وأنا على ثقة بأن ذلك عند (وسيلة) أبلغ من أي تحية تتلقاها لواجبٍ كان فرض عين ، فجعلته وسيلة فرض كفاية ، وقامت به نيابة عنّا .

ألف تحية لوسيلة وللجزيرة التي أفهمتناعملياً أنك حين تكون صحيفاً فليست جريمة ..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: