ثمنُ الجاه وحلّ مشكلة السكن

قال لي أبي: إن الشيخ الفاضل عبد الدائم بن الشبرا الشنقيطي رحمه الله مقرئ التلاميذ القرآن الكريم بالمدينة المنورة سكن (الجماجم) وهي منطقة في باب الكومة نهاية شارع السيح دخلت الآن في مشروع طريق السلام والمنطقة المركزية ..
وكغيره من الشناقطة الذين قطنوا تلك المنطقة التي كانت مهجورة فأنشأوا فيها بيوتاً لهم من الصفيح قبل أكثر من خمسين سنة ، واتخذ الشيخ عبد الدائم له مساحة صغيرة حرص على أن تكون لها باحة ترابية بمظلة خارجية لاستغلالها في تدريس الطلاب القرآن العظيم حفظاً وتلاوة ..
حدث في تلك السنوات مناوشات بين البلدية وسكّان هذه المنطقة لقيامهم بالبناء دون ترخيص ولا ملكية أرض ، فما كان من الملك فيصل رحمه الله إلا أن أمر بأن تفرغ لكل ساكن مساحة سكناه باسمه ملكاً من الدولة ..
لم يكن الشيخ الفاضل عبد الدائم سعودي الجنسية بل له إقامة دائمة كانت تعرف بإقامة مجاور أو مهاجر ونحو ذلك ، فما تردد وطلب من صديقه الشيخ الجليل إبراهيم بن الأبنو الشنقيطي أن يكتب مساحة مقر سكنه باسمه معتقداً أنها معاملة حكومية فقط ، ففعل وصار الحال على ما هو عليه ..
مضى زمن وعمر واقتضت مصلحة التخطيط للمدينة المنورة إزالة تلك المنطقة للمشاريع العامة وتعويض أهلها وفق النظام ..
حمل الشيخ عبد الدائم رحمه الله متاع بيته وانتقى مساحة رأى أنها ملائمة على ضيقها في منطقة (القنال) القريبة من السيح والجويزيات وسكن فيها مستمراً في نشاط قدم من أجله قبل سنين طويله من بلاد شنقيط وهو تعليم القرآن وعبادة الله والصلاة في المسجد النبوي الشريف أملاً في الموت بالمدينة والدفن في البقيع ..
وحيث رحل الشيخ الكريم إبراهيم بن الأبنو كذلك ، وما في نفس أحدهما تعلقاً بالدنيا غير تحقيق مناهما أن يكتب لهما الشفاعة بهذا النبي صلى الله عليه وسلم في مدينته وبجوار مسجده وقبره ..
بحثت الجهات المعنية للتعويض المالي عن صاحب تلك المساحة الصغيرة المكتوبة باسم الشيخ إبراهيم حتى توصلت إليه بطريقة ما وذهب الشيخ إبراهيم واستلم مبلغاً ماليا ربما يصل لمئتي ألف ريال ، وحملها كما هي بعفاصها وختمها وحرزها ، وجاء لصديقه الشيخ عبد الدائم ضحى يوم في بيته المتواضع وسلم ودخل وجلس ..
أخذ الشيخ عبد الدائم رحمه الله مواعين الشاهي الأخضر وعزم على الفوز بكأس مع حبيبه الشيخ إبراهيم ترحيباً وإكراماً متبادلين السؤال التقليدي الاستهلالي لكل شنقيطي (اش طاري؟) في ابتسامات رضى وحمد وشكر ..
حكى الشيخ إبراهيم للشيخ عبد الدائم القصة وقال له هذا تعويض بيتك الذي تمت إزالته من الحكومة فخذه فقد استلمت ثمنه لأنه كان باسمي وهذا حقك ..
قطّب الشيخ عبد الدائم وجهه واستعجب واستنكر وقال: معاذ الله تعالى فليس هذا لي بحق ، فقد كنت ساكناً في مكان سمح لي ولي الأمر بسكناه ولما تغير الحال جئت هنا والحمد لله وأنا في نعمة وبركة ، فهي أرض للدولة سمحت ثم أخذت ماهو لها وليس لي حق في ذلك ..
قال الشيخ إبراهيم أنا استلمته ورأيك صحيح ، لكن الدولة ترفض رده لأنه حق لك ، قال الشيخ عبد الدائم والله ليس لي بحق ، ولكن خذه أنت فالأرض باسمك وهذا حقك ..
جاء دور الشيخ إبراهيم ليأخذ زمام المبادرة في الغضب والامتعاض والاستنكار لله تعالى ، وقال لصديقه: معاذ الله أن آخذ ماليس لي بحق ، ثم تريد مني أن أعصي الله تعالى بعد هجرتي بجوار سيد الخلق عليه الصلاة والسلام وآخذ ثمن الجاه ، والله والله لا يفعلها إبراهيم ، فخذ بليتك عنّي ..
دخل على هذين الرجلين الشيخ المصلح الخيّر أحمد خونا رحمه الله ووجد صرة المال هذه تتهادى بين صديقين خافا من رب العزة والجلال ببلاء مال هم في أمس الحاجة له ، كلٌّ يدفعها للآخر في تخليص نفس وقناعة حال واحترام مكان مقدس مبارك ..
جلس معهما – وكعادة الشيخ أحمد خونا صاحب إصلاح في مجتمعات أهله بالمدينة المنورة طيلة حياته – أخذ من بينهما ذلك المال وأوكلا له حل الموضوع ، فقسمه قسمين ، واشترى لكل منهما بيتاً في منطقة مجاوره سكن كل منهما في نصيبه في رضا ، بعد إقناع ذكي من الشيخ أحمد خونا رحم الله الجميع ..
مرت سنون وأعوام وانتقل الشيخ الفاضل إبراهيم بن الأبنو الشنقيطي ليكون إماماً لمسجد قريب من شهداء أحد وبه سكن مجاني سكن فيه مع أسرته طيلة فترة إمامته له ..
فور انتقاله جاء للشيخ أحمد خونا وقال له: بع عنّي هذا البيت الذي بليتني به ، وأرسل ثمنه لإخوتي وأبناء عمومتي في موريتانيا فهم أولى به وهم فقراء ومحتاجون ، وأنا أغناني ربي وسكنت ولله الحمد بجوار بيت من بيوت الله تعالى ..
قال له الشيخ أحمد خونا: ولكن البيت ملكك فأجّرْه ، أو اتركه ربما تحتاج له يوماً ، وربما تترك الإمامة وتضطر له فتعود لبيتك ..
غصب جداً الشيخ إبراهيم وقال: هداك الله يا أحمد خونا ، نحن في المدينة المنورة ، مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، بجوار حجراته وبيته ، حيث كان يقوم صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة رضي الله عنها ويزيح رجليها ليسجد من ضيق المكان ، وتريد أن يكون لإبراهيم في الدينة بيتان يسألني الله عنهما ، والمدينة لا أرى أن يمتلك منها مسلم إلا ما يحتاج فقط دون زيادة ولا نقص ، بع البيت وأرحني وأرسل الثمن كما قلت لك ..
ففعل أحمد خونا رحمه الله تعالى ورحم الشيخ إبراهيم والشيخ عبد الدئم وأجزل لهم المثوبة والإحسان ..
فاعلم يا بني: أن البُلغة في الدنيا صلاح حال وقناعة موجود ومراقبة لله واحترام للمكان والزمان ، واعلم أن في الأمانة بقاء أواصر الصداقة والإخوة الإيمانية ، وأن الشعور بالآخرين طبيعة النفوس المستقيمة ، وأن رجاحة العقل في الإصلاح بين الناس عمل ثمين يفوز به الصالحون الذين يحبون الناس ويسعون في حاجة إخوانهم ..

Advertisements

6 تعليقات

  1. Posted by ابو خالد on 29/03/2017 at 1:39 م

    جزاك الله خير ذاك جيل الشناقطة المجاورين . لم تكن الدنيا مطلبهم بل كان الجوار الحقيقي .

    رد

  2. سبحان الله ، ما أجمل طيبة النفس وسلامة القلب هكذا كان هؤلاء الأخيار يعيشون بشعور المفارق للدنيا الحريص على الورع حتى قد يظن البعض بهم الغفلة والسذاجة ، رحمهم الله، وحقق لهم ما كانوا يسعون إليه من الفوز بالجنة بلا حساب ولا عذاب….بمثل هذه القصص يكتب لهم تاريخ نظيف

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: